منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الباعة المتجولون بين ضرورات المعاش وزينة المجال

الباعة المتجولون بين ضرورات المعاش وزينة المجال/ عبد الحليم زوبير

0

الباعة المتجولون بين ضرورات المعاش وزينة المجال

بقلم: عبد الحليم زوبير

تختلف نظرة الناس إلى ظاهرة الباعة المتجولين، ولا سيما عندما تتحول بعض الأزقة أو الشوارع أو الساحات العمومية إلى سوق عشوائي، فبعض الناس يأسف على مظهر المدينة الذي يفقد خصائص المدينة المعاصرة، ويشكو من الضجيج المنكد راحة السكان بالجوار، ولا يتردد كثيرا في رفع الأمر إلى مسؤولي السلطات متهما إياهم بالتساهل مع هؤلاء المشوشين على راحة المارة والساكنة، بينما لا يفكر البعض ومنهم الباعة أنفسهم إلا في الوضع الاقتصادي المتردي الذي تتهاوى عنده أهمية الجمال والنظام، فمن تعوزه ضرورات العيش لا يفكر في زينة المجال ونظام الحياة، وهكذا يحتد النقاش بين الطرفين، وقبل الإدلاء بالرأي الشخصي في ضوء القواعد الشرعية في المسألة يجب الخروج من ضيق هذه الثنائية التي تحجب كثيرا من الحقائق التي يجب استحضارها وتأملها قبل الحكم على الظاهرة:

الحقيقة الأولى: إن هذه الظاهرة تدل دلالة واضحة على أن كثيرا من أفراد الأمة تعيش فقرا مدقعا وتخلفا مزمنا في النظام، وهي ظاهرة تتنافى وكرامة الآدمي المقررة في القرآن الكريم، فضلا عن العزة الثابتة لله ولرسوله وللمؤمنين. كما أنه ينافي قيم الجمال والنظافة والنظام المقررة في فقه العمران الإسلامي، ولهذا لا ينبغي اعتبار هذه الظاهرة طبيعية وسببا عاديا من أسباب كسب العيش، بل هو استثناء يجب أن يزول بزوال أسبابه.

الحقيقة الثانية: إن هذه الظاهرة ومثلها من المهن غير المنظمة لا يرتادها الفقراء فقط، بل هي مرتع خصب للأغنياء أيضا الذين يستطيعون الاستثمار في قطاعات مهيكلة واضحة، لكنهم يلجئون إلى هذه القطاعات غير المنظمة سعيا وراء الربح السريع الخالي من كلفة الضرائب وحقوق العمال، ولهذا فهذه الظاهرة تعتبر من هذه الجهة إحدى وسائل الاستغلال التي يتعرض لها فقراء المجتمع.

الحقيقة الثالثة: إن هذه الأوضاع لا تغذيها حاجة الفقراء وحسب، بل يوجد كثير من المسؤولين الفاسدين يكتفون بمراقبة الأوضاع مقابل رشاوى محرمة.

بعد توضيح هذه الحقائق نخلص إلى أن الظاهرة متعددة الجوانب، فهي من حيث كونها الملاذ الوحيد لبعض فئات المجتمع لكسب قوت العيش لا يمكن لعاقل أن يحكم بمنع الظاهرة، لأن لقمة العيش أولى من الحاجة إلى جمال الأزقة والساحات العمومية، فمن يترك أولادا صغارا ينتظرون خبزا ودواء وكتبا وألعابا لا يمكن أن يقيم وزنا لجمال المدينة، والحاجة لهدوء الساكنة في الجوار، فقد “كاد الفقر أن يكون كفرا” وقد رأينا من قتل نفسه حرقا أو حاول بعد أن نزعت منه وسيلة هذا العيش الكادح، دون أن يهتم –وهذا حق لا جدال فيه- للقانون الذي يمنع هذا السلوك.

لكن الظاهرة -من حيث هي إساءة لنظافة المجال وما يمثله ذلك من الخروج عن مقتضيات النظام والجمال التي هي مقاصد شرعية معتبرة- تكون مخالفة شرعية واضحة، فتعارضت هنا إذا مقاصد الساكنة وعموم أهل المدينة الذي يستحقون مدينة منظمة نظيفة خالية من هذه الأسواق العشوائية، إضافة إلى حق الدولة في استخلاص ضرائب الخدمات العامة من نظافة وإنارة وأمن وغيرها.. مع حق الفئات التي لا تجد بديلا عن هذه الأسواق، وحقها في العيش كما يعيش سائر الناس، فكيف يحل هذا التعارض..؟

إن استحضار القواعد الشرعية يقتضي أن نوازن بين المفاسد والمصالح من جهة، وبين درجات المصالح ودرجات المفاسد من جهة أخرى، وهكذا نجد بأن تطبيق قاعدة درئ المفاسد أولى من جلب الصالح يرجح الإبقاء على هذه الظاهرة ما لم يجد أصحابها بديلا غيرها، دفعا لمفاسد الفقر وما يؤدي إليه من احتراف الجرائم واليأس.. وهذا أولى من اعتبار المصالح المشروعة التي يفكر فيها المارة والساكنون بجوار هذه الأسواق من نظام ونظافة وهدوء..

وإذا اعترض معترض بأن ساكنة الجوار  والمارة إنما يبحثون عن دفع مفاسد الصراخ والكلام البذيء والازدحام والأوساخ وهي مفاسد يجب دفعها، فإن قاعدة درء أكبر المفاسد بارتكاب أصغرها يدعونا إلى اعتبار هذه المفاسد التي يشكو منها هؤلاء لا تقارن بمصيبة الفقر وضرورات العيش. وقد يكون الاعتراض أيضا بأن هؤلاء الباعة الفقراء يرتكبون مفاسد أكبر مما ذكر، فقد يحدث أن يكون بالجوار من يعاني مرضا قد يهدد الصراخ حياته، أو تتدهور حالته الصحية، وقد يكون فقيرا أيضا يؤدي به الأمر إلى الانتقال إلى المستشفى وهو لا يملك ما يؤدي به واجبات الاستشفاء، وهذا اعتراض وجيه لكنه يبقى ناذرا إذا ما قورن بالفقر المتفشي، كما أنه ضرر مظنون مقابل ضرر الفقر المتحقق..

وبناء على ذلك فإن كلا الفريقين –باستثناء من يستغلون هذه الأوضاع- محقون في شكاواهم، لكن يجب ترتيب الشكاوى، وتقديم الأضر على المضر والمضر على النافع.. إزالة، وتقديم الأصلح على الصالح والصالح على الفاسد ..كسبا، ليبقى المدخل الأمثل في انتظار أن تتوفر الإرادة السياسية لمعالجة هذه الأوضاع وبعدها أيضا هو المدخل التربوي الأخلاقي، ويكفي التذكير بالآية الكريمة: “والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا” سورة الأحزاب الآية 58.

والله من وراء القصد والهادي إلى سواء السبيل.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.