منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تجليات نقد النثر في كتاب “البيان والتبيين”

تجليات نقد النثر في كتاب "البيان والتبيين"/ الدكتورة رشيدة مصلاحي

0

تجليات نقد النثر في كتاب “البيان والتبيين”

الدكتورة رشيدة مصلاحي

 

مقدمة

 عرف العصر العباسي نهضة إسلامية شملت جميع الميادين العلمية والأدبية، وإلى جانب الشعر ظهر النثر منافسا خطيرا للشعر منذ القرن الثالث الهجري؛ حيث أسهم القرآن الكريم بقسط وافر في تطوير النثر بمضامينه وطرقه التعبيرية، فتغيرت بذلك الأشكال النثرية معنى وأسلوبا واتسعت لمختلف الأغراض والموضوعات وفقد الشعر مكانته وأصبح -بعد أن كان ديوان العرب- فرعا من فروع النشاط الأدبي المستمدَ روحه من مبادئ الدعوة الإسلامية.

ثم إن كتب النقد البلاغي والأدبي والإعجاز القرآني والمناظرات الكلامية وغيرها من مصادر التراث والثقافة العربية الإسلامية بمختلف أشكالها قد ساهمت في تطوير النثر بجميع أنواعه، بل اعتبرت آثارا نثرية فنية في ذاتها لا تخلو من آيات الجمال والفن.

كما أن “كثيرا من مصادر النثر العربي هي نفسها مصادر نقد النثر، وكثير من الكتاب هم أقطاب نقد النثر أيضا أو من المساهمين فيه بنصيب قليل أو كثير. ولقد تفوق الكتاب على الشعراء في مجال النقد؛ فنادرا ما اهتم الشعراء العرب بالنقد أو التنظير لشعرهم، لقد كان عليهم فقط أن يقولوا، وكان على الآخرين أن يحكموا وينتقدوا(…) وقد بقي النثر العربي في مجمله وإلى نهاية العهد الأموي ومجيء العباسيين إلى الحكم، فنا قوليا يستهدف الأسماع، ويأخذ بشغاف قلوب العرب ووجدانهم، تماما كما يفعل الشعر (…) ولكن هذه الوضعية ستتغير مع ظهور فطاحل الكتاب والمترسَلين في العصر العباسي”[1].

لقد ارتبطت الكتابة في العصر العباسي بالخطابة في كثير من خصائصها، حيث تم استعمال الألفاظ الدقيقة قصد التأثير في العواطف والعقول، ثم إن علماء الكلام وعلى رأسهم المعتزلة قد أسهموا بنصيب وافر في تطوير النثر وتطويعه للتعبير عن شتى الأفكار وبالتالي اجتهدوا في تجويد الأساليب وترقيقها حتى استطاعت أن تؤدي المشاعر والعواطف إلى جانب تأدية المعاني الكلامية والدينية الدقيقة. وقد ساهم الجاحظ إلى جانب فرقته في تطوير البيان العربي وذلك بكتابة “البيان والتبيين” الذي يعد أهم الكتب التي ألفت في العصر العباسي، واعتبرت أغلب القضايا التي وردت فيه نواة للعديد من النظريات في مجال النقد والبلاغة والأدب.

فأين يتجلى النقد في كتاب “البيان والتبيين”؟ وكيف تبلور على يد الجاحظ؟ وما هو دور “البيان والتبيين” في تأسيس نقد النثر العربي بصفة عامة؟

   I – مميزات النثر في العصر العباسي

1- دور الجاحظ في تطوير النثر العربي

   ساهم الجاحظ إلى جانب فرقته في تطوير البيان العربي وتطويع الألفاظ والأساليب لتناول أدق المعاني والعواطف والتعبير عنها وذلك بكتابة مؤلفه “البيان والتبيين” لناشئة المعتزلة يعلمهم البيان والخطابة وحسن الحديث والكتابة، وفيه يثني على كُتاب عصره وعلى طريقتهم.

وقد ارتبط نشاط المعتزلة بالخطابة الوعظية وبالدعوة وبالدفاع عن الدين وعملوا على تحريك عواطف الناس بالألفاظ الحسنة. وهذا ما أكده الدكتور الحسن بوتبيا في كتابه “أخلاق الوزيرين لأبي حيان التوحيدي بين الواقع والفن”حين قال: “من المعروف أن النثر في العصر العباسي أثرت فيه مجموعة من العوامل (…) وأصابته بتغير واضح في معانيه وأساليبه؛ ولعل أبرز تلك العوامل المؤثرة يتمثل في القرآن الكريم الذي أسهم بحظ وافر. بمضامينه وطرقه التعبيرية في تطوير النثر (…) ولعل القرن الثالث الهجري هو الذي برز فيه التحول في طبيعة النثر بروزا واضحا فتناول الأغراض الشعرية ومعانيها (…) وفيه أيضا ظهر الجاحظ الذي سخر قلمه لخدمة إحساسه وفنه كيفما كانت وجهتهما وموضوعهما، فمدح نثرا، وهجا نثرا، واعتذر، ووصف، وافتخر، وتهكم، وارتقى في كل ذلك إلى ما يفوق الشعر أحيانا من حيث التصوير والتأثير، وذهب الدكتور شارل بلا إلى أنه الذي “أحل المنثور محل المنظوم”، ثم تبعه الكتاب في عصره وبعد عصره. وقد شاعت هذه الظاهرة –في نظر الدكتور بوتبيا- بصورة خاصة بين كتاب القرن الرابع وشعرائه، ولذلك أثارها أبو حيان في مقدمة كتابه [2]. ثم إن الجاحظ –كما يرى الدكتور بوتبيا- “كان أسوة كبرى لأبي حيان في الحياة والسلوك والثقافة والأدب. ولقد أصبح تأثيره فيه، وأستاذيته له، وتأثر هذا به وأخذه بطريقته في الكتابة والتفكير من الحديث المعاد”[3].

وهكذا نلاحظ من خلال استقراء هذا النص أن الجاحظ ساهم بقسط وافر في تطوير النثر العربي بمؤلفاته وعلى قمتها “البيان والتبيين”، كما أنه استطاع أن يؤسس مدرسة نثرية متميزة لعبت دور الريادة في مجال الكتابة لفترة طويلة.

2-“البيان والتبيين” أهم كتب النقد البلاغي والأدبي في العصر العباسي

يقول الدكتور عابد الجابري في كتابه “بنية العقل العربي”: “كان الجاحظ معتزليا، بل يجعله مؤرخو الفرق على رأس فرقة سموها باسمه (الجاحظية)”[4]. وقد كان الجاحظ واعيا بأهمية الدور الذي قام به المتكلمون الأوائل في نشر وتكريس الرؤية البيانية، فالقرآن نزل بلسان العرب ولا يمكن أن تستوعب معانيه ومقاصده إلا إذا كان المرء “بيانيا” أي عارفا بأساليب اللغة العربية في التعبير. غير أن الجاحظ –في نظر الدكتور عابد الجابري- لم يكن معنيا بقضية “الفهم” فحسب بل لقد كان مهتما أيضا بقضية “الإفهام” إفهام السامع وإقناعه وقمع المجادل وإفحامه[5]. “لأن مدار الأمر على البيان والتبين وعلى الإفهام والتفهم” كما أكد ذلك الجاحظ في أكثر من مرة في كتابه .

أما الدكتور محمد العمري فيثبت أن “البيان والتبيين”: “نهاية اجتهادات الجاحظ البيانية، وبداية اجتهادات منظرين آخرين(…) خاصة صاحب البرهان في وجوه البيان”[6]. ثم يحاول الدكتور محمد العمري  تفنيد أساس رأيه هذا بقوله في هامش كتابه: “نستند في ذلك إلى أن كتاب البيان والتبيين هو الصياغة التامة المقصودة للبيان. باعتبار الكتاب تجميعا لآراء الجاحظ المتفرقة في سياقات أخرى ووضعها في سياق نظري منسجم هو سياق البيان(…) كما نستند إلى كون البيان جاء في وقت متأخر من حياة الجاحظ التأليفية إن لم يكن آخر مؤلفاته”[7].

ويذهب الدكتور العلامة أمجد الطرابلسي نفس المذهب حين يقول -في كتابه “نقد الشعر عند العرب”-: “وخص الجاحظ في آخر حياته الأدب العربي بكتابه الثاني في الأدب: البيان والتبيين. وهو اختيارات أدبية صرف تحاول أن تتخذ صفة كتاب في البلاغة. وهي فعلا كتاب في البلاغة إلا أنها جد فتية وغير منضبطة. فباستثناء بعض التأملات النقدية غير القادرة على تأسيس نظام متلاحم، يتلخص الكتاب في كونه اختيارا لنصوص نثرية وشعرية مقترحة باعتبارها نماذج تصلح للاحتذاء”[8].

إن كتاب “البيان والتبيين” –في نظر الدكتور محمد العمري- “لم يجد عند المتأخرين وخاصة عند المعاصرين العناية الكافية التي هو جدير بها، فهو عند بعضهم: مجموعة من المختارات الأدبية الجيدة في الشعر والنثر(يقصد طه الحاجري. الجاحظ: حياته وآثاره. 431.)، وهو عند البعض مختارات من الأدب من آية قرآنية أو حديث أو حكمة ممتزجة بما له من آراء في مسائل عدة…! (يقصد أحمد أمين. ضحى الإسلام 1/390) مع أن المحقق (عبد السلام هارون) يرى أن هذا الكتاب ليس هذا تماما. فهو مؤلف متعدد المواضيع، متعدد الأغراض. بدليل أننا لو أردنا اليوم أن نصفه بشيء يلخصه لوجدنا أنفسنا عاجزين… فهل هو كتاب في البلاغة؟ أم في الأدب ؟ أم في الدين؟ أم في الصراع العقائدي؟ أم في الكلام؟”[9].

ويخلص الأستاذ العلامة عبد السلام هارون إلى أن الجاحظ قد تناول جميع هذه المواضيع في كتابه إلا أن هذا الأخير يدور حول محور أساس هو محور الإعجاز[10].

II – أين يتجلى نقد النثر في كتاب البيان والتبيين؟

1- تصنيف المادة النقدية حسب مكان ورودها في الجزء الأول والثاني من كتاب”البيان والتبيين”

  • علاقة المعجم بالمقام

 “وقد يستخف الناس ألفاظا و يستعملونها وغيرها أحق بذلك منها. ألا ترى أن الله تبرك و تعالى لم يذكر في القرآن الجوع إلا في موضع العقاب أو في موضع الفقر المدقع والعجز الظاهر. والناس لا يذكرون السغب ويذكرون الجوع في حال القدرة والسلامة. وكذالك ذكر المطر؛ لان لا تجد القرآن يلفظ به إلا في موضع الانتقام. والعامة وأكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر المطر وبين ذكر الغيث. ولفظ القرآن الذي عليه نزل أنه إذا ذكر الأبصار لم يقل الأسماع، وإذا ذكر سبع سموات لم يقل الأرضين. ألا تراه لا يجمع الأرض أرضين، ولا السمع أسماعا. والجاري على أفواه العامة غير ذالك، لا يتفقدون من الألفاظ ما هو أحق بالذكر وأولى بالاستعمال. وقد زعم بعض القراء أنه لم يجد ذكر لفظ النكاح في القرآن إلا في موضع التزويج”. ج1/ ص:20 .

  • الدلالة الظاهرة على المعنى الخفي هو البيان في القرآن الكريم

 “قال بعض جهابذة الألفاظ ونقاد المعاني: المعاني القائمة في صدور الناس المتصورة في أذهانهم، والمتخلجة في نفوسهم، والمتصلة بخواطرهم، والحادثة عن فكرهم، مستورة خفية، وبعيدة وحشية، ومحجوبة مكنونة، وموجودة في معنى معدومة، لا يعرف الإنسان ضمير صاحبه، ولا حاجة أخيه وخليطه، ولا معنى شريكه و المعاون له على أموره، وعلى مالا يبلغه من حاجات نفسه إلا بغيره. وإنما يحيي تلك المعاني ذكرهم لها، وإخبارهم عنها، واستعمالهم إياها. وهذه الخصال هي التي تقربها من الفهم، وتجليها للعقل، وتجعل الخفي منها ظاهرا، والغائب شاهدا، والبعيد قريبا. وهي التي تلخص الملتبس، وتحل المنعقد، وتجعل المهمل مقيدا، والمقيد مطلقا، والمجهول معروفا، والوحشي مألوفا، والغفل موسوما، والموسم معلوما. وعلى قدر وضوح الدلالة وصواب الإشارة، وحسن الاختصار، ودقة المدخل، يكون إظهار المعنى. وكلما كانت الدلالة أوضح و أفصح، وكانت الإشارة أبين و أنور، كان انفع و أنجع. و الدلالة الظاهرة على المعنى الخفي هو البيان الذي سمعت الله عز وجل يمدحه، ويدعو إليه ويحث عليه. بذالك نطق القرآن، وبذالك تفاخرت العرب، وتفاضلت أصناف العجم”. ج1/ ص: 75.

  • تعريف البيان وتبيان دوره في توضيح المعنى للمتلقي

 “والبيان إسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير، حتى يفضي السامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله كائنا ما كان ذلك البيان، ومن أي جنس كان الدليل؛ لأن مدار الأمر والغاية التي إليها يجري القائل والسامع، إنما هو الفهم والإفهام؛ فبأي شيء بلغت الإفهام وأوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع”. ج1/ ص: 76.

  • الفرق بين المعاني وأسماء المعاني (الألفاظ)

 ” ثم اعلم -حفظك الله- أن حكم المعاني خلاف حكم الألفاظ؛ لأن المعاني مبسوطة إلى غير غاية، وممتدة إلى غير نهاية، وأسماء المعاني مقصورة معدودة، ومحصلة محدودة”. ج1/ ص: 76.

  • أصناف الدلالات عند الجاحظ ودورها في الكشف عن المعاني

“وجميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ، خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد: أولها اللفظ، ثم الإشارة، ثم العقد، ثم الخط، ثم الحال التي تسمى نصبة. والنصبة هي الحال الدالة، التي تقوم مقام تلك الأصناف، ولا تقصر عن تلك الدلالات، ولكل واحد من هذه الخمسة صورة بائنة من صورة صاحبتها، وحلية مخالفة لحلية أختها؛ وهي التي تكشف لك عن أعيان المعاني في الجملة، تم عن حقائقها في التفسير، وعن أجناسها وأقدارها، وعن خاصها وعامها، وعن طبقاتها في السار والضار، وعما يكون منها لغوا بهرجا، وساقطا مطرحا”. ج1/ ص: 76.

  • أهمية الصوت في التعبير اللغوي

“والصوت هو آلة اللفظ، والجوهر الذي يقوم به التقطيع، وبه يوجد التأليف. ولن تكون حركات اللسان لفظا ولا كلاما موزونا ولا منثورا إلا بظهور الصوت، ولا تكون الحروف كلاما إلا بالتقطيع والتأليف”. ج1/ ص: 89.

  • مدار أمر البلاغة على إفهام كل قوم بمقدار طاقتهم، والحمل عليهم على أقدار منازلهم

” أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة، وذلك أن يكون الخطيب رابط الجأش، ساكن الجوارح، قليل اللحظ، متخير اللفظ، لا يكلم سيد الأمة بكلام الأمة، ولا الملوك بكلام السوقة، ويكون قواه فضل التصرف في كل طبقة، ولا يدقق المعاني كل التدقيق، ولا ينقح الألفاظ كل التنقيح، ولا يصفيها كل التصفية، ولا يهذبها غاية التهذيب ولا يفعل ذلك حتى يصادف حكيما، أو فيلسوفا عليما، ومن قد تعود حذف فضول الكلام، وإسقاط مشتركات الألفاظ، وقد نظر في صناعة المنطق على جهة الصناعة والمبالغة، لاعلى جهة الاعتراض والتصفح، وعلى وجه الاستطراف والتظرف. قال: ومن علم حق المعنى أن يكون الاسم له طبقا، وتلك الحال له وفقا، ويكون الاسم له لا فاضلا [ولا مفضولا]، ولا مقصرا، ولا مشتركا، ولا مضمنا، ويكون مع ذلك ذاكرا لما عقد عليه أول كلامه، ويكون تصفحه لمصادره، في وزن تصفحه لموارده ويكون لفظه مونقا، ولهول تلك المقامات معاودا. ومدار الأمر على إفهام كل قوم بمقدار طاقتهم، والحمل عليهم على أقدار منازلهم، وأن تواتيه آلاته، وتتصرف معه أداته، ويكون في التهمة لنفسه معتدلا، وفي حسن الظن بها مقتصدا؛ فإنه إن تجاوز مقدار الحق في التهمة لنفسه ظلمها، فأودعها ذلة المظلومين، وإن تجاوز الحق في مقدار حسن الظن بها، آمنها فأودعها تهاون الآمنين” ج1/ ص: 92-93.

  • رأي نقدي في أحد كبار خطباء البرامكة

“وما سمعنا بأحد من الخطباء كان يرى إعادة بعض الألفاظ وترداد المعاني عيا، إلا ما كان من النخار بن أوس العذري؛ فإنه كان إذا تكلم في الحمالات وفي الصفح والاحتمال وصلاح ذات البين، وتخويف الفريقين من التفاني والبوار- كان ربما ردد الكلام على طريق التهويل والتخويف، وربما حمي فنخر.

وقال ثمامة بن أشرس[11]: كان جعفر بن يحيى[12] أنطق الناس، قد جمع بين الهدوء والتمهل، والجزالة والحلاوة، وإفهاما يغنيه عن الإعادة. ولو كان في الأرض ناطق يستغني بمنطقه عن الإشارة، لاستغنى جعفر عن الإشارة، كما استغنى عن الإعادة.

وقال مرة: ما رأيت أحدا كان لا يتحبس ولا يتوقف، ولا يتلجلج ولا يتنحنح، ولا يرتقب لفظا قد استدعاه من بعد، ولا يلتمس التخلص إلى معنى قد تعصى عليه طلبه، أشد اقتدارا، ولا أقل تكلفا من جعفر بن يحيى”. ج1/ ص: 105-106.

  • ما البيان؟

“وقال ثمامة قلت لجعفر بن يحيى: ما البيان؟ قال أن يكون الاسم يحيط بمعناك، ويجلي عن مغزاك، وتخرجه عن الشركة، ولا تستعين عليه بالفكرة. والذي لابد له منه، أن يكون سليما من التكلف، بعيدا من الصنعة، بريئا من التعقد غنيا عن التأويل.

وهذا تأويل قول الأصمعي: “البليغ من طبق المفصل وأغناك عن المفسر”. ج1/ ص: 106.

  • شروط الإبداع والخلق الأدبي (كلام بشر بن المعتمر المتكلم المعتزلي)

“خذ من نفسك ساعة نشاطك وفراغ بالك وإجابتها إياك، فإن قليل تلك الساعة أكرم جوهرا، وأشرف حسبا، وأحسن في الأسماع، وأحلى في الصدور، وأسلم من فاحش الخطاء، وأجلب لكل عين وغرة، من لفظ شريف ومعنى بديع، واعلم أن ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول، بالكد والمطاولة والمجاهدة، وبالتكلف والمعاودة. ومهما أخطأك لم يخطئك أن يكون مقبولا قصدا، وخفيفا على اللسان سهلا؛ وكما خرج من ينبوعه ونجم من معدنه. وإياك والتوعر، فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك، ويشين ألفاظك”. ج1/ ص: 135- 136.

  • مدار شرف المعنى وما يجب لكل مقام من المقال

“ومن أراغ معنى كريما فليلتمس له لفظا كريما؛ فإن حق المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما أن تصونهما عما يفسدهما ويهجنهما، وعما تعود من أجله أن تكون أسوأ حال منك قبل أن تلتمس إظهارهما، وترتهن نفسك بملابستهما وقضاء حقهما. فكن في ثلاث منازل؛ فإن أولى الثلاث أن يكون لفظك رشيقا عذبا، وفخما سهلا، ويكون معناك ظاهرا مكشوفا، وقريبا معروفا، إما عند الخاصة إن كنت للخاصة قصدت، وإما عند العامة إن كنت للعامة أردت. والمعنى ليس يشرف بأن يكون من معاني الخاصة، وكذلك ليس يتضع بأن يكون من معاني العامة. وإنما مدار الشرف على الصواب وإحراز المنفعة، مع موافقة الحال، وما يجب لكل مقام من المقال. فإن أمكنك أن تبلغ من بيان لسانك، وبلاغة قلمك، ولطف مداخلك، واقتدارك على نفسك، إلى أن تفهم العامة معاني الخاصة، وتكسوها الألفاظ الواسطة التي لا تلطف على الدهماء، ولا تجفو عن الأكفاء، فأنت البليغ التام”.ج1/ص:136 .

  • مدح الجاحظ لكتاب زمانه وتفضيل طريقتهم في البلاغة

“أما أنا فلم أر قط أمثل طريقة في البلاغة من الكتاب؛ فإنهم قد التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعرا وحشيا، ولا ساقطا سوقيا”.ج1/ ص: 137.

  • دور علماء الكلام في اختراع اصطلاحات جديدة في لغة العرب

“ولأن كبار المتكلمين ورؤساء النظارين كانوا فوق أكثر الخطباء، وأبلغ من كثير من البلغاء. وهم تخيروا تلك الألفاظ لتلك المعاني، وهم اشتقوا لها من كلام العرب تلك الأسماء، وهم اصطلحوا على تسمية ما لم يكن له في لغة العرب اسم، فصاروا في ذلك سلفا لكل خلف، وقدوة لكل تابع”. ج1/ ص: 139.

  • دور استماع حديث الأعراب في تقويم البيان

“وأنا أقول: إنه ليس في الأرض كلام هو أمتع ولا آنق، ولا ألذ في الأسماع، ولا أشد  اتصالا بالعقول السليمة، ولا أفتق للسان، ولا أجود تقويما للبيان، من طول استماع حديث الأعراب العقلاء الفصحاء، والعلماء البلغاء”. ج1/ ص:145.

  • كيف فاق الخطيب مرتبة الشاعر

“وقال أبو عمر بن العلاء: كان الشاعر في الجاهلية يقدم على الخطيب، لفرط حاجتهم إلى الشعر الذي يقيد عليهم مآثرهم ويفخم شأنهم، ويهول على عدوهم ومن غزاهم، ويهيب من فرسانهم ويخوف من كثرة عددهم، ويهابهم شاعر غيرهم فيراقب شاعرهم. فلما كثر الشعر والشعراء، واتخذوا الشعر مكسبه ورحلوا إلى السوقة، وتسرعوا إلى أعراض الناس، صار عندهم الخطيب فوق الشاعر”. ج1/ ص: 241.

  • سبب كراهة الأسجاع في الخطب

“وكان الذي كره الأسجاع بعينها وإن كانت دون الشعر في التكلف والصنعة، أن كهان العرب الذين كان أكثر الجاهلية يتحاكمون إليهم، وكانوا يدعون الكهانة وأن مع كل واحد منهم رئيا[13] من الجن مثل حازى (كاهن) جهينة، (…)فوقع النهي في ذلك الدهر لقرب عهدهم بالجاهلية، ولبقيتها فيهم، وفي صدور كثير منهم، فلما زالت العلة زال التحريم.

وقد كانت الخطباء تتكلم عند الخلفاء الراشدين، فيكون في تلك الخطب أسجاع كثيرة فلا ينهونهم”. ج1/ ص: 289- 290.

  • فرار الخطباء من الخطبة البتراء والخطبة الشوهاء

“على أن خطباء السلف الطيب، وأهل البيان من التابعين بإحسان، ما زالوا يسمون الخطبة التي لم تبتدأ بالتحميد، وتستفتح بالتمجيد: “البتراء”. ويسمون التي لم توشح بالقرآن، وتزين بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: “الشوهاء”. وقال عمران بن حطان: خطبت عند زياد خطبة ظننت أني لم أقصر فيها عن غاية، ولم أدع لطاعن علة، فمررت ببعض المجالس فسمعت شيخا يقول: هذا الفتى أخطب العرب لو كان في خطبته شيء من القرآن. وخطب أعرابي فلما أعجله بعض الأمر عن التصدير بالتحميد، والاستفتاح بالتمجيد، قال: “أما بعد، بغير ملالة لذكر الله ولا إيثار غيره عليه، فإنا نقول كذا”؛ فرارا من أن تكون خطبته بتراء أو شوهاء”.ج2 / ص: 6.

  • أنواع الخطب

“ثم اعلم بعد ذلك أن جميع خطب العرب، من أهل المدر والوبر، والبدو والحضر، على ضربين: منها الطوال، ومنها القصار، ولكل ذلك مكان يليق به، وموضع يحسن فيه. ومن الطوال ما يكون مستويا في الجودة، ومتشاكلا في استواء الصنعة، ومنها ذوات الفقر الحسان، والنتف الجياد. وليس فيها بعد ذلك شيء يستحق الحفظ، وإنما حظه التخليد في بطون الصحف. ووجدنا عدد القصار أكثر، ورواة العلم إلى حفظها أسرع. وقد أعطينا كل شكل من ذلك قسطه من الاختيار، ووفيناه حظه من التمييز، ونرجو ألا نكون قصرنا في ذلك”. ج2 / ص: 7.

  • سبب تسمية بعض القصائد القديمة بالحوليات

“ومن شعراء العرب من كان يدع القصيدة تمكث عنده حولا كريتا(كاملا)، وزمنا طويلا، يردد فيها نظره، ويجيل فيها عقله، ويقلب فيها رأيه، اتهاما لعقله، وتتبعا على نفسه، فيجعل عقله، زماما على رأيه، ورايه عيارا على شعره؛ إشفاقا على أدبه، وإحرازا لما خوله الله تعالى من نعمته. وكانوا يسمون تلك القصائد: الحوليات، والمقلدات، والمنقحات، والمحكمات؛ ليصير قائلها فحلا خنذيدا، وشاعرا مفلقا. وفي بيوت الشعر الأمثال الأوابد، ومنها الشواهد، ومنها الشوارد. والشعراء عندهم أربع طبقات. فأولهم الفحل الخنذيذ. والخنذيذ هو التام. قال الأصمعي قال رؤية: “الفحولة هم الرواة”[14]. ودون الفحل الخنذيذ الشاعر المفلق، ودون ذلك الشاعر فقط، والرابع الشعرور”.ج1/ ص: 9/ج2.

“قال الحطيئة: “خير الشعر الحولي المحكك”. وقال الأصمعي: “زهير بن أبي سلمى، والحطيئة وأشباههما، عبيد الشعر”. وكذلك كل من جود في جميع شعره، ووقف عند كل بيت قاله، وأعاد فيه النظر حتى يخرج أبيات القصيدة كلها مستوية في الجودة”. ج2 / ص: 13.

  • الفرق بين صناعة القصائد وصناعة الخطب 

“ومن تكسب بشعره والتمس به صلات الأشراف والقادة، وجوائز الملوك والسادة، في قصائد السماطين، وبالطوال التي تنشد يوم الحفل، لم يجد بدا من صنيع زهير والحطيئة وأشباههما، فإذا قالوا في غير ذلك أخذوا عفو الكلام وتركوا المجهود، ولم نرهم مع ذلك يستعملون مثل تدبيرهم في طوال القصائد في صنعة طوال الخطب، بل كان الكلام البائت عندهم كالمقتضب(اقتضاب الكلام: ارتجاله؛ اقتضب: تكلم من غير تهيئة له أو إعداد)، اقتدارا عليه، وثقة بحسن عادة الله عندهم فيه. وكانوا مع ذلك إذا احتاجوا إلى الرأي في معاظم التدبير ومهمات الأمور، ميثوه في صدورهم(ذللوه ولينوه)، وقيدوه على أنفسهم، فإذا قومه الثقاف وأدخل الكير، وقام على الخلاص(الثفل الذي يكون أسفل)، أبرزوه محككا منقحا، ومصفى من الأدناس مهذبا”. ج2 / ص: 13- 14. 

  • فنون من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم 

“وسنذكر من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما لم يسبقه إليه عربي، ولا شاركه فيه أعجمي، ولم يدع لأحد ولا ادعاه أحد، مما صار مستعملا ومثلا سائرا. فمن ذلك قوله: “يا خيل الله اركبي”، وقوله: “مات حتف أنفه”، وقوله: “لاتنتطح فيه عنزان”. وقوله الآن حمي الوطيس””. ص: 15/ج2.

“وأنا ذاكر بعد هذا فنا آخر من كلامه صلى الله عليه وسلم، وهو الكلام الذي قل عدد حروفه وكثر عدد معانيه، وجل عن الصنعة، ونزه عن لتكلف، وكان كما قال الله تبارك وتعالى: قل يامحمد: “وما أنا من المتكلفين”(سورة: ص/الآية: 86). فكيف وقد عاب التشديق، وجانب أصحاب التقعيب ( التقعيب كالتقعير، وهو أن يتكلم بأقصى قعر فمه)، واستعمل المبسوط في موضع البسيط، والمقصور في موضع القصر، وهجر الغريب الوحشي، ورغب عن الهجين السوقي، فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة، ولم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة، وشيد بالتأييد، ويسر بالتوفيق. وهو الكلام الذي ألقى عليه الله المحبة، وغشاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حسن الإفهام، وقلة عدد الكلام، مع استغنائه عن إعادته، وقلة حاجة السامع إلى معاودته. لم تسقط له كلمة، ولا زلت به قدم، ولا بارت له حجة، ولم يقم له خصم، ولا أفحمه خطيب، بل يبذ الخطب الطوال بالكلم القصار ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم، ولا يحتج إلا بالصدق ولا يطلب الفلج (الفوز والظفر) إلا بالحق، ولا يستعين بالخلابة، ولا يستعمل المواربة، ولا يهمز ولا يلمز(الهمز: العيب في الغيبة؛ واللمز: العيب في الحضرة)، ولا يبطئ ولا يعجل، ولا يسهب ولا يحصر(حصر يحصر حصرا: من باب تعب: عي في كلامه.). ثم لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعا، ولا أقصد لفظا، ولا أعدل وزنا، ولا أجمل مذهبا، ولا أكرم مطلبا، ولا أحسن موقعا، ولا أسهل مخرجا، ولا أفصح معنى، ولا أبين في فحوى(المعنى)، من كلامه صلى الله عليه وسلم  كثيرا. (…) قال محمد بن سلام: قال يونس بن حبيب: “ما جاءنا عن أحد من روائع الكلام ما جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم”. وقد جمعت لك في هذا الكتاب جملا التقطناها من أفواه أصحاب الأخبار. ولعل بعض من يتسع في العلم، ولم يعرف مقادير الكلم، يظن أنا قد تكلفنا له من الامتداح والتشريف، ومن التزيين والتجويد ما ليس عنده، ولا يبلغه قدره. كلا والذي حرم التزيد على العلماء، وقبح التكلف عند الحكماء، وبهرج الكذابين عند الفقهاء، لا يظن هذا إلا من ضل سعيه”. ج2/ ص:15-16-17-18.

2- ملاحظات واستنتاجات مقتضبة من خلال قراءة النصوص المختارة 

   إن المتأمل في هذه النصوص -والتي لا تخلو من آراء نقدية صريحة وواضحة- يدرك أن الجاحظ كان بصدد تأسيس مشروع نقدي بـياني – لم يكن من اختصاص البلاغيين والمتكلمين وحدهم- يشمل كافة الأساليب والوسائل التي تساهم في تكوين ظاهرة “البلاغة”. فأغلب النصوص المختارة يتمحور موضوعها حول مفهوم “البيان” وأهميته ووسائله وأساليبه وشروطه ومجال تحققه ومقاصده وأهدافه. وإذا أردنا أن ندرك تجليات “نقد النثر” في هذه النصوص المختارة نظرنا -بعين المتفحص الناقد- إلى الأمور التالية:

– اختيار الجاحظ واستشهاده ببعض نصوص سابقيه دون غيرها.

– طريقة تعليقه على تلك النصوص وحسن توظيفها في مجال حديثه

– طريقة مناقشته لآراء سابقيه وتجاوزها ببناء مفاهيم جديدة وفق تصوره الخاص

– تطرقه للكثير من القضايا البلاغية والنقدية بجرأة العالم المتميز والأديب المتفرد

– أسلوبه المتميز في ربط علاقة معرفية وتواصلية بقارئه وتقمصه دور المعلم المرشد…

على العموم يمكن اعتبار هذه النصوص من أشهر النصوص النقدية التي ساهمت في تأسيس نقد النثر عند العرب، حيث تناولها النقاد والبلاغيون بعد الجاحظ بالدرس والنقد والاستشهاد والتحليل، وكانت نواة للعديد من النظريات المتطورة في مجال النقد والبلاغة والأدب بصفة عامة.

IP- مميزات نقد النثر عند الجاحظ من خلال ” البيان والتبيين”

1- دور كتاب “البيان والتبيين” في تأسيس نقد النثر 

يقول الدكتور محمد العمري في مسألة تأثير تصور الجاحظ في اللاحقين: “يبدو أن أكمل قراءة بالمخالفة والتكميل لتصور الجاحظ هي التي قام بها ابن وهب في كتابه البرهان في وجوه البيان، فالمؤلف لم يخف انطلاقه من عمل الجاحظ مسجلا جوانب النقص عنده التي تقتضي إعادة البناء. (…) ولقد خصص ابن وهب أكثر مقدمة البرهان وجوهرها للحديث عن العقل والتنويه به مبينا الغريزي منه والمكتسب. وهذا وحده كاف لبيان اختلاف إستراتيجيتي هذين المؤلفين: الجاحظ وابن وهب. (…) إن عمل ابن وهب أقرب إلى نظرية معرفية، في حين أن عمل الجاحظ يندرج ضمن النظرية البلاغية: بلاغة الخطابة”[15].

أما الدكتور الحسن بوتبيا فيقول في تبيان موقف الجاحظ من مسألة تفضيل النثر على النظم: “يكاد الجاحظ (- 255هـ) ينفرد بالحديث عن الحضور الفاعل الذي كان للكتاب والشعراء في ميدان الرواية والتدوين، إلى جانب الرواة المحترفين المتخصصين، وهو مجال من مجالات النقد والاختيار من التراث الأدبي القديم، وتتحكم فيه مقاييس نقدية لم يعلنوا عن كثير منها (…) ورأيت عامتهم، فقد طالت مشاهدتي لهم، لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيرة،والمعاني المنتخبة، وعلى الألفاظ العذبة، والمخارج السهلة، والديباجة الكريمة، وعلى الطبع المتمكن، وعلى السبك الجيد، وعلى كل كلام له ماء ورونق، وعلى المعاني التي إذا صارت في الصدور عمرتها وأصلحتها من الفساد القديم، وفتحت للسان باب البلاغة، ودلت الأقلام على مدافن الألفاظ، وأشارت إلى حسان المعاني. ورأيت البصر بهذا الجوهر من الكلام في رواة الكتاب أعم، وعلى ألسنة حذاق الشعراء أظهر “[16].

يعلق الدكتور بوتبيا على هذا النص مبينا أن الجاحظ يتحدث عن رواة الكتاب لاعن مطلق الكتاب، ويجعل لهم مكانتهم المتميزة بين غيرهم من المتأدبين المعنيين برواية الأدب شعره ونثره، ويضعهم إلى جانب الشعراء المجيدين والنقاد اللغويين في القدرة على تمييز الكلام الجيد وحسن اختياره على أساس عناصره الكبرى التي هي الألفاظ والمعاني والأساليب؛ ولكنه في مجال الاستفادة من تلك المرويات والتشبع بما فيها من المحاسن، والخبرة بجودة أدائها حين تستعمل عناصرها استعمالا صحيحا، جعلهم فوق كل راو وشاعر وخطيب، وارتضى طريقتهم البيانية التي استخلصوها من تلك المرويات، وخاصة اختيارهم للألفاظ، فقال: أما أنا فلم أر قط أمثل طريقة في البلاغة من الكتاب، فإنهم قد التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعرا وحشيا، ولا ساقطا سوقيا.

ثم توج ذلك كله في مقاربة أخرى هي ألصق بجوهر النقد وبالمقصود منه، وهي الخاصة بما أسماه العلم بالشعر، فنسبه إليهم وحدهم، وجعلهم أكثر من غيرهم على الإحاطة بمجمل الموضوعات والقضايا التي يدور حولها النقد في عصره، وعلى الارتقاء إلى مستوى التحليل الشامل للنصوص الأدبية، حيث يمكن الحكم عليها بالجودة أو الرداءة من موقع صحيح، فقال: طلبت علم الشعر عند الأصمعي فوجدته لا يعرف إلا غريبه، فرجعت إلى الأخفش فألفيته لا يتقن إلا إعرابه، فعطفت على أبي عبيدة فرأيته لا ينقد إلا ما اتصل بالأخبار وتعلق بالأيام والأنساب، فلم أظفر بما أردت إلا عند أدباء الكتاب كالحسن بن هب ومحمد بن عبد الملك الزيات. قال الصاحب على إثر هذه الحكاية: فلله أبو عثمان، فقد غاص على سر الشعر، فاستخرج أخص من الشعر.

ففي هذه النصوص كلها مفاضلة غير معلنة، كما هو الشأن في كل نقد يتوخى التمييز بين الجيد والرديء، أقامها الجاحظ بين الكتاب المنشئين وبين غيرهم ممن يشاركهم العناية بالكلام الجيد شعره ونثره، من رواة ونقاد وشعراء وخطباء، ووازن بين هؤلاء وأولئك على أساس مقاييس بلاغية أوجز الحديث عنها، تم حكم لأصحابه الكتاب بالإجادة والتفضيل والأسبقية، وحسم المنافسة لصالحهم، وقد اقتدى به غير واحد من النقاد في القرون التالية، وخاصة أولائك الذين مارسوا الكتابة واتخذوها صنعة ومهنة، ثم تولوها بعد ذلك بالدراسة والنقد والاستنباط”[17].

2- بناء كتاب البيان والتبيين: المشروع

 يقول الأستاذ العمري: “هناك مجموعة من نقط الارتكاز في عمل الجاحظ يمكن الاهتداء بها والرجوع إليها خلال عملية الاستكشاف ما حولها من خطب وأمثال وشعر وأخبار ومناقشات نقدية وسجلات حجاجية. والطريق الأول المؤدي إلى فهم عمل الجاحظ يكمن في التفريق بين المركز الذي يتصف بالاستقرار، وان سار من التعميم إلى التخصيص (…)، والمحيط المتحرك المتكون من الوسائل المفضية إلى البيان، تلك الوسائل التي تختلط أحيانا بمفهوم البيان وتكاد تلتبس به”[18].

نستخلص من هذه النصوص ومن نصوص أخرى غيرها (يرجع إليها في الكتاب) أن مفهوم البيان عند الجاحظ مفهوم إجرائي؛ أي أنه العملية الموصلة إلى الفهم والإفهام في حالة اشتغالها، حتى وان اقتضى الإجراء التعليمي تقديمها منفصلة أو ساكنة أحيانا.

وعند تأملنا للأصناف الدالة على المعاني من لفظ وغير لفظ نقتنع أن الكتاب قد اتجه في البداية إلى وضع نظرية لمعرفة الكون والإنسان، وتداول هذه المعرفة بالأدلة المختلفة. إنها نظرية رمزية كونية: عقد الرموز وفكها بالتواضع والاعتبار (التأمل). فالشيء المركزي الثابت في كتاب البيان والتبيين هو الفهم والإفهام بالوسائل المختلفة: الوسائل الغوية والإشارية خاصة. أما المحيط فقد كان إلى حد ما، مرنا بوعي وإرادة من الجاحظ. وقد عبر عن ذلك في مناسبات عديدة وبعبارات لا لبس فيها:

1- يقول مقدما”كتاب العصا”، وهو أحد أبواب كتاب البيان والتبيين:

“هذا، أبقاك الله، الجزء الثالث من القول في البيان والتبيين، وماشابه ذلك من غرر الأحاديث، وشاكله من عيون الخطب، ومن الفقر المستحسنة، والنتف المستخرجة، والمقطعات المتخيرة، وبعض ما يجوز في ذلك من أشعار المذاكرة، والجوابات المنتخبة.[19]

فهناك إذن، حديث في صميم النظرية البيانية، وهناك إيراد لما يتصل بها مشابهة ومشاكلة من مواد ضرورية للخطيب. حتى الشعر المثبت في الكتاب هو شعر”المذاكرة” و”الجوابات”، فتأمل؟
يقول الأستاذ العلامة أمجد الطرابلسي، عند هذه الخصوصية قائلا: “إن الاستشهادات الشعرية في هذا الكتاب كثيرة، ولكنها ليست دائما مقاطع مختارة بهدف الاختيار، إنما هي متفرقات ملائمة لرأي تؤكده، أو ملاحظة تغنيها. ولذلك فإنها تستمد قيمتها من تنوعها، ومن تجانسها مع المقام الذي تذكر فيه”[20].

2- ومهما كان هناك من حاجة إلى تنشيط القارئ فإن الأمر لا يؤدي إلى الخروج عن الموضوع جملة، يقول:

“وجه التدبير في الكتاب إذا طال أن يداوي مؤلفه نشاط القارئ له، ويسوقه إلى حظه بالاحتمال له. فمن ذلك أن يخرجه من شيء إلى شيء، ومن باب إلى باب بعد ألا يخرجه من ذلك الفن، ومن جمهور ذلك العلم”[21].

يؤكد الدكتور عباس أرحيلة أن: “ما اعتبره الناس استطرادا، كان عند الجاحظ منهجا في التأليف؛ جاء نتيجة تنوع معارفه، وسعة ثقافته، ونتيجة ما يجده من لذة في تنويع المادة واستقصاء جوانبها والبحث عن غرائبها ودقائقها (…) وغايته أن يلم بالموضوع من جميع أطرافه، ويرده إلى مختلف عناصره”[22]. لقد كان هم الجاحظ -في نظر الدكتور أرحيلة- هو تقييد ما تناثر من آداب العرب وجمع شتات النصوص ومن هنا ضربت آثاره في عدة اتجاهات واتسمت بالشمولية.

ويعلق الدكتور محمد العمري على كلام الجاحظ السابق بقوله : “فهو يعلم إذن أو يعتقد على الأقل، أنه مهما تصرف في مواد كتاب البيان والتبيين فيما يتعلق بطريقة العرض فإنه يظل داخل عموم البيان وهمومه (…) والواقع أن مادة الكتاب لا تخرج عن ثلاث محاور:

1- وظيفة البيان وقيمته.

2- العملية البيانية وأدواتها.

3- البيان العربي.

خاتمة

رغم المآخذ التي سجلت حول كتاب “البيان والتبيين”، فإنه يبقى أهم كتاب عرفه الأدب العربي قديما وحديثا، ويبقى مؤلفه الجاحظ من أكبر المساهمين في ازدهار الكتابة، حيث أصبح النثر على يديه أداة لتقييد الخواطر النفسية والملاحظات الفنية وارتقى في كتابته إلى ما يفوق الشعر أحيانا. ثم إن الجاحظ قد دفع بكثير من الألفاظ إلى الخروج من الدلالات الخاصة إلى مجال الاصطلاح العام واستطاعت مدرسته النثرية أن تحتل المرتبة الأولى وتكون النموذج الأمثل لأغلب الكتاب من بعده، وذلك بإسهاماته النادرة في تطوير البيان العربي، حيث كانت كتبه وعلى قمتها”البيان والتبيين” من المصادر المؤسسة للنثر العربي ونقده على حد سواء.


الكتب المعتمدة

 

  • البيان والتبيين لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ بأجزائه الأربعة، دار الجيل- بيروت، بدون طبعة، بدون تاريخ، تحقيق وشرح: عبد السلام هارون.
  • نقد الشعر عند العرب حتى القرن الخامس للهجرة للأستاذ أمجد الطرابلسي، ترجمة: إدريس بلمليح، دار توبقال للنشر، المغرب.
  • أخلاق الوزيرين لأبي حيان التوحيدي بين الواقع والفن للأستاذ الحسن بوتبيا، المطبعة والوراقة الوطنية- مراكش، الطبعة الأولى / 2007.
  • المفاضلة بين النظم والنثر وأشكال التداخل بينهما في العصر العباسي لنفس الكاتب، الطبعة الأولى / 2002، نفس المطبعة.
  • الكتاب وصناعة التأليف عند الجاحظ للأستاذ عباس أرحيلة، المطبعة والوراقة الوطنية- مراكش، الطبعة الأولى/ 2004. 
  • البلاغة العربية أصولها وامتداداتها للأستاذ محمد العمري، إفريقيا الشرق- المغرب/ 1999، رقم الإيداع القانوني 1709/ 98.
  • بنية العقل العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية للأستاذ عابد الجابري، كلية الآداب الرباط- الرباط، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بدون طبعة.
  • مصادر النثر ونقد النثر من الأصول إلى الفروع، محاضرة للأستاذ عبد اللطيف المصدق، أملاها على طلبة الفصل الثالث من ماستر: أدب قديم قضاياه اللغوية والنقدية، السنة الجامعية: 2008/ 2009.

 ملحق المقال

مفهوم “البيان” عند الجاحظ من خلال الجزء الأول من كتاب” البيان والتبيين”

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 د. عبد اللطيف المصدق: مصادر النثر و نقد النثر من الأصول إلى الفروع،محاضرة ألقيت على طلبة الفصل الثالث من ماستر: أدب قديم قضايا لغوية ونقدية، السنة الجامعية: 2008/ 2009.    [1]

[2]  د. الحسن بوتبيا: أخلاق الوزيرين لأبي حيان التوحيدي بين الواقع والفن، المطبعة والوراقة الوطنية ،مراكش، ط1/2007، ص: 156.

 المرجع نفسه، ص: 170. بنوع من التصرف.[3]

 د. عابد الجابري: بنية العقل العربي، كلية الآداب- الرباط، المركز الثقافي العربي، الدر البيضاء،بدون طبعة، ص: 20[4]

 المرجع نفسه، الصفحة نفسها.[5]

 د. محمد العمري: البلاغة العربية أصولها وامتداداتها، أفريقيا الشرق-المغرب 1999، رقم الإيداع القانوني 1709 / 98،، ص:189. [6]

 المرجع نفسه، الصفحة نفسها. [7]

  الدكتور أمجد الطرابلسي: نقد الشعر عند العرب حتى القرن الخامس للهجرة، ترجمة: إدريس  بلمليح، دار توبقال للنشر، المغرب نقد الشعر عند العرب، ص: 59.[8]

 د. محمد العمري: البلاغة العربية،مرجع سابق، ص: 190.[9]

 المرجع نفسه، الصفحة نفسها، بتصرف. [10]

 تمامة بن أشرس النميري مولى بني نمير، كان زعيم القدرية في زمان المأمون والمعتصم والواثق. قيل مات 213هـ.[11]

 جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، من كبار البرامكة الذين قتلهم الرشيد. [12]

 الرئي: بفتح الراء وكسرها مع كسر الهمزة وتشديد الياء: هو الذي يعتاد الإنسان من الجن يحبه ويؤالفه. [13]

 الفحولة هم الرواة: المراد: الذين يروون شعر غيرهم فيكثر ترفهم في الشعر ويقوون على القول.[14]

 د. محمد العمري: البلاغة العربية،مرجع سابق، ص:211 – 213.[15]

 د. الحسن بوتبيا: المفضلة بين النظم والنثر وأشكال التداخل بينهما في العصر العباسي،ط1/2002، المطبعة الوراقة الوطنية، المغرب، ص: 112.  [16]

 المرجع نفسه، ص:111-112-113.[17]

 د. محمد العمري: البلاغة العربية، مرجع سابق، ص: 191. [18]

 البيان والتبيين: 3/5[19]

 د. أمجد الطرابلسي: نقد ىالشعر عند العرب، مرجع سابق، ص: 59. [20]

 البيان والتبيين: 3/366.[21]

 د. عباس أرحيلة: الكتاب وصناعة التأليف عند الجاحظ،المطبعة والوراقة الوطنية- مراكش، ط1/ 2004، ص: 139. [22]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.