منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خطبة : أحكام وحِكَم من ثلاثة أحداث في طفولة المصطفىﷺ (الرضاعة وشق الصدر واليتم)

الشيخ عبد الله بنطاهر التناني/ أحكام وحِكَم من ثلاثة أحدث في طفولة المصطفىﷺ (الرضاعة وشق الصدر واليتم)

0

خطبة : أحكام وحِكَم من ثلاثة أحداث في طفولة المصطفىﷺ

(الرضاعة وشق الصدر واليتم)

للشيخ عبد الله بنطاهر التناني

 

الحمد لله الذي أكرمنا بسيرة المصطفىﷺ خير البرايا، فجعلها للأمة أكرم النعم وأجل الهدايا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له عالم السر والخفايا، والمطلع على مكنون الضمائر والنوايا، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله كريم الخصال وشريف السجايا، عليه من الله أفضل الصلوات وأزكى التسليمات وأشرف التحايا، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.

المزيد من المشاركات
1 من 61

قدمنا لكم في الجمعة الماضية أن هذا الشهر يسمى شهر الربيع النبوي؛ لأن الله تعالى جمع فيها أحداثا كثيرة من السيرة العطرة؛ فكان ذلك مناسبة للحديث عن سيرتهﷺ، وسنخصص خطبة اليوم بثلاثة أحداث من طفولتهﷺ نستخرج منها ما فيها من أحكام وحِكَم.

● الحدث الأول:

رضاعهﷺ؛ لقد كان من عادة العرب قديما أن يرضعوا أولادهم في البوادي، فأسعد الله سبحانه وتعالى حليمة السعدية بإرضاع المصطفىﷺ كما قال البوصيري رحمه الله:

وإذا سخـر الإله أناسـا    لسعيد فإنهـم سـعداء

فظهرت عليهﷺ وهو في أحضانها علامات النجابة مبكرا، فأفاض الله على بيتها من النفحات والبركات والخيرات ما لم تعرفه من قبل، مما جعلها تعتقد أن للطفل الذي بين يديها، والذي يتغذى من حليبها شأنا عظيما، والنبيﷺ كان وحيد أمه لم يكن لديه إخوة أشقاء فاختار الله له الإخوة من الرضاعة، ومن إخوتهﷺ بالرضاعة عمه حمزة بن عبد المطلب؛ ولهذا لما عُرض عليهﷺ الزواجُ ببنت عمه حمزة قال: لا يجوز لي لأنها بنت أخي من الرضاعة.

والرضاعة قضية تترتب عليه أحكام فقهية تتعلق بالزواج، كثيرا ما يتخبط فيها الناس في الواقع؛ والفقهاء وضعوا لضبط ذلك قاعدة مضمونها: (الرضاعة متعدية من جهة الأم المرضعة وقاصرة من جهة الطفل الرضيع)؛ ومعناها:

أن المرأة حينما ترضع طفلا فكل أولادها وأولاد زوجها وقت الرضاعة هم إخوة للطفل الرضيع؛ سواء من رضع معه في وقت واحد، أو الذين جاءوا قبله أو بعده، وكذلك إخوة الأم المرضعة هم أخواله وإخوة زوجها هم أعمامه؛ أما من جهة الرضيع فالرضاعة قاصرة عليه ولا تشمل إخوته وأشقاءه؛ إذ لا علاقة لهم بهذه المرضعة؛ فيجوز لأحدهم أن يتزوج بإحدى بناتها؛ فيجب أن يتنبه الناس وخصوصا النساء لهذا الأمر؛ لأنه يترتب عليه الحلال والحرام في الزواج بوجه خاص، وأولادُ الحلال والحرام في الأسرة بوجه عام.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 19

● الحدث الثاني:

معجزة شق صدرهﷺ؛ وهي عملية جراحية دون مخدر ولا دم، ودون مكدر ولا ألم، قام بها جبريل عليه السلام، بمساعدة ملائكة الرحمن، حيث أخذ النبيَّﷺ فشق صدره كما روى الإمام مسلم ثم استخرج من قلبه علقة سوداء، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسل قلبه بماء زمزم، ثم أعاده إلى مكانه كما كان، دون رعاية طبيب ولا إنعاش ممرض، وقد تكررت لهﷺ هذه العملية ليلة الإسراء كما في الحديث المتفق عليه؛ ومن هذه المعجزة نتعلم ما يلي:

1) نتعلم أن هذه العملية الخارقة للعادة هي بمنزلة تطهير معنوي، وإنما اتخذت هذا الشكل المادي المحسوس لأن الله عز وجل أراد أن يبين لنا فيها بدليل ملموس أن النبيﷺ معصوم من الخطأ؛ لأن أعماله كلها شرع وسنة، وحركاته كلها دين وملة، يجب الاقتداء به في كل أحواله وأعماله؛ والعصمة خاصة بالأنبياء، ولا يستطيع أحد أن يدعيها لنفسه، فكل من ادعى العصمة فادعاءه هذا دليل على أنه كذاب ماكر لا يريد إلا الاستحواذ على القلوب، ولا يريد إلا أن يصطاد الدنيا بشبكة الدين؛ لأن الرسولﷺ يقول: «كل ابن آدم خطاء، وخير الخطاءين التوابون».

2) نتعلم أن النبيﷺ معصوم بعناية الله من شرور النفس ومن شرور الناس؛ قال تعالى: {وَٱللَّهُ ‌يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ}، لا حظ للشيطان فيه؛ بل قرينهﷺ أسلم فلا يأمره إلا بخير، كما تبث ذلك في الحديث المتفق عليه، حيث قالﷺ: «ما منكم من أحد إلا وُكِّل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي ولكن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير».

أما نحن فللشيطان فينا ألف حظ وحظ؛ فقد يكون حظ الشيطان منا في قلوبنا حين نصدق بالشعوذة والخرافات ونؤمن بالسحرة والأوهام، وقد يكون حظه منا في أموالنا إذا اكتسبناها من الحرام أو أنفقناها في الحرام، وقد يكون حظه منا في أولادنا إذا أسأنا تربيتهم، وقد يكون حظه منا في ألسنتنا بالغيبة والنميمة والكذب والزور، وقد يكون حظه منا في إعراضنا عن ذكر الله سبحانه؛ قال تعالى: {وَمَن ‌يَعۡشُ عَن ذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ نُقَيِّضۡ لَهُۥ شَيۡطَٰنٗا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٞ}؛ بل قد يكون حظه منا حتى في صلواتنا؛ وذلك حين يلتفت أحدنا في الصلاة يمينا وشمالا وقد سألت أمنا عائشة النبيﷺ عن الالتفات في الصلاة، فقالﷺ: «ذلك اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد» رواه البخاري والنسائي.

3) نتعلم أن القلب بصلاحه يصلح الإنسان وبفساده يفسد الإنسان، وفي هذا قالﷺ: «ألا وَإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ألاَ وَهِيَ القَلْبُ».

4) نتعلم أن عناية الله تعالى بطفولة النبيﷺ فيه تنبيه وتوجيه للآباء وأولياء الأطفال والمعلمين والمدررين، حتى يبذلوا قصارى جهودهم لإبعاد حظوظ الشيطان عن أطفالهم، ليس بالعملية الجراحية، لأن ذلك مستحيل في حق غير الله تعالى، بل بالعملية التربوية، والرسولﷺ يقول: «مَا مِنْ مَولُودٍ إلا يُوَلَدُ على الفِطْرَة فأبواه يُهودَانِهِ أو يُنَصِّرَانِهِ أو يُمَجِّسَانِهِ».

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين.

الحمد لله رب العالمين…

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛

● الحدث الثالث:

يتمهﷺ في طفولته؛ قد قدمنا لكم في الجمعة الماضية أن المصطفىﷺ مات أبوه وهو في بطن أمه؛ فولدﷺ يتيما، ولم يتوقف أمر اليتم عند هذا الحد؛ بل ماتت أمه وعمره ست سنوات، وذلك بعد أن قامت بزيارة لقبر زوجها في المدينة وليس معها إلا خادمتها وطفلهاﷺ، وبعد رجوعها أصيبت بمرض فماتت ودفنت بقرية اسمها “الأبواء” بين مكة والمدينة؛ ولكم أن تتصوروا حالة طفل عمره ست سنوات حضر لأمه وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، ثم مات جده وعمره ثمان سنوات، وفي استقباله الدنيا بهذا الشكل عدة حكم وإشارات:

• منها أن اليتم في حقهﷺ معجزة؛ بل هو دليل واضح على صدق رسالته وبرهن ساطع على نبوته، تدفع الناس إلى الإيمان به، إذ كيف يأتي اليتيم بدين يشمل جوانب الحياة كلها، ويمتد عبر الزمان والمكان، ويأتي بحقائق علمية في شتى المجالات، أبهرت اليوم العلماء والمفكرين، فقادتهم إلى الإيمان به مقتنعين؟

• منها لكيلا يدعي أعداء الإسلام أن الذي رباه على هذه الدعوة أبوه أو جده أو أمه، خصوصا إذا علمنا أن الرياسة في مكة تؤول دائما إلى أجداده في الجاهلية.

• منها ليكون أسوة للأيتام حتى يتعلموا منها أن اليتم ليس بنقمة، وأن اليتم لا يكون أبدا حائلا بين الإنسان وبلوغ أعلى المراتب، وتبوء المكانة المرموقة في المجتمع.

• منها ليؤدبه الله تعالى بشكل عملي على إكرام اليتامى، وذلك بتحمله مرارة اليتم بنفسه؛ لأن القاعدة دائما هي (ما راء كمن سمع)؛ ولهذا جاء في القرءان الكريم في إطار تأديب الله له على إكرام اليتامى: {أَلَمۡ ‌يَجِدۡكَ يَتِيمٗا فَـَٔاوَىٰ}… {فَأَمَّا ٱلۡيَتِيمَ فَلَا تَقۡهَرۡ}؛ فاستجابﷺ لهذا التأديب، فكان خير مدافع عن حقوق اليتامى، يكرمهم ويزيل الأحزان عنهم، ولا أدل على ذلك من قولهﷺ: «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين».

ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.