منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خطبة بعنوان: ست خطوات قرآنية لاستسقاء المطر

الشيخ عبد الله بنطاهر / خطبة بعنوان: ست خطوات قرآنية لاستسقاء المطر

0

خطبة بعنوان: ست خطوات قرآنية لاستسقاء المطر
الشيخ عبد الله بنطاهر

 

الحمد لله الذي جعل كل شيء حي من الماء، من إله غير الله ينزل الغيث بقدر من السماء؟! من إله غير الله يجعله في الأرض جداول الخير وخزائن النماء؟! من إله غير الله يسقي بالغيث السفوح والقمم الشماء؟! وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الأفعال والصفات والأسماء، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله تنورت بحِكَمه قلوب الحكماء، وتروى بينابيع علمه نفوس العلماء، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الكرماء، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى نهاية الأرض والسماء.

أما بعد؛ فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته…
«اللهم اسق عبادك وبهِيمتك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت» «اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين».
لقد تأخر عنا الغيث هذه الأيام، وطال انتظار الناس الرحمة، لقد تشوقت القلوب وتشوفت النفوس واشرأبت الأعناق؛ فلهجت ألسنتهم ولَجَّت حناجرهم في المساجد وبعد الصلوات: «اللهم اسق عبادك وبهِيمتك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت» «اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين».
ولكن هذا الاستسقاء المجرد وحده لا يكفي، إن لم تتوقف هذه الجرائم البشعة المنتشرة في مجمعنا في كثير من الأصعدة، إن لم تتوقف هذه المناكر الشنيعة التي عششت في معاملاتنا، من أين يأتي الغيث ونحن لا نبالي بالحلال ولا بالحرام، والحلال عندنا هو ما حل بأيدينا، وجراحاتنا تكاثرت بما اكسبت جوارحنا، حتى ولو جاء المطر وهذه حالتنا، فإنما يأتي من أجل وجه البهائم العجماء والطفولة البرئية، والرسولﷺ يقول: «لولا البهائهم لم يمطروا»، ويقولﷺ «لولا شيوخ ركع وأطفال رضع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا ثم رص رصا».
أيها الإخوة المؤمنون؛ إن تأخر الغيث فرصة لنتعلم من القرآن كيف نستسقي ونستغيث بالطريقة الصحيحة السليمة؛ فالله تعالى لم يتركنا في الأزمات سدى حائرين قانطين؛ بل بينا لنا في القرآن الكريم بست خطوات إن التزمنا بها كنا من العابدين القانتين؛ فقد ربط سبحانه نعمة المطر بنوعية أعمالنا، وهذه الخطوات الست تتمثل في الإيمان، والتقوى، والاستقامة، والاستغفار، والتوبة، والشكر.

● الخطوة الأولى: ربط الله تعالى فيها استسقاء المطر بالإيمان فقال سبحانه: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ}؛ والإيمان محله القلب، ومعناه: التصديق الكامل بوجود الله تعالى، وما يستتبع ذلك من التصديق بملائكته وكتبه ورسله، وباليوم الآخر وبالقضاء والقدر خيره وشره، تصديقا غير مشوب بأدنى شك ولا تردد، وشرطه الشهادة باللسان، وعلاماته العمل بالجوارح والأركان؛ وهو مستويات يزيد بالعمل إذا كان طاعة، وينقص به إذا كان معصية؛ والإيمان دون العمل لا يكفي، لأن الإيمان الكامل ليس مجرد تصديق وقناعة؛ بل لابد من ترجمته إلى التقوى والطاعة، فهو ما وقر في القلب وصدقه العمل.

● الخطوة الثانية: ربط الله تعالى فيها استسقاء المطر بالتقوى كما في الآية السابقة: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ…}؛ والتقوى محلها أيضا القلب، ومعناها في الأصل: الخوف من الله تعالى، ونتيجة هذا الخوف هو امتثال أوامره سبحانه واجتناب نواهيه؛ ولا تتحقق التقوى إلا بالإيمان؛ لأنه لا يمكن للإنسان أن يخاف من شيء لا يؤمن بوجوده، وكما يتفاوت مستوى الإيمان في القلوب، كذلك تتفاوت مستويات التقوى؛ والله تعالى يقول: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}، ويقول الرسولﷺ فيما روى الإمام أحمد بسند صحيح: «لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى».

المزيد من المشاركات
1 من 18

● الخطوة الثالثة: ربط الله تعالى فيها استسقاء المطر بالاستقامة فقال سبحانه: {وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً}؛ والاستقامة محلها العمل بالجوارح، ومعناها الالتزام بما يفرضه علينا الإسلام، وهي المراد من قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}، وقوله سبحانه: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا}؛ ولا تتحقق للمسلم إلا بعد الإيمان والتقوى؛ بل هي معيارهما وميزانهما، وعلى أساسها تتفاوت مستوياتهما؛ يقول النبيﷺ فيما روى الإمام مسلم: «قل: آمَنْتُ بالله، ثم استقم»؛ فكلما استقام المسلم ازداد منسوب الإيمان والتقوى في قلبه، وكلما اعوج نقص منسوب الإيمان والتقوى في قلبه؛ ولهذا فإن الاستقامة تشمل جميع نواحي الحياة؛ من الاستقامة في الإيمان والاعتقاد، إلى الاستقامة في أعمال العباد، إلى الاستقامة في المال والاقتصاد، إلى الاستقامة في وسائل الإعلام، إلى الاستقامة في التربية والتعليم؛ إنها تغطي جوانب الحياة كلها؛ فلا شرك ولا نفاق مع الاستقامة، ولا استبداد ولا ظلم ولا اعتداء مع الاستقامة، ولا غش ولا خيانة ولا اختلاس ولا غلول ولا رشوة ولا ربا مع الاستقامة، ولا تبرج ولا سفور ولا تحرش ولا فواحش مع الاستقامة؛ روى الإمام أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول اللهﷺ: «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه».

● الخطوة الرابعة: ربط الله تعالى فيها استسقاء المطر بالاستغفار؛ فقال سبحانه على لسان نبيه سيدنا نوح عليه السلام: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً}، والجفاف نوع من العقاب والله تعالى يقول: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}؛ وقال سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «ما ألهم الله عبداً الاستغفار وهو يريد أن يعذبه».

● الخطوة الخامسة: ربط الله تعالى فيها استسقاء المطر بالتوبة؛ فقال سبحانه على لسان نبيه سيدنا هود عليه السلام: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً}؛ لأن الاستغفار الحقيقي لا يتم إلا بالتوبة، والاستغفار بدون توبة إنما هو كذب واستهزاء بالله تعالى، ولأجل ذلك قال الامام الحسن البصري رحمه الله: “إن استغفارنا بدون توبة يحتاج إلى الاستغفار”، والتوبة لا تتحقق إلا بالندم على ذنوب ارتكبت في الماضي، وبالإقلاع عن ذنوب ترتكب في الحال، وبالعزم على عدم العودة إلى هذه الذنوب في المستقبل مرة أخرى.
وحاجة المسلم للاستغفار والتوبة كحاجته للأكسجين والماء؛ لأنه دائما معرض لارتكاب الأخطاء، وجوارحه التي أحيطت به قد تخونه في أية لحظة؛ فإن نجا من هذه تصيدته تلك، فإن نجا من فرجه تصيده لسانه، وإن نجا من لسانه فخائنة الأعين له بالمرصاد، والرسولﷺ يقول: «كل ابن آدم خطاء وخير الخطاءين التوابون»، وإبليس قد جَنَّد جنوده وجُنَّ جنونه من أجل محاربة الهداية بالغواية؛ بل أقسم أمام الله على الوقوف في وجه الاستقامة فقال: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ}.
وهذا كله يولد الخلل والنقص والخرقات في استقامة الإيمان والتقوى، فكان لزاما علينا معالجة هذا الخلل بالندم والتوبة، وكان واجبا علينا تفادي هذا النقص بالاستغفار والأوبة، وكان فرضا علينا ترقيع هذه الخرقات بالمحاسبة والإنابة؛ روى الترمذي والنسائي «أن الصحابة رضوان الله عليهم يسمعون من النبيﷺ في المجلس الواحد يقول مائة مرة: رب اغفر وتب علي إنك أنت التواب الغفور»؛ فإذا كان النبيﷺ يكثر من الاستغفار والتوبة هكذا وذنوبه مغفورة؛ أفلا نكون نحن في حاجة إليها وذنوبنا كثيرة؟!
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين.

الحمد لله رب العالمين…
أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛
● الخطوة السادسة: ربط الله تعالى نعمة المطر بالشكر، فقال تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ}؛ والشكر هو: الاعتراف بنعم الله تعالى وعدم استعمالها في معصيته سبحانه؛ فإذا ما فتح الله علينا بالإيمان والتقوى بركات السماء، وإذا ما سقانا الله تعالى بالاستقامة على الطريقة ماء غدقا، وإذا ما أرسل الله علينا بالتوبة والاستغفار السماء مدرارا، فلا بد من استقبال كل ذلك بالشكر وأسبابه، ولا بد من استبعاد الكفر وخرابه، لأن النعمة إذا شكرت قرت وزادت، وإذا كفرت فرت وزالت، ويقول سبحانه: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}.
ألا فاتقوا الله عباد الله، وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.