منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خطبة: تأخر المطر فرصة لمراجعة إيماننا وتقوانا

خطبة: تأخر المطر فرصة لمراجعة إيماننا وتقوانا {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء} للشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي

0

خطبة بعنوان: تأخر المطر فرصة لمراجعة إيماننا وتقوانا
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء}
للشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي

 

الحمد لله الذي جعل مفتاح بركات السماء والأرض الإيمانَ والتقوى، {وَٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ‌ٱلۡمَرۡعَىٰ فَجَعَلَهُۥ غُثَآءً أَحۡوَىٰ}، وأشهد أن لا إله إلا الله يسمع السر والنجوى، وإليه يلتجئ المؤمنون بالشكوى، فترتفع ألسنتهم إليه بالدعوى(1)، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي أزال بشريعته بوادر كل فتنة وبلوى، وعلى آله وأصحابه الذين تغلبوا على مخاطر خواطر النفس والهوى، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى آخر المثوى؛ {وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ ‌مُتَقَلَّبَكُمۡ وَمَثۡوَىٰكُمۡ}
أما بعد؛ فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته…
لقد تأخر عنا الغيث هذه السنة، فتشوقت قلوب المؤمنين لرحمة الرحمن الرحيم، وتشوفت نفوسهم للغيث العميم؛ فاشرأبت أعناقهم، ولهجت ألسنتهم ولَجَّت حناجرهم في المساجد وبعد الصلوات: «اللهم اسق عبادك وبهِيمتك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت» «اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين».
والله تعالى لم يتركنا في الأزمات سدى حائرين قانطين؛ بل ربط سبحانه نعمة المطر بنوعية أعمالنا، ومن ذلك الإيمان والتقوى؛ فقال سبحانه: {وَلَوۡ أَنَّ ‌أَهۡلَ ‌ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰتٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡارۡضِ}؛ والسلم لا يفوت فرصة إلا واغتنمها، ليحول سَلبياتها إلى الإيجابيات فيستفيد منها ويفيد…

فتعالوا بنا اليوم لنكشف الستار عن بعض معاني الإيمان والتقوى، حتى نلتزم بهما، لعل الله يفتح علينا من السماء والأرض بركاتهما…

● أما الإيمان؛ فمحله القلب، ومعناه: التصديق الكامل بوجود الله تعالى، وما يستتبع ذلك من التصديق بملائكته وكتبه ورسله، وباليوم الآخر وبالقضاء والقدر خيره وشره، تصديقا غير مشوب بأدنى شك ولا تردد، وشرطه الشهادة باللسان، وتمامه العمل بالجوارح والأركان؛ فمن اعتقد بقلبه وأقرَّ بلسانه وعمل بجوارحه فهو مؤمن موفَّق، ومن اعتقد بقلبه وأقرَّ بلسانه ولكن لم يعمل بجواره فهو مؤمن فاسق، ومن لم يعتقد بقلبه؛ فإن أقرَّ بلسانه أو عمل بجواره من غير اعتقاد فهو منافق، وإن لم يعتقد ولم يقرَّ فهو كافر، وإن عمل.
والإيمان مستويات يزيد بالعمل إذا كان طاعة، وينقص به إذا كان معصية؛ والإيمان دون العمل لا يكفي، لأن الإيمان الكامل ليس مجرد تصديق وقناعة؛ بل لابد من ترجمته إلى التقوى والطاعة، فهو ما وقر في القلب وصدقه العمل، وهو على خمسة أوجه: إيمان مطبوع وهو إيمان الملائكة، وإيمان معصوم وهو إيمان الأنبياء، وإيمان مقبول وهو إيمان المؤمنين، وإيمان موقوف في مشيئة الله وهو إيمان العاصين، وإيمان مردود وغير مقبول وهو إيمان المنافقين.

● وأما التقوى؛ فمحلها أيضا القلب، ومعناها في الأصل: الخوف من الله تعالى؛ ولا تتحقق التقوى إلا بالإيمان؛ لأنه لا يمكن للإنسان أن يخاف من شيء لا يؤمن بوجوده، وكما يتفاوت مستوى الإيمان، كذلك تتفاوت مستويات التقوى؛ والله تعالى يقول: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}، والرسولﷺ يقول: «لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى».

وفي معنى التقوى روى ابن أبي شيبة والحاكم وصححه أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فسر قول الله عز وجل: {‌ٱتَّقُواْ ‌ٱللَّهَ ‌حَقَّ تُقَاتِهِ} فقال: «أن ‌يطاع ‌فلا ‌يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر»(2)، وورد أن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه سئل عن التقوى فقال: «هي ‌الخوف ‌من ‌الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل»(3)، كما ورد أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «سأل أبيَّ بن كعب عن التقوى؟ فقال له: أما سلكت طريقاً ذا شوك؟ قال: بلى. قال: فما عملت؟ قال: شمَّرت واجتهدت. قال: فذلك التقوى»(4)، وقد أشار إلى هذا المعنى ابن المعتز رحمه الله تعالى فقال:
خَلِّ الذنوبَ صغيـــرَها * وكبيـــــــــرَها ذاك التُّقى
واصنع كماشٍ فوق أر * ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقـرنَّ صغيــــــــرة * إن الجبــال مـــــن الحصا

ومن هنا عرف العلماء التقوى بأنها: امتثال الأوامر واجتناب النواهي:
• أما الامتثال؛ فهو مركب من عملَيْ القلب والجوارح، ويجب أن نفرق هنا بين الامتثال والتمثيل؛ فالامتثال ينبع من القلب ويظهر على الجوارح، والتمثيل يظهر على الجوارح فقط؛ وعلامة الامتثال أن تكون عبادتك أمام الناس مثل عبادتك وحدك، وعلامة التمثيل أن تُظهر العبادة أمام الناس فإذا كنت وحدك غيرت من حالك؛ فعلى سبيل المثال: من تخشع في الصلاة وبكى واستبكى أمام الناس بينما لا يأتيه ذلك إذا كان وحده فهو مُمَثِّل، ومن يُظهر حسن الكلام أمام الناس بينما لا يعرف إذا كان وحده إلا فحش الكلام فهو مُمَثِّل، ومن يتصدق بماله ليراه الناس ويبخل إذا انفرد بنفسه فهو مُمَثِّل؛ فمن السهل أن تكون مُمَثِّلا في التدين؛ ولكن من الصعب أن تكون مُمْتَـثِلا؛ فالامتثال عميق، بينما التمثيل عقيم، والامتثال صفاء النفس بحسن الرؤية والقناعة، بينما التمثيل تلوث النفس بالرياء والسمعة.

• وأما الاجتناب؛ فله ثلاث مستويات: اجتناب الحرام المتفق عليه فهو الواجب، واجتناب الشبهات المختلف فيها فهو الورع، واجتناب الإكثار من المباحات فهو الزهد؛ والرسولﷺ يقول: «إن الحلال بين ‌والحرام ‌بين، وبينهما أمور مشتبهات»؛ والحرام يجب اجتنابه؛ سواء كان في العقائد، أو في الممارسات، أو في الأموال.
فأساس الحرام في العقائد أمران: الشرك، والنفاق؛ ففي قلب المشرك يعشش كل فساد في أصل العقيدة؛ كالزندقة والشعوذة والخرافات، وفي قلب المنافق يعشش كل فساد في صفاء العقيدة؛ كالرياء والسمعة والحقد والحسد.

وأساس الحرام في الممارسات الأجوفان: الفم، والفرج؛ فمن الفم تتوالد آفات اللسان كالغيبة والنميمة والزور والكذب، ومن الفرج تتولد خطايا الزنا كالنظر إلى المحرمات، والتبرج في الطرقات، والتحرش بالغاديات والرائحات؛ والرسولﷺ يقول: «أكثر ما يدخل الناس النار الأجوفان: الفم والفرج»، ويقولﷺ: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة».

وأساس الحرام في الأموال أمران: الظلم، والخيانة؛ الظلم يأتي من القوي على الضعيف، والخيانة تأتي من كليهما ضد أحدهما؛ فمن الظلم الربا والرشوة والقمار والسرقات، ومن الخيانة الغش في المعاملات، والتطفيف في الكيل والميزان، والاختلاسات الصغرى والكبرى.

والتقوى بشقيها: -من الامتثال، والاجتناب- هي أساس العمل، ورمز صلاحه للأداء وصلاحيته للاستعمال؛ وقد قرن الله تعالى في القرآن بين الإيمان الصادق والعمل الصالح في خمسين آية، بدأت في سورة “البقرة” بالبشرى: {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ‌ءَامَنُواْ ‌وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ}، وخُتمت في سورة “والعصر” بالصبر: {إِلَّا ٱلَّذِينَ ‌ءَامَنُواْ ‌وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ}؛ وبين البشرى والصبر فوائد كثيرة؛ منها على سبيل المثال: أن الله تعالى لا يُثيب ولا يفي بوعده ولا يَهدي ولا يصلح إلا من جمع بين الإيمان والعمل؛ قال تعالى: في سورة “آل عمران” {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ‌ءَامَنُواْ ‌وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡ}، وفي سورة المائدة: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ‌ءَامَنُواْ ‌وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ}، وفي سورة يونس: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ‌ءَامَنُواْ ‌وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ يَهۡدِيهِمۡ رَبُّهُم بِإِيمَٰنِهِمۡ}، وفي سورة العنكبوت: {وَٱلَّذِينَ ‌ءَامَنُواْ ‌وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُدۡخِلَنَّهُمۡ فِي ٱلصَّٰلِحِينَ}

فبالتقوى تنحل المشاكل مهما استعصى حلها؛ فمن وقع في ورطة فعليه بالتقوى؛ لأن الله تعالى يقول: {وَمَن ‌يَتَّقِ ‌ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا}، ومن وقع في ضائقة مالية فعليه بالتقوى لأن الله تعالى يقول: {وَمَن ‌يَتَّقِ ‌ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُ}، ومن وقع في عسر من مرض أو فقر أو فشل فعليه بالتقوى لأن الله تعالى يقول: {وَمَن ‌يَتَّقِ ‌ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مِنۡ أَمۡرِهِۦ يُسۡرٗا}، ومن وقع في الذنوب والمعاصي فعليه بالتقوى لأن الله تعالى يقول: {وَمَن ‌يَتَّقِ ‌ٱللَّهَ يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُعۡظِمۡ لَهُۥٓ أَجۡرًا}.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين.

الحمد لله رب العالمين…
أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ إذا كنا مستعدين لالتزام بلوازم الإيمان والتقوى؛ فسنكون أهلا لرفع أكف الضراعة إلى الله تعالى بالنجوى، والالتجاء إليه بالشكوى؛ لنخصص هذه الخطبة الثانية بالدعوى، فنقول راجين أن يرفع عنا الجفاف والبلوى:
«اللهم اسق عبادك وبهِيمتك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت»، «اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين»، اللهم يا ناشر السحاب في السماء، ويا منزل الغيث والماء، فانشر علينا رحمتك وأنزل علينا غيثك يا أرحم الراحمين، يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث، اللَّهُمَّ أنْتَ اللَّهُ لاَ إِلهَ أَنْت، أنت الغَنِيُّ وَنَحْنُ الفُقَراءُ، اللهم اسقنا غيثا مغيثا، نافعا غير ضار، عاجلا غير آجل، اللهم أنبت لنا الزرع وأدر لنا الدرع، واسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا، فأرسل السماء علينا مدرارا، اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبنا ورحمتك أرجى عندنا من عملنا، اللهم لا تُهْلكنا بذنوبنا ولا بذنوب غيرنا، اللهم لا تُهْلكنا بما فعل السفهاء منا، اللهم ارحمنا ولا تَحْرِمْنا، ووفقنا ولا تفرِّقنا، واخْتَرْنا للخير ولا تُؤَخِّرنا، وألهمنا ولا تُهْمِلنا، وأكرمنا ولا تُـهِنّا، وقنا ولا تفتنا، وآثرنا ولا تُؤْثِر علينا، واقْبَلْنا وأَقْبِل علينا، وأَرْضِنا وارْضَ عنا، وزدنا من كل ذلك ولا تنقصنا. اللهم اقض غرضنا، واشف مرضنا، واستر عرضنا، واسق أرضنا، اللهم اسقنا بالغيث ولا تسقطنا في الفتنة، اللهم أسبغ علينا من نِعمك التي لا تعد ولا تحصى، واغفر لمن أذنب منا وعصى، وأغثنا بغيثك الأدنى والأقصى، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

ربي لك الحمد العظيم لذاتك * حمدا وليـس لواحــــــد إلا ك
يا مدرك الأبصار؛ والأبصار لا * تدري لــه ولِكُنهــــــــــه إدراك
إن لم تكن عيني تــراك فإنني * في كل شيء أستبيــــن علاك
يا منبت الأزهار عاطرة الشذى * ما خاب يوما من دعا ورجاك
يا مجرى الأنهـار عـازبــة الندى * ما خاب يوما من رجـا ودعاك
يا أيها الإنسان مهــلا ما الــذي * بالله جـل جلالـــــــــــه أغراك؟!

اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.