منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خطبة: صلاح الوالدين أساس صلاح الأولاد

الشيخ عبد الله بنطاهر التناني / صلاح الوالدين أساس صلاح الأولاد

0

خطبة: صلاح الوالدين أساس صلاح الأولاد

للشيخ عبد الله بنطاهر

 

الحمد لله الملك القدوس السلام، سبحانه وتعالى لا تأخذه سنة ولا ينام، وأشهد أن لا إله إلى الله جعل صلاح الأولاد في تعاليم الإسلام، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله الذي كان في صلاح الأولاد القدوة والإمام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الكرام، وعلى التابعين لهم بإحسان ما تعاقب النور والظلام.

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.

ها هي المدرس قد فتحت اليوم أبوابها، والهدف من كل المدارس هو صلاح الأبناء، وصلاح الأبناء مسؤولية لا تتحملها المدارس فقط؛ بل المدرسة الأولى في تحقيق صلاح الأبناء هو صلاح الآباء إذا تحقق؛ فكثيرا ما نعتني بصلاح الأبناء وننسى صلاح الآباء! وصلاح الآباء هو السابق لصلاح الأبناء؛ بل إن صلاح الآباء هو الأساس، وصلاح الأبناء هو البناء، والبناء دون الأساس ساقط ومنهار، والأساس دون البناء خراب وأطلال، فالله تعالى عندما ذكر لنا صلاح الأولاد بناه على صلاح الوالدين: فقال سبحانه: {وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا ‌رَبَّيَانِي صَغِيرٗا}؛ فصلاح الأولاد ليست نتيجة الإيلاد والإنجاب فحسب؛ بل هو نتيجة التربية والآداب، {كَمَا ‌رَبَّيَانِي صَغِيرٗا} ولم يقل كما ولداني صغيرا، فليس من حق أي أب أن يطالب بإصلاح ولده إذا فقد هو الصلاح في نفسه، وليس من حقه أن يطالب بالحقوق إذا ما ربى أبناءه على العقوق؛ روى البخاري ومسلم أن الرسولﷺ يقول: «ما من مولودٍ إلا يُولَدُ على الفطرةِ، فأبواه يهودانه، أو ينصِّرانه، أو يمجسانه» وفي رواية: «ويشرِّكانه».

المزيد من المشاركات
1 من 25

فحين يفقد الآباء مقتضيات التربية في أنفسهم فلن يستطيعوا تنشئة أبنائهم عليها؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، “متى يستقيم الظل والعود أعوج؟” كما يقال؛ لأن عمدة التربية إنما تكون بالأحوال قبل الأقوال، وفي هذا يقال تلك الحكمة المشهورة: “حال رجل في ألف رجل أنفع من قول ألف رجل في رجل” ومعناها: أن حال شخص واحد ملتزم بتعاليم دينه قد يؤثر في ألف شخص بالكيفية التي لا يؤثر بها ألف شخص إذا كانوا يعظون واحدا، وذلك لأن مصداق القول هو العمل، ولأن القول بدون عمل نفاق وخداع، ولتحقيق هذه التربية العملية أمرنا رسول اللهﷺ بالصلاة في بيوتنا حتى يتعلم الأطفال منها؛ روى الإمام مسلم عن جابر أن النبيﷺ قال: «إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبا من صلاته، فإن الله تعالى جاعل في بيته من صلاته خيرا»…

فالأطفال يتأثرون بالأعمال أكثر من تأثرهم بالأقوال؛ ولهذا نجد أن الطفل الذي يصلي أبواه أول شيء يقوم به في حركاته الأولى هو أفعال الصلاة من ركوع وسجود، كما نجد أن الطفل الذي يدخن أبوه أو ترقص أمامه أمه، أول شيء يقوم به هو البحث عن بقايا سيجارات أبيه أو الرقص اقتداء بأمه، وكثيرا ما يخطئ الآباء فيظنون أن التربية هي أن تقول لولدك: (افعل هذا ولا تفعل ذاك) كلا؛ بل لا بد أن تكون سباقا إلى فعل خير أنت تأمر به أولادك، وإلى ترك شر أنت تنهى عنه أولادك، فكيف تقول لولدك مثلا: لا تدخن وأنت تدخن؟ وكيف تحثه على الجد والاجتهاد وأنت تتكاسل عن عملك وواجبك؟ وكيف تنهى ولدك عن الكذب وأنت تعلمه كيف يكذب إذا ما دق أحد -مثلا- باب منزلك وأنت حاضر ولا تريد مقابلته فتقول لولدك: قل له: غير موجود؟ فالله تعالى لا يقبل منك قولا أنت تعمل ضده يقول الله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ‌لِمَ ‌تَقُولُونَ مَا لَا تَفۡعَلُونَ كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفۡعَلُونَ}، ويقول سبحانه: {‌أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ}.

فإذا كان المطلوب من الوالدين الأذان في أذن الطفل بعد الولادة كما يفعل رسول اللهﷺ، إيذانا بتلقيحهم بعقيدة التوحيد المحلى بها الأذان؛ فما ذا ينفع ذلك إذا كان الخلل في عقيدة الوالدين نفسها، إذا كانت مبنية على الخرافات، يصدقان بالشعوذة، ويعتادان زيارة المشعوذين والسحرة والنفاثات في العقد، اللواتي يستعملن ما يسمى”ألدون” أو “الكرطا” وغير ذلك لكشف الغيب أو إزالة السحر أو إيجاده؛ فمن ذهب عند هؤلاء فقد فسدت عقيدته، وبالتالي ليس لديه ما يربي عليه أبناءه من العقيدة الصحيحة السليمة.

وإذا كان المطلوب من الوالدين أن يأمرا أبناءهما بالصلاة لسبع سنين كما قال رسول اللهﷺ؛ فكيف إذا كان هما لا يحافظان على الصلوات في شروطها وأركانها وجماعتها ووقتها؟ فكيف إذا كانت الصلوات عندهما عادة تُؤْتَى لا عبادة تُؤَدَّى؟ فكيف إذا كان لا يصليان أو يصليان يوما ويضيعانها أياما، أو لا يعرفان الجماعة إلا في الجمعة والعيدين؟ وكل هذا موجود؛ بل منتشر ومشتهرة في واقعنا.

وإذا كان المطلوب من الأم الوالدة أن تمنع بنتها من التبرج والتحرش بالشيب والشباب حتى لا يتحرشون بها؛ فكيف إذ كانت الأم الوالدة هي نفسها متبرجة متحرشة كاسية عارية؟ والبادئ أظلم.

وإذا كان المطلوب من الوالدين منع أولادهما من السير وراء ما استجد من صيحات موضة الفسق العالمي؛ فما بالك إذا كان الآباء قد أخذوا هم أنفسهم من هذه الموضة بحظ وافر؟ «فأبواه يهودانه، أو ينصِّرانه، أو يمجسانه»؛ فقد جردت هذه الموضة الآباء والأبناء معا؛ بل لم تترك للإنسان في هذا العصر لباسا يواري عورته ويستر عاره؛ فإذا كان العري رمز الحضارة وعنوان التقدم فقد كان الإنسان الحجري الذي لا يعرف لباسا يواري سوءته أفضل منا؛ بل الحيوان الذي لا يجد ما يستر عورته إلا ذيله هو أحسن؛ يقول الله تعالى في الإنسان السيئ: {أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ ‌بَلۡ ‌هُمۡ أَضَلُّ} أما الإنسان السَّوِيُّ فيقول فيه: {يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمۡ لِبَاسٗا يُوَٰرِي سَوۡءَٰتِكُمۡ ‌وَرِيشٗا وَلِبَاسَ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ}.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والحمد لله رب العالمين…

الحمد لله رب العلمين…

مقالات أخرى للكاتب
1 من 17

أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ روى الإمام مسلم أن رَسُول اللَّهِﷺ قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»؛ فهذا الحديث يدل على أن الولد الصالح هو النتيجة الحتمية لصلاح الوالدين، والقرآن الكريم يحكي لنا قصة سيدنا موسى -عليه السلام- مع الرجل الصالح سيدنا الخضر الذي أقام الجدار الآيل للسقوط فأصلحه، في قرية رغم أن أهلها تنكروا لهما وأهملوهما ورفضوا ضيافتهما، فلما اعترض سيدنا موسى على ذلك قال له كما في القرآن الكريم: {وَأَمَّا ‌ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيۡنِ يَتِيمَيۡنِ فِي ٱلۡمَدِينَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٞ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا}؛ فالآية تدل على أن صلاح الوالدين يبقى تأثيره ساري المفعول لصالح الأولاد ولو بعد موتهما، ولا فرق بين الأب والأم في هذا المجال؛ فإذا كانت الأم هي الحنان فإن الأب هو الأمان، فمن فقد أمه فقد الحنان الصافي، ومن فقد أباه فقد الأمان الكافي، {وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا ‌رَبَّيَانِي صَغِيرٗا}.

ألا فاتقوا الله عباد الله، وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.