منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خطبة الجمعة: الأزواج بين التقدير للميثاق المأخوذ عليهم والاستخفاف به

الشيخ بنسالم باهشام / الأزواج بين التقدير للميثاق المأخوذ عليهم والاستخفاف به

0

 

خطبة الجمعة: الأزواج بين التقدير للميثاق المأخوذ عليهم والاستخفاف به

الشيخ بنسالم باهشام

 

الحمد لله الذي خلق لنا من أنفسنا أزواجاً، فقال سبحانه في سورة الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ﴾ [الروم: 21]، وارتضى لنا الإسلام، الذي فيه وحده سعادتنا، شريعة ومنهاجا، مصداقا لقوله تعالى من سورة المائدة: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]

والصلاة والسلام على البشير النذير الذي أرسله الله لخلقه رحمة للعالمين منيرا وسراجاً ، فهو صلى الله عليه وآله وسلم نور الله الذي ينير الطريق للسالكين، والأرواح إلى بارئها في معراجها القدسي، وعلى آله وأصحابه والتابعين لملته سلوكاً وانتهاجا .

عباد الله، عندما نستقرئ كتاب الله من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، نجده سبحانه وتعالى يتحدث عن الميثاق الغليظ، وقد ورد ثلاث مرات، في مواضع مختلفة، موضع وفىّ فيه أصحابه، بهذا الميثاق، وهم النبيئون عليهم السلام، وموضع نكث أصحابه هذا الميثاق، وهم اليهود، وموضع يتأرجح أصحابه بين الملتزمين بالميثاق والناقضين له، وهم الأزواج.

ففي الموضع الأول: أخذ الله على النبيئين عليهم السلام، الميثاق الغليظ، وهم خيرة خلق الله، فوَفّوا به، قال تعالى في سورة الأحزاب: (وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) [الأحزاب: 7]، وهو ميثاق تبليغ الرسالة، فالله جل وعلا أخذ من هؤلاء الأنبياء عليهم السلام ميثاقا عظيم الشأن، بالغ الخطورة، وغِلَظ ميثاق النبيين عليهم السلام، هو سؤالهم عما فعلوا في الإرسال. فالملَك إذا أُرسل لرسول، وأمره بشيء وقبله، فهو ميثاق، فإذا أعلمه بأنه يُسأل عن حاله في أفعاله وأقواله، يكون ذلك تغليظا للميثاق عليه، حتى لا يزيد ولا ينقص في الرسالة، مما يدل على أنه عهد في أقصى درجات الدقة والأهمية.

والموضع الثاني: الذي ورد فيه الميثاق الغليظ، في قوله تعالى عن بني إسرائيل في سورة النساء: (وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) [النساء: 154])، وقد أسند رب العزة سبحانه وتعالى أخذ الميثاق إلى ذاته العلية في قوله تعالى: “ وَأَخَذْنَا ” تنبيها على أهميته، إلا أنهم نقضوا عهدهم وميثاقهم، وكفروا بآيات الله ونبذوها وراء ظهورهم.

وغلظ الميثاق هنا، لأنه كان شديدًا قويا في معناه وموضوعه، وما اشتمل عليه من أوامر ونواه وأحكام، مع التأكيد على الالتزام بما حمله الميثاق، ولأنهم كانوا منغمسين في الجحود والعناد والإنكار، فكان المناسب في الآية تأكيد العهد والميثاق وتغليظه عليهم مراعاة لطبيعتهم الناكثة للعهود.

والموضع الثالث: الذي ورد فيه الميثاق الغليظ، في قوله تعالى عن الأزواج في سورة النساء: (وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) [النساء: 21]، ووصف سبحانه  وتعالى الميثاق بالغلظة في هذه الآية الكريمة، لقوته وعظمته، ومدى أهميته في بناء الأسرة التي هي اللبنة الأولى للمجتمع، إذ بصلاحها يصلح المجتمع، وبفسادها يفسد، والميثاق الغليظ، هو العهد الذي أُخِذ للزوجة على زوجها عند عقد النكاح، وما يتضمنه من حق الصحبة والمعاشرة بالمعروف.

عباد الله،  إن الميثاق الغليظ في العلاقة الزوجية،يقتضي حسن المعاشرة بين الزوجين، والصدق، والتضحية، والبذل، والوفاء والحب، والتفاهم.

عباد الله، اعلموا جميعا أن عقد الزواج عقد جليل، ورباط قويم، لهذا وصفه القرآن الكريم بأنه ميثاق غليظ، وفي ذلك إشارة إلى قوة ومتانة هذا العقد الذي يعسر نقضه، كالثوب الغليظ الذي يعسر شقه أو تمزيقه.

عباد الله، إن وصف عقد الزواج بـ “الميثاق الغليظ”، يضفي على هذا العقدِ جلالًا وهيبة، وتقديرًا واحترامًا، وينبّه الزوجين إلى أن هذا العقد مستمر ومقاوم للعواصف الأسرية، والأزمات الحياتية، والصعاب المختلفة، ومحفزًا للزوجين أن يأخذا على أنفسهما العهد والميثاق بأن يحسنا العشرة فيما بينهما، مصداقًا وتطبيقًا لقوله عز وجل من سورة النساء: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) (سورة النساء، الآية 19).

عباد الله، إن من أهم أسباب فشل العلاقة الأسرية في معظم حالات الطلاق، عدم استحضار الأزواج أهمية هذا الميثاق الغليظ، مما يبين عدم الاستعداد الجيد لهذه المرحلة الجديدة من الحياة الأسرية.

عباد الله، إن الاستعداد لعقد الزواج بكل إجراء، من شأنه تحقيق حماية الأسرة، وهذا الاستعداد، هو أولى من الاستعداد للمشروعات الكبيرة، فإذا كان الشخص لا يُقدم على أي مشروع إلا بعد دراسة شاملة لكل أوجه هذا المشروع، من دراسة الجدوى ونحوها، لكي يثمر ثمرات حقيقية يحقق الأهداف المرجوة منه، فإنه لا شك أن هذا العقد الجليل الذي هو عقد الزواج، هو أهم مشروع يفعله الإنسان في حياته، ولهذا كان لا بد قبل الإقبال عليه، أن يتعرف كل طرف من طرفي هذا العقد على الآخر تعرُّفًا يؤدي إلى تحقيق الوئام بينهما إذا ما تم هذا العقد؛ ولهذا كانت مرحلة الخِطْبة من الأمور المهمة للسير في هذا الشأن الكبير، والتي أسأنا استثمارها، بقضاء الخطيبين هذه الفترة الحاسمة، في الرومانسية المزيفة، والمجاملات الكاذبة.

عباد الله، على كل الأزواج أن يعلموا، وليبلغ الشاهد منكم الغائب، أن حل المشكلات الأسرية بضرب الزوج لزوجته، يخالف الميثاق الغليظ؛ فالضرب مسلك الضعفاء الذين لا يديرون الأسرة إدارة حسنة، وهو مسلك الرجل الفاشل، وهو مخالف للمسلك النبوي الشريف، ومغاير للنموذج النبوي في التعامل مع زوجاته رضي الله عنهن، روى الإمام أحمد في المسند،أن السيدة عائشة رضى الله عنها تقول: (وَاللَّهِ مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ امْرَأَةً لَهُ قَطُّ، وَلَا خَادِمًا لَهُ قَطُّ، وَلَا ضَرَبَ بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ مَأْثَمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبَعْدَ النَّاسِ، وَ وَاللَّهِ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ مِنْ شَيْءٍ قَطُّ يُؤْتَى إِلَيْهِ حَتَّى يُنْتَهَكَ مِنْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ). [مسند أحمد: 26448].

عباد الله، اعلموا أن الميثاق الغليظ للزواج يقتضي الامتزاج بين الطرفين، وأن يحفظ كل من الزوجين سر الآخر، وأن يكون ساترًا لعيوبه كما يكون ساترًا لعورته، مثل اللباس،مصداقًا لوصف الله عز وجل ذلك بقوله في سورة البقرة: (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) (سورة البقرة 188)

عباد الله، يقول الإمام القرافي المالكي  في شأن عظم عقد الزواج عن غيره من العقود: (إن الشيء إذا عظُم قدره شدّد فيه الشارع ما لم يشدد فيما ليس كذلك، ولما كان النكاح عظيم الخطر، جليل القدر؛ لأنه سبب بقاء النوع الإنساني، وسبب العفاف الحاسم لمادة الفساد واختلاط الأنساب، وغير ذلك من المصالح، لما كان الأمر كذلك، شدد فيه الشارع ما لم يشدد في البيع؛ نظرا لسهولة أمر البيع).

عباد الله، إن الزواج هو آية من آيات الله، فقد جمع الله فيه بين شخصين مختلفين في البيئة والفكر والثقافة والطباع، وإن كان هناك تشابه في بعض الجوانب، إلا أنه ليس تماثلا تاما، فهذا من آيات الله، يقول الله عز وجل في سورة الروم: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (سورة الروم 21).

لهذا ينبغي أن يتحمل كل من الزوجين هفوات الآخر، وأن يصبر عليه، ويتسامح على الزلات، ويلتمس الأعذار، بل ويعمل على إيجاد الوسائل التي تخلّص الطرف الآخر من المتاعب لتحقيق السكن والمودة، وهذا من مقتضيات الميثاق الغليظ.

عباد الله، إن عقد الزواج في الإسلام، من العقود المهمة، ولأهميته فإن الحق سبحانه وتعالى لم يصف عقداً من العقود بما وصف به عقد الزواج، فقد وصفه بأنه الميثاق الغليظ، وحتى نفهم المقصود بالميثاق الغليظ الذي أخذه الله على  الأزواج نرجع إلى بعض كتب التفسير.

يقول شيخ المفسرين أبو جعفر الطبري رحمه الله في تفسيره جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ويسمى كذلك تفسير الطبري: (وأولى هذه الأقوال بتأويل ذلك، قولُ من قال: الميثاق الذي عُني به في هذه الآية: هو ما أُخذ للمرأة على زوجها عند عُقْدة النكاح، من عهدٍ على إمساكها بمعروف، أو تسريحها بإحسان، فأقرَّ به الرجل. لأن الله جل ثناؤه بذلك أوصى الرجالَ في نسائهم). [تفسير الطبري 8/130.]

ويقول الرازي  رحمه الله تعالى في  تفسيره مفاتيح الغيب، ويسمى التفسير الكبير، كما يسمى تفسير الرازي: (في تفسير هذا الميثاق الغليظ وجوه :

الأول : قال السدي وعكرمة والفراء : هو قولهم زوجتك هذه المرأة على ما أخذه الله للنساء على الرجال، من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، ومعلوم أنه إذا ألجأها إلى أن بذلت المهر فما سرحها بالإحسان ، بل سرحها بالإساءة .

الثاني : قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد : “الميثاق الغليظ، كلمة النكاح المعقودة على الصداق، وتلك الكلمة؛ كلمة تستحل بها فروج النساء، قال صلى الله عليه وسلم  فيما رواه مسلم في صحيحه: « اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله » [صحيح مسلم برقم (1218)].

الثالث : قوله : ﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم ميثاقا غَلِيظاً ﴾، أي أخذن منكم بسبب إفضاء بعضكم إلى بعض ميثاقا غليظا، وصفه بالغلظة لقوته وعظمته، وقالوا : صحبة عشرين يوما قرابة، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج) . [تفسير الرازي 5/123].

عباد الله، إن من علامة فشل بعض الأزواج في علاقتهم الزوجين، هو عدم قبولهم لاشتداد نسائهم عليهم، وبسبب الميثاق الغليظ،  عندما تشتد امرأة على زوجها، قد يغضب، ونقول له: يكفيك أن الله أحل لك منها ما حرمه على غيرك، وأعطتك عرضها، فحين تشتد عليك لا تغضب، وتذكَّر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : « خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي » .

عباد الله،  الميثاق هو : العهد يؤخذ بين اثنين، فأنت أيها الرجل، عندما سألت ولي الفتاة  وقلت له: « زوجني » فقال لك : زوجتك، فإن مفهوم كلمة الزواج هذه، ستعطي أسرة جديدة ، وكل ميثاق بين خلق وخلق في غير العِرض هو ميثاق عادي، إلا الميثاق بين الرجل والمرأة التي يتزوجها، وهذا الميثاق الغليظ، يُحتم عليك إن تعثرت العشرة، أن تتحمل زوجتك وتعاملها بالمعروف، وإن تعذرت العشرة وليس هناك فائدة من استدامتها، فيصح أن تسرح هذه الزوجة بالمعروف، دون أن تؤذيها لا قولا ولا فعلا، لا باللسان ولا باليد، قال تعالى في سورة البقرة: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [البقرة: 229]، [تفسير الشعراوي، بتصرف (ص: 1423)]

عباد الله، إنه ليس أبلغ من التعبير القرآني العظيم في وصف علاقة الزوجية بكونها [الميثاق الغليظ]، وبما تعنيه الكلمة القرآنية من بلاغة وروعة من العهد والقوة والتأكيد الشديد لأهمية الحفاظ على هذا الميثاق والوفاء به.

فيا عبد الله، هل قدرت هذا الميثاق العظيم، فأكرمت زوجتك حينما أحببتها، وكنت لها نعم المعين والمعاشر بالمعروف، لتحظى بالخيرية بين الناس؟  ولم تهنها عندما كرهتها، وسرحتها بمعروف دون ضرب أو عنف، وسلمتها لولي أمرها الذي زوجكها وهي مكرمة مبجلة ومحترمة؟ إن التزمت بهذا فإنك ستلحق بزمرة الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، والذين وفوا بالميثاق الغليظ الذي أخذ عليهم ، والذي يدخل ضمنه حسن المعاشرة لزوجاتهم، أم أنك استهنت بهذا الميثاق الغليظ، فضربت زوجتك ضربا مبرحا، وأهنتها بكل أنواع الإهانات الحسية والمعنوية، وهضمت حقوقها التي خول لها الإسلام، وهي لا زالت تحت عصمتك، وأسأت إليها وإلى وليها وأسرتها عند الفراق، بدل أن تسرحها بمعروف، وبهذا ستستحق اللحاق بنموذج اليهود الذين نقضوا الميثاق الغليظ؟ أنا لا أنتظر منك الجواب، بل الجواب الصريح يبقى لك أيها الزوج إذا استحضرت أنك ستحاسب حسابا شديدا عندما تقف بين يدي الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية، فحاسب نفسك قبل أن تحاسب، وزن أعمالك قبل أن توزن عليك، واستعد ليوم العرض الأكبر على الله تعالى، يوم يقول للمظلوم تقدم، ويقول للظالم لا تتكلم.

فاللهم ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، واجعلنا للمتقين إماما

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.