منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

روح التحدي ( قصة للأطفال)

حسناء ادويشي

0

 

 

روح التحدي 1

جلست ضحى إلى جانب أخيها سعد الذي كان يقرأ لها قصة جميلة من تلك  القصص المصورة التي أهداها لها والدها بمناسبة حصولها على الرتبة الأولى في مسابقة الرسم التي نظمتها مدرستها، كانت تسمع الحكايات وهي تستمتع بجمال الصور التي ترافق الأحداث، لم تكن تسمح لأخيها سعد أن يتجاوز الصفحة الواحدة دون أن تناقشه في الأشكال والألوان ومدى تناسقها، وماذا كانت ستختار لو أتيحت لها الفرصة ، و لم يكن سعد يضجر من إلحاح أخته الصغيرة ضحى وهي تطلب منه الإعادة والتكرار، أو تسأل عن شخصية أو حدث في الحكاية أعجبها أوأغضبها، بل كان يشبع فضولها ويستمتع معها بالقراءة و يشاركها الفرح بمتعة الألوان.

وفي غمرة المتعة العارمة التي تجعل الأخوين يهيمان في عالم الخيال، وينهلان من عذوبة الألفاظ وسمو المعاني والجمال، ومعرض الرسومات والصور الرائعة الألوان والأشكال، إذ أقبلت أمهما مهرولة و عليها علامات الفرح والاستبشار بادية، حتى صاحت منادية:

– ضحى يا ابنتي الغالية، ( وأحاطت ابنتها بكلتا يديها مقبِّلة وداعية)، لقد وصلتنا رسالة إلكترونية من المدرسة تخبرنا بأنك فزت بإقصائيات الرسم المحلية، وستشاركين في مسايقة الفنون الوطنية.

المزيد من المشاركات
1 من 2

سعد موجها الكلام لأخته ضحى ( بعدما أغلق الكتاب الذي كان بين يديه):

– ألم أقل لك أنك فنانة متميزة، وذوقك في الرسم رفيع؟ فروحك الجميلة تجعل الفرشاة بين أناملك  تفيض بسحر الرسم وبهجة الألوان، هنيئا لك يا ضحى، أنا سعيد حقا بتأهلك، هيا ياضحى أتحفي عيوننا برسوم جديدة تجعلك المتوجة الأولى، وأنا واثق  من مؤهلاتك الفنية.

أثار انتباه الأم وابنها سعد عدم تفاعل ضحى مع الخبر، فلم تظهر فرحا ولا طربا، بل أخذها الذهول ، وأحاطت بها الحيرة، ولم تنطق بكلمة. فبادرت الأم ابنتها بسؤال، تستفهم به عن سبب لامبالاتها وعن هذا الإهمال:

– ما بك يا ضحى؟ أرى أن الخبر لم يعجبك؟ هل أنت خائفة من الفشل؟ اطمئني أنا واثقة، بل كلنا على يقين أنك ستكونين من الفائزين.

– لا هذا ولا ذاك يا أمي، لكن أنا أخجل من الوقوف على الخشبة في مؤسستنا  التي يعرفني أصدقائي وأعرفهم، فكيف أقف أمام حشد من الناس أترنح برجلي التي لا تسعفي للوقوف لأرسم اللوحة؟ إن هذه الأعاقة تخجلني، لا أملك الشجاعة أمام الأجانب، وهذا ما يخيفني، (و بدأت العبرات  تخنق كلامها) فبادرتها أمها يعناق قوي، وقبلة حانية، وهي تقول:

– لم تكن هذه الإعاقة حاجزا أمامك يوما، فقد عودتنا على قوتك وعلى قدرتك على تحدي ضعف نفسك، فأنا لم أنتظر منك مطلقا هذا النوع من الهزيمة النفسية، فأنت كنت دائما تعطينا مثالا بإنجازاتك في الرسم والدراسة بأن الإعاقة الجسدية ليست سدا أمام المؤمنين بقدراتهم الواثقين من شخصيتهم، ونحن نصدق عزمك و ندعم كل خطواتك، فلا تجعلي نفسك اليوم تخدعك وتوهن عزمك.

بادر سعد إلى احتضان أخته محاولا التسلية عنها، مدعما فيها روح المنافسة والثقة، ولم يبرح مكانه حتى أعاد البسمة إلى ثغرها الجميل، وأخذ منها الوعد على أنها ستشارك لتفوز.

 

مقالات أخرى للكاتب
1 من 4

روح التحدي 2

جلست ضحى و والدتها و سعد على الكراسي الأمامية المقابلة للمنصة المخصصة  للمشاركين، كان الجمهور الحاضر مكونا في غالبه من المشاركين أو أوليائهم أو المرافقين، ولم يدم انتظارهم طويلا، حتى صعد إلى المنصة مقدم المسابقة معلنا عن بدء المنافسة، حيث نادى على المشارك الأول ليلتحق بالخشبة و كان في صنف الموسيقى. استمرت العروض في مختلف الفنون وضحى تنتظر دورها، حتى تفاجأت بطفل صغير يصعد الخشبة، يعاني من إعاقة تمنعه من الحركة؛ فهو يستعمل كرسيا متحركا، فتوجهت بنظراتها نحو أخيها سعد الذي أومأ لها برأسه معبرا عن فهمه قصدها، توجه الطفل إلى الأمام و لم يكن يحمل ورقة ولا ريشة ولا عودا أو كمانا، وبدأ يلقي الشعر مباشرة ويبدو أنه أيضا يفقد القدرة على النطق بسلاسة واسترسال، ومع ذلك استطاع أن يملك أفئدة الحاضرين بما نظم من كلام موزون ومعان سامقة،  وأجمل من ذلك بنبر يعبِّر عن ثقة في النفس فائقة. صفق الجمهور له بحرارة،  بل وقف الجميع له تعبيرا عن إعجابهم واستمتاعهم.

استدارت الأم نحو ابنتها وهمست في أذنها قائلة:

-هل بقي لك من عذر؟ لست وحدك من يعاني، نحن نثق بك فثقي بنفسك كما وثق هذا الطفل الشاعر بنفسه، فأنت لها إن شاء الله، ثم قبلتها وهمت باحتضانها، لكنها سمعت المقدم ينادي على ابنتها، فوقفت لتساعدها للوصول إلى الخشبة.

كان لعرض الطفل الشاعر المتحدي لاحتياجاته الخاصة أثرا إيجابيا على نفسية ضحى، حيث وقفت أمام الجمهور وطفقت تخط على اللوحة أمامها أجمل رسم وأبهى ألوان، نسيت ضحى إعاقتها و سبحت في عالمها الذي تعشق وكلها ثقة في موهبتها وفي شخصيتها التي لم تغير الإعاقة منها شيئا؛ بل جعلتها أكثر قدرة على التحدي.

أنهت ضحى لوحتها التي أبهرت الجمهورالذي لم يجد بدا من الوقوف للتحية والتعبير عن الإعجاب.

 أتدرون ماذا رسمت ضحى رغم حداثة سنها؟ لقد رسمت صورة للطفل الشاعر وهو على كرسيه وعلى رأسه تاج مرصع تشع منه أنوار متلألئة تخترق الآفاق البعيدة.

روح التحدي 3

كان لا بد لمقدم المسابقة أن يسأل ضحى عن سبب اختيار هذا الطفل المتسابق لتجعله  موضوع لوحتها، فكان جوابها عجيبا:

– لقد أبهرني صديقي المتسابق بعمله الذي قدمه، وأبهرني أكثر بثقته في نفسه، وهذا منحني قوة على المواجهة، فهو يمثلني ويمثل أمثالي ولكنه ضخ في أرواحنا طاقة جديدة بأسلوب عرضه.

عادت ضحى إلى مكانها قرب والدتها وأخيها، وتتابعت العروض، ومعها تتابعت المتعة الفنية بين شعر وموسيقى ورسم، وجاءت فترة الحسم، حيث سيتم الإعلان عن الفائزين، كانت لحظة صعبة حاول أن يخفف من حدتها سعد بمزاحه ومرحه مع ضحى.

فتم النداء على المتسابق الأول والثاني والثالث في صنف الموسيقى، و في صنف الشعركانت المفاجأة أن الفائز الأول هو ذلك الطفل الشاعر من ذوي الاحتياجات الخاصة، صفق الجمهور له بحرارة مرة أخرى، وتابع المقدم الإعلان عن الفائزين في صنف الشعر، وما هي إلا هنيهة حتى أعلن عن الفائز الأول في صنف الرسم:

– لقد فازت لوحة ضحى المعنونة بـ: “روح التحدي” بالجائزة الأولى فهنيئا للفائزة، ولتتفضل إلى المنصة.

لم تتمالك ضحى نفسها من  الفرح، فصاح سعد:

– هنيئا ضحى لقد فزت، وأخذ بيدها متوجها نحو منصة التتويج.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.