منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خطبة بعنوان: نجاح التمدرس أو فشله رهين بحسن التربية وجودة التعليم أو بقلة التربية وسوء التعليم

الشيخ عبد الله بنطاهر التناني \ خطبة بعنوان: نجاح التمدرس أو فشله رهين بحسن التربية وجودة التعليم أو بقلة التربية وسوء التعليم

0

خطبة بعنوان:

نجاح التمدرس أو فشله رهين بحسن التربية وجودة التعليم أو بقلة التربية وسوء التعليم
للشيخ عبد الله بنطاهر التناني

الحمد لله نبدأ السنة الدراسة الجديدة بسم الله الرحمن الرحيم، {‌سُبۡحَٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ}، وأشهد أن لا إله إلا الله الولي العظيم، القائل في محكم كتابه الكريم: {‌نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُ وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٞ}، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المبعوث مربيا ومعلما بالتطبيق والتحكيم، صلى وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته، اللهم اجعلنا من الذين يعلمون فيقولون، ويقولون فيعملون، ويعملون فيُتقنون، ويُتقِنون فيُخلِصون، ويُخلِصون فيُقْبَلون.

ها هي المدارس تفتح من جديد أبوابها، والمدارس ليست مؤسسات تعليمية فقط؛ بل هي مؤسسات تربوية وتعليمية، والوزارة المشرفة عليها تسمى (وزارة التربية والتعليم)؛ فالتعليم هو: تلقين العلوم والحرف والمهن والفنون بمختلف أشكالها للطالب حتى يتقنها، أما التربية فهي: تنشئة الطالب على السلوك والمبادئ والأخلاق حتى ينضبط بها؛ فكلاهما تلقين؛ إما تلقين العلوم والفنون، وإما تلقين الأخلاق والسلوك؛ فإن كان التعليم أساس العمل؛ فإن التريبة هي الأمل الحافز على هذا العمل، وإن كان التعليم أرزاقا يأخذ منه الإنسان ما كُتِب له؛ فإن التربية هي الأخلاق المهذبة لهذه الأرزاق، وإن كان التعليم تخزينا للمعلومات في الأذهان، فإن التربية هي التزكية لهذه المعلومات في واقع الإنسان، ، وإن كان التعليم جسدا؛ فإن التربية هي الروح، والتعليم بلا تربية جسد بلا روح، والتربية بلا تعليم روح بلا جسد، والجسد بلا روح جيفة وخراب، والروح بلا جسد خيال وسراب، والتربية بدون علم تخلف وانتكاس، والتعليم بدون التربية انحراف والتباس؛ وقد جمع الله بينهما فجعل التربية أساس التعليم، فقال سبحانه: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ‌وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ}، وقال سبحانه في مهمة رسولهﷺ: {يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ ‌وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ ‌وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ}.

فبالتربية دون العلم ربى الآباء أبناءهم على عبادة الأحجار والأصنام، وشعارهم: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ}، وبالتربية دون العلم انتشر بيننا الظلم بكل أشكاله؛ ظلم الأنفس والأجساد، وظلم الأموال والأغراض، وظلم العورات والأعراض، وبالتربية دون العلم تركنا الوسطية في الإسلام؛ فنشأ فينا التطرف والتنطع، وكثرت المحدثات والبدع، وسادت الجهالة والخرافات، وراجت حِرَف المشعوذين والمشعوذات، وما انهزمت الأمة المسلمة اليوم وتكالبت عليها كلاب الأمم فصارت كما قال النبيﷺ: «غثاء كغثاء السيل» إلا بقلة التربية وسوء التعليم.

ومحاربة كل هذا الخليط من الفساد، من أجل التقدم وإصلاح العباد؛ رهين بازدواجية حسن التربية وجودة التعليم؛ فهما كجناحي طير لا يمكن الاستغناء عن أحدهما بالآخر، كلاهما مصدر الحضارة والتقدم؛ وإنما تضيع الأمم بقلة التربية وسوء التعليم؛ والتعليم وحده قد ينتج الفساد؛ لكن مع التربية يسمو بالعباد؛ فلا تكفي قلة التربية مع كثرة التعليم؛ فكيف بقلة التربية وسوء التعليم؟! فلا ينبغي أن نكون كما قال الشاعر:
حَصِّل العلم وإن لم تعمل به / واترك الجهل ولا تعمـل به


ولكن يجب أن نكون كما قال شاعر آخر:
حياة بلا علم حياة ذميمـة / والعلم بلا تقوى فعمر مضيع

فبقلة التربية وسوء التعليم ظهر الفساد في البر والبحر والجو بما كسبت أيدي الناس، والتعليم وحده قد يأتي بالخير وقد يأتي بالشر؛ فبه صنع الإنسان الطائرات النفاثة، وبه أيضا صنع القنابل الفتاكة، والتعليم وحده قد يتحول إلى قنبلة الدمار الشامل، ولكن التربية تجعل منه قِبلة الأمن والسلام؛ وهذا العصر اليوم يشهد على هذا، فمع تقدم العلم تقدما باهرا، وتخلف الأخلاق تخلفا سافرا، أنتج العلماء لهذا الكوكب خرابا ودمارا؛ ولله در القائل:

سموك يا عصر الظـــلام سـفاهة  / عصر الضياء وأنت شر الأعصر

وتقدمت فيك الحضارة حسب ما / قـالوا فـيا وحشيــة المتحضــــر

وتنورت فيك العقـول وإنـمـــــــــا /يقع الخـراب بـزلة الـمتنــــــــــور

فالعلم قد يأتـي بكـل بليـــــــــــــة / ويصير نحو الموت بالمستبصر

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والحمد لله رب العالمين…

الحمد لله رب العالمين…

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ إن أعظم معلم في التاريخ هو الحبيب المصطفىﷺ وهو الذي قال عن نفسه: «إن الله لم يبعثني مُعَنِّتاً؛ ولكن بعثني مُعَلِّماً مُيَسِّراً» رواه مسلم، ودخل ذات يوم المسجد فوجد فيه حلقتين: حلقة للتعليم وحلقة للذكر؛ فقالﷺ: «كل على خيرٍ؛ هؤلاء يقرءون القرآن ويدعون اللهَ، فإن شاء أعطاهم، وإن شاء منعهم، وهؤلاء يَتَعَلَّمُونَ وَيُعَلِّمُونَ، وإنما بُعِثْتُ مُعَلِّماً» فجلس في حلقة التعليم. رواه ابن ماجه؛ والصحابة كلهم تلامذة المعلم الأولﷺ، وقد قال عنهﷺ أحدهم: «بأبي هو وأمي؛ ما رأيتُ معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، والله ما كهرني (أي: ما نهرني) ولا شتمني ولا ضربني» رواه مسلم.

فالتعليم هو وظيفة النبيﷺ، وكل من وقف منا لتعليم الناس يجب عليه أن يستحضر كونه نائبا عن رسول اللهﷺ؛ فلا يغش ولا يخون؛ لا في تحصيل العلم، ولا في تفصليه، ولا في تحصينه، وإنما تحصينه في ذهن الطالب والتلميذ بحسن التربية، وحسن التربية تتحقق بالأحوال قبل الأقوال، فلا يكفي من المعلم والأستاذ حسن الشرح والإلقاء؛ فلا بد من حسن السيرة والسلوك؛ وفي هذا قال علماء التربية: “حال رجل في ألف أنفع من قول ألف رجل في رجل” بمعنى أن حال شخص واحد بفعله وعمله يؤثر بالخير أو بالشر في ألف متعلم بكيفية لا يؤثر بها قول ودرس ألف شخص يستهدفون به متعلما واحدا؛ وفي هذا يقول الله تعالى: {أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ ‌بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ}، ويقول سبحانه: {‌كَبُرَ ‌مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفۡعَلُونَ}، وإذا كان التعليم من مسؤولية المعلم والأستاذ؛ فإن التربية من مسؤولية الجميع، المجتمع بكل مكوناته؛ بدءا من الأم، إلى الأب، إلى التاجر في الشارع، إلى سائق النقل المدرسي أو العمومي، إلى إمام المسجد، إلى بواب المدرسة، ثم إلى المعلم والأستاذ بالأولى والأحرى؛ فالكل في التربية مسؤول؛ والرسولﷺ يقول: «‌كلكم ‌راع، وكلكم مسؤول عن رعيته»؛ فأي معاملة سيئة تصدر من أحدنا مهما كان، فيمكن أن يتأثر بها أي طفل يراها ويشاهدها؛ فيكون عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة…

ألا فاتقوا الله عباد الله، وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.