منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التعليم العتيق بسوس، مرحلة ما قبل القرن التاسع الهجري.

ابراهيم أخساي

0

تمهيد:

منذ الفتح الإسلامي لشمال إفريقيا انطلقت عملية بناء المساجد و المدارس لنشر تعاليم الإسلام و بث الوعظ و الإرشاد وسط سكان المناطق المفتوحة، و منها سوس التي تأسست بها أول مدرسة عتيقة في القرن الخامس الهجري، و هكذا أخذ هذا النوع من التعليم العربي ينتشر في وسط المجتمع السوسي يذكيه حب السوسيين لدينهم، و ستركز هذه المقالة على المرحلة الممتدة من القرن الخامس إلى القرن الثامن،  و التي  نعتها المختار السوسي  بالركود العلمي، رغم ما عرفه من محاولات الانتشار التي هي أشبه ما تكون بقطرات الغيث التي تتساقط قليلا لتنهمر بعد ذلك و تتحول إلى شلالات تعم الأرض و البساط بخيراتها. فما هي أهم مميزات هذه الفترة من تاريخ التعليم العتيق بسوس ؟

فترة الركود العلمي:

نعت المختار السوسي هذه المرحلة التي  امتدت منذ دخول الإسلام للمنطقة إلى القرن الثامن الهجري بفترة الركود و الضعف في الجانب العلمي، يقول المختار السوسي:”انطوت القرون الخامس فالسادس فالسابع فالثامن، فلم نر عنها ما يدل على حركة علمية واسعة تذكر عن سوس، فلولا أفراد سياسيون كابن تومرت و صوفيون مذكورون في السادس فالسابع فالثامن، لخيم على سوس ما خيم عليها في الثالث و الرابع، من ديجور كثيف في نظر التاريخ..”(1)

فسوس، حسب المختار السوسي،” لم تكن بحالة مبهجة” في هذه المرحلة من تاريخها، و ذلك راجع لمجموعة من الأسباب التي حالت دون تحقيق نهضة علمية في المنطقة.

المزيد من المشاركات
1 من 47

أسباب الركود العلمي:

و أرجع المختار السوسي سبب هذا الركود العلمي إلى انعدام التدوين و التأريخ، “فعدم شهرة تلك القرون بالعلم العربي السوسي يعود إلى أن السبب الوحيد هو ما ابتلي به السوسيون إلى اليوم، من عدم الاعتناء برجالهم” (2).و يدعي ـــ رحمه الله ــــ أن انعدام ما يؤكد وجود حركة علمية في هذه الفترة، يعنى أمرين: إما عدم وجود أي نشاط علمي بالفعل، و إما وجود حركة علمية لم تجد طريقها إلى التدوين، و قد رجح ــــ رحمه الله ــــ الاحتمال الثاني،” فلا يمكن أن يزخر المغرب كله بدوه و حضره بالعلوم العربية أيام الموحدين، ثم تبقى جزولة في نومها العميق و جهلها الدامس و هي التي نراها سباقة إلى كل غاية و مادة يمينا عرابية إلى كل راية”(3)

و رغم ميل المختار السوسي إلى قلة عناية السوسيين بتراثهم ، فإن هناك من يرى وجود أسباب سياسية تقف وراء هذا الركود، و ذلك لقلة عناية الدول التي حكمت المغرب في هذه المرحلة (المرابطون،الموحدون،المرينيون) بمنطقة سوس، و تركيزها على الحواضر الكبرى كفاس و مراكش، حيث”يرى الأستاذ مرادي عبد الحميد الباعمراني(له ترجمة في المعسول) أن سبب هذا الركود ليس قلة المصادر و نذرة أخبار هذه الفترة، بل استبعاد الفقهاء السوسيون من الميدان، إذ استأثر الصحراويون وحدهم بوظائف الدولة السياسية و الإدارة العسكرية، و تنازلوا للأندلسيين عن الوظائف القلمية من قضاء و حسبة و بريد و جباية و كتابة.. ” (4)

و هكذا يمكن إرجاع أسباب الركود إلى عوامل موضوعية ترجع لقلة عناية الدول التي تعاقبت على المغرب ـــ في هذه الفترة  ـــ بعلماء سوس. و الذي يؤكد ذلك هو النهضة العلمية التي عرفها سوس في عهد الدولة السعدية بعد ذلك.

و رغم قلة التدوين، و غياب معطيات تاريخية موثقة عن عن هذه المرحلة فإن المختار السوسي يرجح وجود حركة علمية لم يكتب لها أن تدون، لكن ثمارها تجلت في النهضة العلمية التي عرفتها سوس في القرن التاسع و العاشر و ما بعدهما. كما أن هذه الفترة تميزت بالرحلة في طلب العلم و عناية القبائل بإقامة المدارس العلمية و التنافس في ذلك.

كما أن هناك شواهد يمكن أن نستنتج منها اهتمام السوسيين بالعلم الشرعي منها:

  • ازدهار الحواضر المجاورة لسوس في القرنين الثالث و الرابع كأغمات و سجلماسة ،” و ما بين سوس و هاتين المدينتين إلا كما بين الجيران الذين يكونون سواسية في المنافع و الأفكار” (5)
  • وجود صلات علمية بين سوس و بين الحواضر العلمية المعروفة حينئذ كفاس و القيروان و الأندلس و المشرق. و خير دليل على ذلك رحلة علماء من سوس كأمثال وجاج بن زلو اللمطي إلى القيروان، عبد الله بن ياسين إلى الأندلس، و محمد المهدي بن تومرت إلى المشرق.

كما لا يستبعد أن تكون تلك العوامل التي حالت دون تحقيق نهضة علمية بسوس قد اضطرت فقهاء سوس إلى الإنزواء في المساجد و الكتاتيب القرآنية بعيدا عن الأنظار، متلحفين بتواضعهم الذي يخفى حسناتهم.

إنجازات رغم الركود :

و يمكن اختصار هذه الانجازات في مظهرين:

الأول: عناية القبائل السوسية ببناء المدارس العلمية. خصوصا في المناطق الجبلية.

الثاني: بروز بعض رجالات سوس في العلم الشرعي و العربي على قلتهم.

فإذا كانت السمة الغالبة على سوس، في هذه المرحلة، هي قلة الاهتمام بالعلم و العلماء نظرا لأسباب سياسية و أمنية و اجتماعية و اقتصادية، فإنها لم تخل من محاولات ،على قلتها، للعناية بالعلم الشرعي و بناء المدارس و خصوصا في الجبال لما تتمتع به من الأمن و الاستقرار، فقد تنافست القبائل السوسية في بناء المراكز العلمية و المدارس التي تهتم بالقرآن الكريم و اللغة العربية و العلم الشرعي و خصوصا في عهد الدولة المرينية(642ه/1244م-869ه/1465م)، و ذكر د المهدي بن محمد السعيدي هذه المراكز التي وصلت إلى 42 مدرسة،موزعة على ستة عشر قبيلة و هي: (قبيلة إيلالن/هلالة،إذاوبعقيل،إنداوزال،رسموكة،أملن،أمانوز،مجاط،إداوكنسوس، أيت حامد، أيت وادريم، أيت سمك، أيت صواب، إفران، أيت براييم، المنابهة، منطقة واد نون و جبل باني) (6)

أما المؤلفون السوسيون في هذه المرحلة.،فقد ذكر المختار السوسي أربعة منهم في كتابه “سوس العالمة”، و هم :المهدي بن تومرت في القرن السادس(ت 524ه) صاحب التآليف بالعربية و الأمازيغية، و عيسى الجزولي النحوي (ت 616ه)نزيل مراكش صاحب كتاب “الكراسة المشهورة في النحو” في القرن السابع، و عبد الرحمن الجزولي الكرسيفي(ت741ه) نزيل فاس له شرح المدونة في القرن الثامن.

أما من اشتهر من رجال سوس بالعلم فقد ذكرهم المختار السوسي في كتابه “رجالات العلم العربي في سوس”(7)، فذكر في القرن الخامس ستة منهم محمد وكاك بن زلوان (ت445ه). و في القرن السادس تسعة عشر ترجمة، و في القرن السابع تسعة تراجم، و في الثامن عشرون ترجمة منها ترجمة يعزى وهدى المراكشي ثم السوسي (ت727ه).

خاتمة:

لن يستمر هذا الركود طويلا، فاهتمام السوسيين بالتعليم العتيق و تدريس العلوم الشرعية ينبعث من حبهم و تعلقهم بالدين الإسلامي، لذا سعوا في بناء المساجد و المدارس و إكرام العلماء و العناية بهم ،و هذا سيتجلى أكثر في النهضة العلمية التي ستخلف هذا الركود و ترفع سوس إلى مصاف الحواضر العلمية المعروفة كفاس و مراكش.


الفهرس:

(1) المختار السوسي،سوس العالمة،ط 1960،ص 12.

(2) نفسه،ص19.

(3) نفسه،ص 19.

(4) المهدي بن محمد السعيدي ،المدارس العتيقة و إشعاعها الأدبي و العلمي بالمغرب، ط2006،ص 28.

(5) سوس العالمة، ص19.

(6) المدارس العتيقة و إشعاعها الأدبي و العلمي بالمغرب،ص36إلى ص43.

(7) مجموعة أعمال محمد المختار السوسي، ط الأولى 2015.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.