منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خطبة: بعض جوانب الغش في الدعوة إلى الله

الشيخ بنسالم باهشام / بعض جوانب الغش في الدعوة إلى الله

0

 

خطبة: بعض جوانب الغش في الدعوة إلى الله

الشيخ بنسالم باهشام

 

عباد الله، يقول الله تعالى في سورة النحل: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: 125]

عباد الله، بعد أن تحدثتْ الآيات القرآنية من سورة النحل عن النموذج الإيماني الأعلى في الإنسان؛ في شخص أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، وجعلتْ من أعظم مناقبه أن الله أمر خاتم رسُله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم باتباعه، فقال سبحانه: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ، اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا، وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [النحل: 120 – 123]، بعدها أخذتْ الآية في بيان الملامح العامة لمنهج الدعوة إلى الله. إذ بينت أسلوب الدعوة الذي يجب أن يتنوع بتنوع المخاطبين، والذين يمكن تقسيمهم في المجتمع المسلم إلى ثلاث شرائح، شريحة أهل الفكر والحكمة، من العلماء والمفكرين والفلاسفة، ومنهج الدعوة القرآني يقتضي مخاطبتهم بالحكمة، أما عامة الناس فلابد من مخاطبة مشاعرهم، وكشف حقيقة الدنيا لهم، وترغيبهم في الدار الآخرة، وتليين قلوبهم، وهذه هي الموعظة الحسنة، أما أهل الكتاب من اليهود والنصارى فالأسلوب الدعوي القرآني، يقتضي مجادلتهم بالتي هي أحسن، والقاسم المشترك بين هذه الشرائح الثلاث في الأسلوب الدعوي القرآني، هو الإحسان في الدعوة إلى الله تعالى، فالحكمة دعوة إلى الله بإحسان، والموعظة الحسنة إحسان، والمجادلة بالتي هي أحسن إحسان.

عباد الله، إن السر في تذييل هذا المنهج الدعوي القرآني الإحساني بقوله سبحانه:  ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين﴾، لِيُبيّن لنا سبحانه وتعالى حساسية هذه المهمة الدعوية الإحسانية، وأنها تُبنى على الإخلاص لله في توجيه النصيحة  أولا وأخيرا، ولا ينبغي للداعية أبداً أنْ يغُشَّ في دعوته، فيقصد من ورائها شيئاً آخر، فقد تدعو شريحة من هذه الشرائح الثلاث، وفي نفسك استكبار على المدعو، أو شعور أنك أفضل منه، أو أعلم منه، أو الرغبة في الانتصار للنفس.

عباد الله، من الناس والعياذ بالله مَنْ يجمع القشور عن موضوع ما، فيظن أنه أصبح عالماً، أو يفهم نصوص الشرع فهما خاطئا، فيضر الناس أكثر مِمّا ينفعهم، فالذي حفظ أربعة نصوص من القرآن والسنة مثلا، واعتقد أنه قد أحاط بالدين الإسلامي علما، وأصبح حارسا له، يُبدّع هذا، ويكفر هذا، ويفسق هذا، ويحسب بعمله أنه يحسن صنعا، فإنه في الحقيقة من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهذه النصوص الأربعة التي حفظها  وفهمها فهما خاطئا بخلاف فهم السلف الصالح، واعتقد أنها هي المنهاج النبوي في الدعوة، وميزان قبول الأعمال ورفضها، هي:

1 –  قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ ﴾ [المائدة: 3]، ويقول: بما أن الدين قد اكتمل، فلا يحق لنا أن نضيف شيئا على ما ورد، إلا بنص قرآني صريح قطعي الدلالة في المسألة، أو بنص خاص ورد في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم القولية أو الفعلية أو التقريرية.

2 – مستشهدا بما رواه البخاري ومسلم، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردٌّ)؛ [أخرجه البخاري (2697) ومسلم (1718)] وفي روايةٍ لمسلمٍ: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو ردٌّ). [أخرجه مسلم (1718)]،

3 – ومستشهدا بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه، عن العرباض بن سارية رضي الله عنه، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: (وإياكم ومحدثات الأمور ؛ فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة) [أخرجه أبو داود (4067)].

4 – وبالحديث الذي رواه النسائي في سننه، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته: ( إن أصدق الحديث كتاب الله ، وأحسن الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ) [أخرجه بهذا اللفظ النسائي في سننه (3/188)]

عباد الله، إن الخلل عند هذا الشخص – والذي يمثل شريحة من مجتمعنا، قد أعفت لحيتها وقصرت ثيابها – أنه حفظ هذه النصوص من الكتب، دون أن يتلقاها من العلماء الربانيين بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويفهمها كما فهمها السلف الصالح رحمة الله عليهم، بل فهمها فهما ضيقا وسطحيا، واعتقد أنه أصبح بذلك حريصا على الإسلام، وحاميا للعقيدة من البدع والمحدثات في الدين، ومعتقدا أن ما هو عليه هو الصواب المحض، وما يقوم به من خالفه هو البدعة والضلال، وبهذا الفهم الضيق، لا يؤمن بتعدد الآراء الفقهية واختلافها، ولا بالعام ولا الخاص، ولا المطلق ولا المقيد، من النصوص الشرعية، وتراه لا يخوض إلا في الفرعيات من الدين، مما تعددت فيها الأقوال، واختلفت فيها الآراء باختلاف الأدلة الشرعية المستند إليها، ولا يعرف أن المسألة الدينية إذا تعددت فيها الآراء المعززة بالسند الشرعي، فقد خرجت من حيز المنكر، وأصبح من المحرم الإنكار على صاحبها، لأن من شروط إنكار المنكر، أن يكون منكرا في جميع المذاهب، ولا يحق لأحد أن يبدع من خالفه أو يفسقه أو يحرص على أن يقنعه بما ذهب إليه هو، مادام في المسألة متسع، بل تجد هذا الصنف من الغاشين في الدعوة إلى الله، يتطاول على العلماء العاملين الذين أفنوا عمرهم في البحث والتنقيب، لا لشيء إلا لأن ما ذهبوا إليه يخالف فهمه المسطح، وعلى سبيل المثال لا الحصر، هذا أحد الغاشين في الدعوة إلى الله، جاء إلى أحد العلماء، لا لأجل الاستفادة منه، وأخذ العلم بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو دعوته إلى الله بإحسان، وإنما جاءه لإحراجه، والتطاول عليه، فقال له: يا شيخ، هل الاحتفال بمولد الرسول  صلى الله عليه وسلم  بدعة ؟! فأجابه العالم: هل ميلاده – صلى الله عليه وسلم – نعمة أم نقمة ؟ قال له: لا شكّ أنه نعمة، فقال له العالم: والمولى جلّ جلاله يقول: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، فنحن نحدث بنعمة الله تعالى أن منَّ علينا به صلى الله عليه وسلم .

عباد الله، مادام هذا العالم قد أتى بالدليل من القرآن، وأن ما ذهب إليه يندرج تحت دليل عام من القرآن، فليس من الضروري اتباع من قال ببدعية الاحتفال بالمولد النبوي، والذين يُحترمون فيما ذهبوا إليه، وهذا الصنف من الغاشين في الدعوة إلى الله، لا يكف عن إحراج مخالفيه بمثل هذه الأسئلة في مثل هذه المواضيع المختلف فيها قديما وحديثا، وإذا سألته في المعلوم من الدين  بالضرورة، غيّر لك الموضوع، ورجع بك إلى الشبهات والفرعيات، التي لا تقوي إيمانا، ولا تنشئ عملا، ولا تغير منكرا، ولا تصلح حالا.

عباد الله، هذه أمثلة من الغش في الدعوة إلى الله تعالى، وإنْ قُبِل الغش في شيء، فإنه لا يُقبل في مجال الدعوة إلى الله، فإياك يا عبد الله، وإياك يا أمة الله، أنْ تغشَّ بالله في الله؛ فتتحدث بغير علم، وتعتقد أنك تخدم الدين، وتنافح عن العقيدة، والله تعالى يقول في محكم التنزيل في سورة الإسراء: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]، أو تُغيّب الجانب الإحساني في الدعوة إلى الله، أو تخوض في الفرعيات من الدين، وتجعلها أكبر همك، ومبلغ علمك، ومنتهى غايتك، وتتكبر على المدعو بشكلك الظاهري، وفكرك المسطح، وتعتقد أن ما أنت عليه هو الصواب، وما عليه غيرك هو الخطأ والبدعة والضلال، فاعلم أن الله سبحانه وتعالى أعلم بمَنْ يُضل الناس، ويصدهم عن سبيل الله، وهو سبحانه أعلم بالمهتدين، قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين﴾ . [تفسير الشعراوي (ص: 5072 – 5074) بتصرف].

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.