منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مسلك تعزيز الثقة بالسنّة النبوية (2) من خلال شهادات غير المسلمين في السنة ورموزها

مسلك تعزيز الثقة بالسنّة النبوية (2) من خلال شهادات غير المسلمين في السنة ورموزها/يحي زركيط

0

مسلك تعزيز الثقة بالسنّة النبوية (2)

من خلال شهادات غير المسلمين في السنة ورموزها

يحي زركيط

مسلك تعزيز الثقة بالسنّة النبوية (1) بيان أوجه الإعجاز في أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم

يحرص كثير من الكتاب المعاصرين ممن يطعنون في السنة النبوية على الإشادة بالبحوث والدراسات التي أنجزها أساتذتهم من المستشرقين الحاقدين على الإسلام من أمثال “مرجليوت” و”جولدتسيهر” و”شاخت” وغيرهم، وتجدهم لا يتورعون عن ترديد مقولاتهم المشككة في حجية السنة وثبوتها، سعيا منهم إلى إقناع جمهور المسلمين بتلك الأفكار والآراء. لكن في المقابل فهم يغضون الطرف عن شهادات واعترافات علماء غير مسلمين أشادوا بالحديث النبوي وبالمنهج النقدي الذي ابتكره المحدثون لتمحيص الأخبار والروايات.

إن استقصاء هذه الشهادات وإبرازها يعدّ إحراجا لأولئك الكتّاب المتحاملين على السنة وعلومها، خصوصا إذا علمنا أن جلها صادرة عن علماء ومفكرين مرموقين لم يقرّوا بتلك الحقائق إلا بعد دراسة وبحث. ومن جهة أخرى فهي تفتل في حبل الانتصار للسنة وتزيد المسلمين فخرا واعتزازا بتراثهم الحديثي.

يقول الدكتور نور الدين عتر: “‌وفي ‌العصر ‌الحديث اعترف الباحثون الأجانب للمحدّثين بدقة عملهم، وأقروا بحسن صنيعهم، واتخذ علماء التاريخ من قواعدهم أصولا يتبعونها في تقصي الحقائق التاريخية، ووجدوا فيها خير ميزان توزن به وثائق التاريخ.”[1]

أحيانا تأتي هذه الاعترافات على ألسنة المنصفين الذين درسوا تاريخ الإسلام وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم بحياد وموضوعية، وأحيانا أخرى تصدر عن بعض المستشرقين الذين لهم مواقف متباينة من الحديث النبوي وتاريخ تدوينه.

فمن الصنف الأول نجد الباحثة البريطانية في الأديان (كارين أرمسترونغ) تعبر عن إعجابها بتمسك المسلمين بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم فتقول: “تُكوّن الأحاديث النبوية مع القرآن أصول الشريعة الإسلامية، كما أصبحت أيضا أساسا للحياة اليومية والروحية لكل مسلم. فقد علّمت السنّة المسلمين محاكاة أسلوب محمد في الكلام والأكل والحب والاغتسال والعبادة لدرجة يعيدون معها إنتاج حياة النبي محمد على الأرض في أدق تفاصيل حياتهم اليومية بأسلوب واقعي.”[2]

ونجد الدكتور أسد جبرائيل رستم أحد علماء التاريخ- وهو لبناني نصراني درس التاريخ في جامعات فرنسا والولايات المتحدة- يعترف بأسبقية علماء الحديث في وضع المنهج النقدي للروايات التاريخية، فيقول: “وأول من نظّم نقد الروايات التاريخية ووضع القواعد لذلك، علماء الدين الإسلامي، فإنهم اضطروا اضطرارا إلى الاعتناء بأقوال النبي وأفعاله لفهم القرآن وتوزيع العدل،… فانبروا لجمع الأحاديث ودرسها وتدقيقها، فأتحفوا علم التاريخ بقواعد لا تزال في أسسها وجوهرها محترمة في الأوساط العلمية حتى يومنا هذا.”[3]

وفي السياق نفسه يقول المستشرق (شبرنجر Sprenger) فيما نقل عنه العلامة المحدث المباركفوري من مقدمة كتاب (الإصابة لابن حجر): “يحق للمسلمين أن يفتخروا بعلم الرجال كما شاؤوا، فلم توجد أمة في الماضي ولا في الحاضر دونت تراجم وسير العلماء خلال اثني عشر قرنا كما فعل المسلمون، فبإمكاننا الحصول على تراجم خمسمائة ألف عالم من المشهورين من كتبهم.”[4]

يعلق عبد القادر بن حبيب الله السندي على هذه الشهادة قائلا: “هكذا يمجد هذا المستشرق هذا العلم الشريف، وهو بكلامه هذا يقضي على جميع الشبه التافهة التي أوردها أعداء السنة النبوية حديثا، وقديما.”[5]

ومن الصنف الثاني الذين تباينت مواقفهم من الحديث النبوي، نجد المستشرق الأنجليزي (دافيد صموئيل مرجليوث) رغم حقده على الإسلام، يعترف برجوع سند الحديث لما قبل القرن الأول، خلافا لمزاعم شاخت وأمثاله، فيقول: “حتى وإن لم نصدق أن جل السنّة التي يعتمد عليها الفقهاء في استدلالهم صحيحة، فإنه من الصعب أن نجعلها اختراعا يعود إلى زمن لاحق للقرن الأول.”[6]

ونجد (روبسون Robson) الذي كانت مواقفه تتفق في غالبها مع آراء المستشرقين المتحاملين، لم يستطع أن يخفي بعض الحقائق ومنها: “أن بعض المستشرقين فطنوا إلى أن ما يروى عن كبار الصحابة من الحديث أقل بكثير مما يروى عن صغارهم، وقد رأى أن ذلك يحمل على الاعتقاد بصحة ما نقله المحدثون أكثر مما نتصور -أي مما يتصوره المستشرقون- إذ لو اختلق المحدثون الأسانيد لكان بإمكانهم جعلها تعود إلى كبار الصحابة.”[7]

إننا نجد بعض علماء الحديث في عصرنا يهتمون بتوثيق هذه الاعترافات وتلك الشهادات، ويسوقونها في كثير من مصنفاتهم لما لها من أثر إيجابي في تعزيز الثقة بالسنة النبوية والافتخار بالمنهج النقدي الذي تفردت به أمتنا الإسلامية عن باقي الأمم، وهي شهادات لها قيمتها في مجال النقد العلمي ومناظرة أصحاب الشبهات.


[1]  منهج النقد في علوم الحديث، نور الدين عتر. دار الفكر، دمشق سورية ط. الثالثة، 1401هـ/ 1981م. ص 36.

[2] سيرة النبي محمد، كارين أرمسترونغ، ترجمة د. فاطمة نصر د. محمد عناني 1998م. شركة صحارى كتاب سطور. ص 388.

[3]  مصطلح التاريخ ، أسد رستم، دار الكتب المصرية ط. الأولى 1436ه/2015م. ص39.

[4]  سيرة الإمام البخاري، الشيخ عبد السلام المباركفوري، نقله إلى العربية د. عبد العليم بن عبد العظيم البستوي، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع ط. الأولى 1422ه. ج1/38.

[5]  حجية السنة النبوية ومكانتها في التشريع الإسلامي ، عبد القادر بن حبيب الله السندي الناشر: الجامعة الإسلامية المدينة المنورة ط. السنة الثامنة – العدد الثاني – رمضان 1395هـ/ سبتمبر 1975م. ص 102.

[6]  التطورات الأولى للإسلام المحاضرة الأولى ، دافيد صموئيل مرجليوث. ص98.

[7]  بحوث في تاريخ السنة المشرفة، أكرم ضياء العمري، مكتبة العلوم والحكم المدينة المنورة ط. الخامسة (د. ت) (نقلا عن: Robson, The Isnad in Muslim Tradition, p26). هامش ص 56.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.