منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التعاون؛ واقع ومتوقع، ومآل ما بعد جائحة كورونا.

0

المقدمة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه، وبعد؛ فقد اهتز دول العالم والمجتمعات الإنسانية بجميع المكونات على ظاهرة طبيعية، اخترقت الحدود الجغرافية بين الدول وأغلقتها، واختلت الموازين العالمية بسببها. وما البلاد المغربية عن هذه الظاهرة ببعيد، حيث استفاق المغاربة دولة ومجمعا على واقعة لم تكن في الحسبان، جائحة “كورونا” التي ضربت الإنسانية في أنحاء العالم اقتصاديا وسياسيا وقيميا واجتماعيا. أغلقت الحدود ووسائل التعاون الخارجي إلا ما ندر، وكل بلد من بلدان العالم أصبح منشغلا بذاته ومجتمعه وأبانت جائحة “كورونا” أن شعارات وقيم الإنسانية العالمية التي كان يرفها الغرب ما هي إلا أوهام. فكل مجتمع من المجتمعات العالمية لا يهمه إلا جسمه المريض، ومحاولته الخروج من هذا الوباء الفتاك بأقل الخسائر. فما هو واقع حال الذات المغربية ومآل مجتمعه المستقبلي؟ وهل إلى خروج من هذا الوباء “كوفيد19” من سبيل؟ بلى! لم يبقى هنالك من سبيل بعد إغلاق الحدود إلا سبيل التضامن والتعاون، وتدبير الأمور السياسية والاقتصادية والتعليمية والاجتماعية بما تملك البلاد من مكونات وثروات، وبما لديها من اكتفاء ذاتي، وما عند المجتمع من طاقات وأطر طبية وتربوية تعليمية ورجال أمن، وما يمتاز به ويتوفر لديه من فضل طاقات شبابية متطوعة، وجمعيات مدنية ومؤسسات تضامنية وتعاونية حكومية وغير حكومية.

أولا: واقع المغرب بلدا ومجتمعا زمن كورونا.

إننا في حاجة إلى إلقاء نظرة شاملة أكثر من أي وقت مضى، والنظر بعين البصيرة إلى ما تتوقف عليه بلادنا والمجتمع، والواقع أظهر بعد أن أصدرت السلطات المغربية قرار الحجر الصحي الذي يلزم الناس بالركود إلى فقه السلامة العامة، فرارا من قضاء الله وقدره إلى قضاء الله وقدره في مثل هذه الأوبئة، وامتثالا لأمر الله تعالى: فَفِرُّوٓاْ إِلَى ألله إني لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ{1}.

في ظل هذه الأوضاع المزرية هب المجتمع المغربي استجابة إلى إحياء سنة وسلوك التعاون والتضامن الاجتماعي الأصيلين، في دينه والنابعة من ثقافته وتقاليده الاجتماعية، والسعي لإيجاد الحلول والعلاج، مسلحين بأمر الله في قول الله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى{2}. إلا أن واقع حال هذا العارض النازل والوباء الكاسح بلا قيد ولا شرط والامتحان المفاجئ، أبان عن الخلل الحاصل لأغلب بلدان العالم والتقصير الواضح لبعض الأنظمة والحكومات في مجالات منها: قطاع الصحة، والتربة والتعليم، والتدبير الاجتماعي والقيم الإنسانية بدرجة متفاوتة. وواقع الحال في البلاد المغربية وحكومتها لا يحسد عليه:

المزيد من المشاركات
1 من 70
  • ضعف في عدد الأطقم الطبية اللازمة قبل الجائحة فما بالنا أثنائها.
  • قلت التقنية المتطورة والمختبرات التي يحتاجها رجال الصحة والأطقم الطبية.
  • الافتقار إلى وسائل التكنولوجيا والتواصل عن بعد وهذا ناجم عن ضعف منظومة التربية والتعليم.
  • قيام الجامعات المغربية بمبادرات إلا أنها تضل فقيرة في مجال توصيل المعارف والعلوم بوسائل التكنولوجيا الحديثة.
  • افتقار الجامعات إلى تشجيع الطلبة والطالبات في مجال البحث العلمي الذي به يستمر تطور العلوم بجودة وتقنية عالية وطرق التواصل والتوصيل الفعال.
  • كما أن الجامعة لم تستفد من طلبتها خاصة وأن منهم شباب أكفاء وذوي خبرة عالية في المجال التقني.

نحن اليوم في عصر كثرت فيه التساؤلات جراء الثورة المعرفية والمعلوماتية التي نتجت عن تطور وسائل المعرفة والاتصال ولم يعد من الممكن القبول بفكرة الواحد المطلق “بل هذا زمن المؤسسات والنظم المرنة وتوفير متطلبات الابتكار، وسيطرت العلاقات أكثر من سيطرة الهياكل، وتكثيف دور الاختصاصيين لا تهميشهم وتفتيت القيادة لا تركيزها…الحل؟ (الحوار الكاشف) ومزيد من الخض، للمفاهيم والمصطلحات والمشاريع والدروب والآليات”{3}.

لقد مرت كوارث طبيعية مختلفة كان المسؤول منا يقف ولم يزد عن مجرد الألم، مكتف بالإحساس من بعيد، وذلك ما اعتدناه من المسؤولين كلما رأوا منظرا مؤلما أو مشهدا مرعبا. لا ندري أ لأنه لم تكن تمسهم في حياتهم وذويهم مثل هذه الجائحة؟ أم لأن السفر خارج الحدود متوقف وإن لم يتوقف فحال دول الخارج في هذا الوباء ليست بأحسن حال من بلادنا؟ (مساكين هم حبسهم العذر).

أملنا في الله، وفي كل من له غيرة على هذا الوطن الحبيب، أن يتضاعف الجهد ويستمر التضامن والتعاون الجماعي والمجتمعي. فأي لبيب وذو عقل لا ينكر أن هذه الجائحة فرضت مجموعة من التدابير الاستباقية والاحترازية التي اتخذها المغرب دولة ومجتمعا، للتدخل في الوقت المناسب من أجل الوقاية من هذا الفيروس والتحكم فيه ومنع انتشاره، بفرض حالة الطوارئ الصحية والقيام بحملات التحسيس والتوعية وتوقيف معظم الأنشطة. ومن ذلك إحداث الصندوق الخاص لتدبير مواجهة فيروس كورونا من أجل:

* تحمل تكاليف تأهيل الآليات والوسائل الصحية.

* علاج الأشخاص المصابين بالفيروس في ظروف جيدة.

* دعم مواجهة تداعيات هذا الوباء من خلال تدابير لجنة اليقظة الاقتصادي.

* التخفيف (نسبيا) من التداعيات على المستوى الاجتماعي.

لكن هل هذه الإجراءات كافية؟ ومن جهتها ساهمت بعض المؤسسات ومكونات المجتمع المدني في سبيل:

* توعية أفراد المجتمع وتأطيرهم لمواجهة هذه الظروف.

* التبرع بالمال في مساندة الجهود الوطنية المبذولة لمواجهة الأزمة التي تمر بها البلاد.

* قامت بتعزيز مفهوم التعاون في المجتمع ونشره كقيمة سلوكية باعتباره مسؤولية المجتمع بمختلف شرائحه، هيئات وجماعات وأفرادا.

ثانيا: التعاون المتوقع وما يستفاد من دروس “ما بعد جائحة كورونا”.

حقيقة لقد أبان المجتمع المغربي خاصة في مثل هذا الظرف العصيب مدى تماسكه وعزمه وتضامنه.

أ ـ التعاون المتوقع “ما بعد جائحة كورونا”:

إن للتعاون الأثر البالغ في النفوس مما ينبغي علينا أن نتجاوز الشعور إلى التفكير في الأشياء وأسبابها، ويجب على المغاربة بلدا ومجتمعا أن يقفوا بحزم وعزم بعد الحجر الصحي، في سبيل البحث عن الوسائل التي يمكنها التخفيف عن الشعب وتحسين حالته بالعمل على:

  • التعاون الشامل المبني على اتخاذ الوسائل والتدابير التربوية والتعليمية وكل وسائل النهوض والازدهار.
  • العمل الجماعي بجدية من أجل الإصلاح الشامل والتقليص للفوارق الاجتماعية.
  • التفكير الشمولي المستقل لكل الجوانب وكل جزئي من جزئيات النهوض بالذات المجتمعية.
  • العبرة الشاملة المنشودة الدافعة للتطور والتقدم بالروح الإسلامية الإنسانية المبنية على روح التعاون والتضامن وهذا لا يتأتى إلا بالاستقلال الذاتي.

ب ـ ما يستفاد من دروس “ما بعد جائحة كورونا”

إن الدروس والعبر المستفادة فيما بعد كورونا أنه أصبح من الضروري إعطاء القيمة اللازمة للأطقم الطبية، ورجال التربية والتعليم، ورجال الأمن. كون هذه الأطر هي التي كانت أدرعا حامية للشعب باستماتة واستبصار، بات من الواجب إنزالهم المكانة اللائقة بهم. كما أثبتت هذه الجائحة أن المسؤولين والحكومات إذا أرادوا التفكير في مجتمعاتهم وشعوبهم البائسة باستطاعتهم إحصائهم والبحث عن الوسائل والسبل التي يستطيعون بها أن يحيوا كما قال المناضل علال الفاسي رحمه الله: “حياة شريفة يحسون معها (البؤساء) أنهم يكسبون كما نكسب (يعني طبقة الأغنياء والمسؤولين من أمثاله)، ويربحون كما نربح، وأنه ليس لأحد عليهم فضل إلا فضل التعاون المتبادل والتضامن المشترك”{4}.

* أظهرت هذه الجائحة أنه بات من المصلحة الشخصية الاهتمام بالجار،إذ مشكلته قد تصبح مشكلتنا.

* الطريقة الفعالة الوحيدة لرعاية أنفسنا هي رعاية الآخر. فالمجتمع الإسلامي كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد الواحد بالسهر والحمى.

* بات من الضروري البحث عن الحلول الجماعية للأوضاع والتفكير الجماعي.

هذا وبمقدار ما يتم تعزيز قيمة التعاون والتضامن والتفكير اجتماعيا بقدر ما يحقق المجتمع وحدته وتماسكه وقوته لمواجهة هذه الظروف الصعبة التي تمر بها بلادنا؛ فالإنسان بمفرده لا يستطيع مجابهة أي خطر دون وجود من يسانده ويدعمه. المطلوب كما قال المرحوم علال الفاسي: “لنثر على أنفسنا وعلى أوضاعنا، ولنلب نداء القلب الذي لم تحط به الأوزار، والعقل الذي لم تعمه الأطماع، ولنكون منا الكتلة التي تحرر المجتمع من رق الفقر، وبؤس المرض، وكابوس التعطل، حتى نصنع للمغرب المستقبل شعبا متآخيا في النفس متساويا في الحال، متضامنا في الاستقلال.”

ثالثا: مآل الأفراد والمجتمعات بعد كرونا.

إن مآل الفرد والمجتمع ومعظم الشعب المغربي بعد رفع الحجر الصحي في جانبه النفسي والاقتصادي والأمني ليس بالأمر الهين، ثم إن هناك فئات في المجتمع، في وضعية هشاشة، في حاجة ماسة إلى من يتآزر ويتضامن معها في مواجهة ليس فقط تفشي وباء “كورونا” وإنما أيضا الآثار الاجتماعية السلبية، لما بعد الجائحة مآل شعب:

* أطفالهم حرمهم الحجر الصحي من الخروج والتمتع واللهو.

* حرمهم المكوث في البيت من زيارة الأقارب ورأيت الأحباب والأهل والأصدقاء

* كما حالَ الوباء بينهم وبين اللعب وأفقدهم نشوة فرحة عيد الفطر السعيد، التي لم يعتد الأطفال ولا الآباء في مثل هذه المناسبات التي ينتظروها بفارغ الصبر من أجل الترفيه عن النفس.

* آباء ومجتمع أرهقتم الديون قبل الخروج من الحجر الصحي واجتمعت عليه فواتر متنوعة يحتار فيها بمن سيبدأ في التسديد إن هو وجد عمل. هل سيبدأ بتسديد فاتورة الماء وكهرباء أم فاتورة الكراء… أم يرد الدًين الذي اقترضه وأضافه إلى تلك المساعدة الهزيلة من صندوق تضامن كوفيد19 إن كان محظوظا وتوصل بالدعم.

* آباء وأسر متبوعين بتنقلات هنا وهناك من أجل مباريات ما بعد الباكالوريا وصائره المثقلة.

* آباء وأمهات يشتغلون في مهن تتوقف حركتها أو تقل ونحن على مشارف مناسبة عيد الأضحى المبارك.

هذه بعض الأمور التي تجعل الناس يشعرون بالإحباط والحيرة والاضطراب النفسي من ضيق ذات اليد جراء هذه الأزمة الاقتصادية الخانقة التي أنهكتهم، وجراء القعود عن العمل والمكث في البيوت ملتزمين بالحجر الصحي.

إن محنة كورونا كما جاء على لسان (الوزيرة) جميلة المصلي: كشفت أمورا مهمة في بلادنا، وعلمتنا أمورا أخرى كثيرة، فهي كشفت متانة قيم التضامن في الشعب المغربي كما كشفت عن الجاهزية الكبرى لمختلف الأطر والفعاليات المتدخلة…كل هذا وغيره ذلك من الدروس يوظًف لحسن خدمة الفئة الهشة في المستقبل القريب، كما أن مستويات التنسيق والتعاون بين مختلف المتدخلين أبانت عن الإمكانات الهائلة التي توفرها، والتي ينبغي العمل على استمرارها واستثمارها لصالح الفئات (الهشة) فيما بعد كورونا”{5}. فهل تبقى وفية هي والمسؤولين الذين يهمهم الأمر للعمل على استمرار الدعم واستثماره لصالح الفئات الهشة وذلك في إطار:

* التعامل بواقعية بعد الحجر الصحي والنظر للأمور كما هي حقيقة وواقعا بحس ومسؤولية.

* النهوض بكل أشكال التعاون والتضامن والتآزر وكل الأشكال التي تساعد على معالجة الجسم المغربي المريض.

* العمل على إصلاح شامل وتحسين كامل لحال الطبقات الاجتماعية بأسرها “تحقيقا للتقارب الطبقات الاجتماعية فيما بينها أو القضاء الكلي على ما بينها من فوارق والتي هي الأخرى اصطناعية. ما أنزل الله بها من سلطان”{6}.

نأمل أخيرا إلى المزيد من التضامن والتعاون قصد:

* استمرار صندوق تضامن كوفيد19 وجبر خاطر طبقات أوصلتهم الجائحة إلى درجة الفقر والهشاشة.

* معالجة التأثيرات السلبية لفيروس كورونا على شرائح واسعة من المجتمع المغربي الذين فقدوا عملهم ورواتبهم أو هم دون رعاية صحية.

* النهوض بقوة ووضع تصورات وبرامج اجتماعية للفئات الهشة في وضعية عطالة أو الذين يفقدون عملهم.

* إدخال الفرح والسرور على الأسرة المغربية تعويضا عن الفرحة والبهجة التي افتقدها المجتمع في عيد الفطر. ولما لا مساهمة صندوق تضامن كوفيد19 في شراء أضحية عيد الأضحى لشريحة ليست بالهينة ممن هم في أمس الحاجة للدعم.

خلاصة واستنتاج:

إن ما يدعو لتفاؤل في مآل البلاد المغربية ما بعد جائحة كورونا “كوفيد19″، هي خميرة النهوض الكامنة في أحشاء جسم الأمة، وقلب المجتمع النابض المتقبل لقضاء الله إيمانا واحتسابا، العامل على الدفع لرد قضاء الله وقدره بقضاء الله وقدره، فاعلا مستشرفا للمستقبل. هذا الموقف النبيل الذي وحّـد جميع مكونات المجتمع بأطيافه وقبائله وتياراته وإيديولوجياته، وعمل على اتحاده كتلة واحدة أمام مصير واحد في سبيل القضاء على عدو واحد، وعلى حساب القيم الإنسانية النبيلة المتجذرة في كيان المجتمع المغربي المؤمن بالله، ما يعني أن الأمة لا يمكن أن تنهض من وهدة السقوط التي وقعت فيها إلا إذا تدربت على أن تفكر جماعيا واجتماعيا، وتفكر استقلاليا، وتعودت على ألا ترى في مسائل الأفراد أو الطبقات الأخرى شؤونا بعيدة عنها أو غير عائدة إليها.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

– الهوامش:

1- سورة الذاريات الآية: 50.

2- سورة المائدة الآية: 2.

3- عبد الله فهد النفيسي، الحركات الإسلامية ثغرات في الطريق. (مكتبة آفاق الكويت الطبعة1/ 2012م). الصفحة:27.

4- علال الفاسي، النقد الذاتي. (لجنة تراث زعيم التحرير علال الفاسي، الرباط) الصفحة: 19.

5- محمد حميدة، حوار أجراه موقع إليكتروني، “عربي سبوتنيك” مع الأستاذة المصلي جميلة، وزيرة التضامن والتنمية والاجتماعية والمساواة والأسرة في المغرب، بتاريخ: 09/04/2020.

6- النقد الذاتي، المرجع السابق. الصفحة: 20.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.