منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التأويل الصوفي ومصطلحاته “عند محيي الدين بن عربي”

لطيفة يوسفي

0

 

مقدمة

الحمد لله رب العالمين أحمدك اللهم حمدا لا تغير له ولا زوال، وأشكرك يا رب شكرا لا تحول له ولا انفصال، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، خير بني آدم وخير الخلق أجمعين، أما بعد:

فقد نشأ التأويل في الفكر العربي الإسلامي لغاية تتعلق بالنص القرآني، هي الغاية التي حاولت في كل آن أن تحقق التقارب بين النقل والعقل.

والخطاب الصوفي عامة وابن عربي خاصة لم يكنا بمعزل عن هذه الحركة التأويلية، فقد تناول – ابن عربي – التأويل بالدراسة من خلال نظرية بعيدة عن النقل والعقل، نظرية تؤمن بأن للمعرفة سبيلا آخر، وهو القلب يصبح عنده الذوق الطاقة البديلة تمر النفس خلالها بعدة مقامات، تتخطى فيه الظاهر والباطن وتتوحد الأنا بالذات العليا.

المزيد من المشاركات
1 من 12

فقضية التأويل في الخطاب الصوفي تتخذ أبعادا معرفية ولغوية ووجودية، ولعل هذا ما يجعلها شديدة التعقيد.

وسر قوة الفكر الصوفي يكمن في رمزيته وفي مجالات التأويل الرحبة التي فتحها على العقل، وعلى القلب الإنساني، ومكنها من الغوص في غياهب المطلق لأجل الترقي نحو نور الكمال، ثم مجال تأويل رمزيته في حد ذاتها، مما يتيح لكل صاحب خيال أن يقرأ الفكر الأكبري من الزاوية التي يشعر بحسن التعمق فيها، إذ اللغة الصوفية لغة رمزية مجازية ذات دلالات كثيرة قابلة لأكثر من تأويل تتميز بالتخيل والتمثيل والتشبيه.

المبحث الأول: محيي الدين ابن عربي وفكره

المطلب الأول: نبذة عن حياة ابن عربي

أولا: اسمه ونسبه ولقبه

الشيخ الأكبر محيي الدين محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي الأندلسي، ومحيي الدين لقب له بناءً على ما درج في عصره من تلك الألقاب كضياء الدين وغيره، والطائي نسبة إلى قبيلة طيء وهي قبيلة عربية مشهورة منها حاتم الطائي المشهور بالكرم، وعليه فالشيخ ابن عربي على هذا هو عربي الأرومة واضح النسب سليل عروبة، وقد أطلق عليه تسمية الشيخ الأكبر[1] لما امتاز به من سعة العلوم وكثرة المعرفة في شتى مجالات العلم حتى صار علمًا تشد إليه الرحال ويقصد للاستفادة منه.

ثانيا: مولده ونشأته

مقالات أخرى للكاتب
1 من 6

ولد الشيخ ابن عربي سنة خمسمائة وستين للهجرة في مرسيه من بلاد الأندلس، انتقل ابن عربي مع أبيه إلى إشبيلية وعمره ثمان سنوات.

وقد نشأ في وسط عائلي متدين، فخاله زاهد يقيم الليل، فتأثر به وسلك مسلك الصوفية وعمره لم يتجاوز العشرين من العمر.[2]

ثالثا: رحلته في طلب العلم

ارتحل ابن عربي كثيرا وطاف في كثير من البلدان، فقد انتقل إلى إشبيلية ومن ثم انتقل من بلاد الأندلس أيضًا، وتنقل بعد ذلك بين البلاد فزار المغرب وكتب فيها الإنشاء لبعض الأمراء ثم إلى مصر. ومن ثم قام برحلة فزار الشام وبلاد الروم والعراق والحجاز فنشأ على الرحلة والتنقل بين البلاد مسافرًا في طلب العلم والاجتماع بالأكابر من أئمة زمانه وعلماء عصره، ما أكسبه مكانة علمية مرموقة وخبرة عظيمة، وكان في أثناء زيارته لمصر عمل بعضهم على إراقة دمه فحبس مدة ثم خرج بعد ذلك ناجيًا بمساعدة علي بن فتح البجائي، ومن ثم استقر أخيرًا في بلاد الشام وفي دمشق تحديدًا حتى وافاه الأجل.[3]

رابعا: مؤلفاته

لما كان الشيخ ابن عربي قد نال درجة عالية في العلم والتبحر فيه، كان من البديهي أن ينعكس ذلك على حياته فأفاض بكثير من المؤلفات، حيث ألف نحوا من مائتين وتسعة وثمانين كتابا ورسالة على حد قوله في مذكرة كتبها عن نفسه سنة 632، أو خمسمائة كتاب ورسالة على حد قول عبد الرحمن جامي صاحب كتاب نفحات الأنس، أو أربعمائة كتاب كما يقول الشعراني في اليواقيت والجواهر.[4]

قال أبو شامة: “وله تصانيف كثيرة وعليه التصنيف سهل، وله شعر حسن وكلام طويل على طريق التصوف.”[5] وقد وصفه المستشرق بروكلمان بأنه مؤلف من أخصب المؤلفين عقلاً وأوسعهم خيالاً، وذكر له نحوًا من مائة وخمسين مصنفًا ما تزال باقية ما بين مخطوط ومطبوع.[6]

  • “القطب والنقباء”
  • “مراتب العلم الموهوب”
  • “محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار في الأدب”
  • “الفتوحات المكية”
  • “فصوص الحكم في التصوف”
  • ” فتح الذخائر”[7]

خامسا: وفاته

لم يزل الشيخ ابن عربي يؤلف ويحرر ويدون دون ملل حتى أواخر أيامه حيث بلغ الثمانين، فجاءته المنية في دمشق في بيت ابن الذكي حيث كان يحيط به أهله وأتباعه من المشايخ الصوفية، وذلك ليلة الجمعة في الثامن والعشرين من ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وستمائة من الهجرة، ودفن في الصالحية شمالي المدينة بسفح قاسيون.[8]

المطلب الثاني: فكر محيي الدين ابن عربي

وقال ابن السبط: “كان يقول إنه يحفظ الاسم الأعظم ويقول إنه يعرف الكيمياء بطريق المنازلة لا بطريق الكسب، وكان فاضلا في علم التصوف، وله تصانيف كثيرة.”[9]

شكل فكر ابن عربي موقعا هاما في التراث الإسلامي والتراث العالمي، وحتى نكون على وعي تام بهذا الفكر لابد من أن نأخذ بعين الاعتبار مجموع عمله، وكما يقول هنري كوربان، وأن نضعه ” في زاوية من النظر حيث تتراكب مستويات العالم طبقا على طبق، وحالا فوق حال: إنها عوالم من الكثرة يشير بعضها إلى بعض.”[10] فلم ” يختلف الباحثون – قديما وحديثا – حول شيء قدر اختلافهم حول ابن عربي، اختلف القدماء حوله وتأرجحوا بين طرفي النقيض، فبعضهم اعتبره قديسا عارفا وليا يتناسب دوره مع اسمه، فهو محي الدين حقا، والبعض الآخر اعتبره كافرا ملحدا زنديقا،[11] مميتا للدين.”[12]

ففكر الشيخ الأكبر اختلف فيه بين مبتدع وزنديق في رأي أهل الإسلام، وموحد في أعين الفلاسفة مما أثارعدة انتقادات، “ونظن أن السبب راجع إلى أن إنتاجه يشتمل في الحقيقة على عناصر شتى: سنية، وشيعية، وغنوصية وهيلنية، يهودية، ومسيحية، وزرادشتية.”[13]

وقد تحير فيه ابن تيمية “فتارة ينسبه إلى وحدة الوجود ويضعه إلى جانب ابن سبعين، وأحيانا أخرى يعترف بأن ابن عربي يفصل بين الحق والخلق والله والعالم.”[14]

أما الدارسون المحدثون ـ سواء كانوا من المستشرقين أو من الباحثين العرب والمسلمين ـ فلم يكادوا يتجاوزون هذا الإطار دون تلك النبرة الحادة التي تتسارع إلى التكفير أو التقديس، وقد كان من الطبيعي أن ” يفهم المستشرقون ابن عربي في إطار وحدة الوجود تسليما بما قاله عنه كل من محبيه وأعدائه على السواء، ولكنهم فهموا وحدة الوجود عند ابن عربي في إطار وحدة الوجود في الفلسفة الغربية ومن خلال المصطلح pantheism، وذلك على أساس من انطلاقهم من المعروف إلى المجهول في حركة معرفية تأويلية، هذا التصور لوحدة الوجود عند ابن عربي يتبناه كل من نيكلسون وأسين بلا سيوس.”[15]

وقد بسط هنري كوربان في دراسته لفكر ابن عربي والتي تجمع بين وحدة الوجود وبين الثنائية الواضحة في فكره ومذهبه، فقال: “إن مذهب ابن عربي ليس في التوحيد ولا في الحلول بل الأولى إن مذهبه إن شئت تفريد الواحد وتأليه العالم، ويرجع مدلول هاتين الصيغتين إلى اعتبار أن عقل الإنسان قادر على أن يحصل على الربوبية، فعلاقة الخالق بالمخلوق تقيم بين الصيغتين السابقتين نوعا من التعايش والتواجد المنسجم التماسك، فالله الواحد عند ابن عربي يمكن أن نرسمه في هذه العبارات ” إن هوية الواحد التي تحمل عليها أسماؤه الحسنى وصفاته لهما جانبان الوجود المحض الذي هو الحق، والوجود الملحق بالعدم الذي هو عالم الخلق.”[16]

وبهذا الاعتبار فالذي له الوجود دون غيره هو الله، إلا أن العلاقة الكلية للمخلوق بالخالق كما كانت بحيث لا يقوم شيء إلا بالحق ولا ينكشف إلا بالمخلوق.

وفي مقابل هنري كوربان يؤمن آربري أن ابن عربي فكر توحيدي لا فكر وحدة وجود.[17]

وهذا الخلاف بين المستشرقين قد انعكس في آراء الباحثين العرب، وفي مقدمتهم أبو العلا عفيفي الذي توجه في معظم أبحاثه لجوانب من فكر ابن عربي واعتبره من فلاسفة الوجود.

وقد تابع” أبا العلا عفيفي في رؤيته لابن عربي كثير من الباحثين على رأسهم، إبراهيم بيومى مذكور ومحمود قاسم اللذان قارنا في دراستيهما بين ابن عربي واسبينوزا وابن عربي وليبينتز، واكتفى كل من عبد القادر محمود وتوفيق الطويل بالتسليم بوحدة الوجود دون أي محاولة لبلورة مفهومهما لوحدة الوجود عند ابن عربي.”[18]

وإذا كان كل هؤلاء ذهبوا إلى أن فكر ابن عربي قائم على وحدة الوجود، فهناك فريق يتجه خلاف هذه الوجهة، فهم يرون أن فكره قائم على الثنائية بين الله والعالم والله والإنسان، وقد انطلق هذا الفريق من ” موقف دفاعي حسن النية يستهدف تبرئة ابن عربي من تهمة وحدة الوجود، وإدخاله في حظيرة الإسلام التي حاول بعض الدارسين المحدثين إخراجه منها.[19]

وهناك اتجاه وقف موقفا وسطا في دراسة فكر ابن عربي، فـ” بين وحدة الوجود والثنائية يتردد أبو الوفا الغنيمي التفتازاني، فهو في مكان يسلم بوحدة الوجود عند ابن عربي، وفي مكان آخر يفرق بين الوحدة المطلقة التي ذهب إليها ابن سبعين والتي تنفي أي اثنينية، وبين وحدة الوجود عند ابن عربي والتي تفسح في مذهبه مكانا للقول بوجود الممكنات.”[20]

المبحث الثاني: التأويل عند محيي الدين بن عربي

المطلب الأول: مفهوم التأويل وضوابطه عند محيي الدين بن عربي

أولا: مفهوم التأويل

لغة: كلمة “التأويل”في اللغة لها معاني متعددة تطلق عليها، ولرصد هذه المعاني وبيان وجوهها اللغوية نورد ما ورد من تعريف لهذه الكلمة في بعض معاجم اللغة:

“(أول) الهمزة والواو واللام أصلان: ابتداء الأمر وانتهاؤه. أما الأول فالأول، وهو مبتدأ الشيء، والأصل الثاني قال الخليل: الأيل الذكر من الوعول، والجمع أيائل. وإنما سمي أيلا لأنه يؤول إلى الجبل يتحصن. وتأويل الكلام، وهو عاقبته وما يؤول إليه، وآل البعير: ألواحه وما أشرف من أقطار جسمه.”[21]

” أول: (التأويل) تفسير ما يؤول إليه الشيء وقد (أوله) تأويلا.”[22]

“الأول: الرجوع، آل الشيء يؤول أولا ومآلا رجع، وآول الشيء: رجعه، وألت عن الشيء: ارتددت، وأول الله عليك أمرك، أي جمعه، واذا دعوا عليه قالوا: لا أول الله عليك شملك.”[23]

” والآل أهل الشخص وهم ذوو قرابته وقد أطلق على أهل بيته وعلى الأتباع وأصله. قال بعضهم أصل الآل أهل لكن دخله الإبدال واستدل عليه بعود الهاء في التصغير فيقال أهيل والآل الذي يشبه السراب يذكر ويؤنث.”[24] و(أول) الرؤيا عبرها.”[25]

يتبين أن كلمة ” التأويل ” قد أخذت عند أهل اللغة “حيزا واسعا في الدلالة على المعاني المختلفة، واستعملت مادتها على نطاق واسع قل نظيره، مما يدل على سعة لغة العرب وغناها.”[26]

اصطلاحا:

مصطلح التأويل شهد توسعا ونموا ملحوظا ساير “حركة التطور العلمي عبر مختلف الأزمنة، وشهدت النهضة العلمية التي عرفتها القرون العشرة الأولى وما تلاها اشتغالا ملحوظا بعلم التأويل من طرف علماء الكلام والفلاسفة، وعلماء التفسير والأصوليين واللغويين والمحدثين الذين تباروا وتنافسوا كثيرا في الخروج بمفهوم شامل وكلي لمصطلح التأويل، حيث تناوله كل فريق من زاوية تخصصه، وبحسب المنهجية التي سلكها.”[27]

فعند الفقهاء ” هو إبداء احتمال في اللفظ مقصود بدليل خارج عنه.”[28]

وعند المفسرين ” هو ما ترك ظاهره لدليل.”[29]

وعند الأصوليين عرفه الإمام الجويني بقوله ” التأويل رد الظاهر إلى ما إليه مآله في دعوى المؤول.”[30]

وعرفه ابن قدامة المقدسي فقال ” التأويل صرف اللفظ عن الاحتمال الظاهر إلى احتمال مرجوح به لاعتضاده بدليل، يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر.”[31]

وعند المحدثين ” التأويل صرف الآية إلى معنى يوافق ما قبلها وما بعدها غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الاستنباط.”[32]

وعند المتكلمين ” هو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معناه المرجوح مع قيام الدليل القاطع على أن ظاهره محال.”[33]

وعند الفلاسفة ” إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية.”[34]

وعند المتصوفة ـ وهو موضوع الدراسة ـ ” عدل ” بالكلمة عن وجه إلى وجه أو أكثر يقتضيه النظر العقلي على حسب ما تسمح به الكلمة في الوضع اللغوي مع مراعاة القرائن وهو يحتمل القوة والضعف، والصواب والخطأ.”[35]

فهو من هذا المنظور الصوفي لا يخرج عن كونه استبدال معنى بمعنى وفق منهج عقلي.[36]

وحتى نتبين مفهوم التأويل عند ابن عربي فقد أورد مواقف طوائف المسلمين من آيات التشبيه في القرآن الكريم فقال:

” وطائفة من المنزهة عدلت بهذه الكلمات عن الوجه الذي لا يليق بالله تعالى، في النظر العقلي (نقول) عدلت إلى وجه ما من وجوه التنزيه على التعيين، مما يجوز في النظر العقلي أن يتصف به الحق تعالى، بل هو متصف به ولا بد، وما بقي النظر إلا أن في هذه الكلمة هل المراد بها ذلك الوجه أم لا؟ ولا يقدح ذلك التأويل في ألوهته، وربما عدلوا بها إلى وجهين وثلاثة وأكثر، على حسب ما تعطيه الكلمة في وضع اللسان، ولكن من الوجوه المنزهة لا غير، فإذا لم يعرفوا من ذلك الخبر أو الآية، عند التأويل في اللسان، إلا وجها واحدا، قصروا الخبر على ذلك الوجه النزيه، وقالوا: هذا هو، ليس إلا- في عملنا وفهمنا – وإذا وجدوا له مصرفين فصاعدا صرفوا الخبر أو الآية إلى تلك المصارف وقالت طائفة من هؤلاء يحتمل أن يريد كذا، ويحتمل أن يريد كذا، وتعدد وجوه النزيه ثم تقولوا والله أعلم أي ذلك أراد.

وطائفة أخرى تقوى عندها وجه ما من تلك الوجوه النزيهة فقرينة ما قطعت لتلك القرينة بذلك الوجه على الخبر وقصرته عليه، ولم تعرج على باقي الوجوه في ذلك الخبر، وإن كانت كلها تقتضي التنزيه.”[37]

 ثانيا: ضوابط التأويل عند ابن عربي

حدد ابن عربي ضوابط للتأويل منها:

ضرورة اعتبار شروط النظر العقلي فلا تؤول آيات التشبيه إلا ضمن ما يقتضيه العقل من تنزيه لله تعالى، ولذلك ” ما ضل من ضل من المشبهة إلا بالتأويل، وحمل ما وردت به الآيات والأخبار على ما لم يسبق منها إلى الأفهام، من غير نظر فيما يجب لله تعالى من التنزيه فقادهم ذلك إلى الجهل المحض والكفر الصراح.”[38]

لا يخرج التأويل عن حد التوفيق ما دام مسوغا بـ”ما تعطيه الكلمة في وضع اللسان، ومراعاة القرائن التي ترجح وجها على وجه آخر فإن خرج عما يقتضيه وضع اللفظ في اللسان العربي من حقيقة ومجاز، ولم يوفه حقه مما يعطيه الاستعمال من وجوه متعددة، كان جائرا على ذلك اللفظ.”[39]

عدم مخالفة ظاهر الشرع ” وهم فيه – العلم بوجود الله – بحمد الله على صحة وصواب ما لم يتطرق أحد منهم إلى التأويل، فإن تطرق أحد منهم إلى التأويل خرج عن حكم العامة، والتحق بصنف ما من أصناف أهل النظر والتأويل وهو على حسب تأويله وعليه يلقى الله تعالى فإما مصيب، وإما مخطئ بالنظرإلى ما لا يناقض ظاهر ما جاء به الشرع.[40]

ضرورة الأخذ بمدى قابلية النص للتأويل، ” ولهذا جاءت الرسل والتعريف الإلهي بما تحيله العقول فتضطر إلى التأويل في بعضها لتقبله، وتضطر إلى التسليم والعجز في أمور لا تقبل التأويل أصلا وغايته أن يقول – الناظر- له وجه لا يعلمه إلا الله لا تقبله عقولنا، وهذا كله تأنيس للنفس لا علم حتى لا ترد – النفس- شيئا مما جاءت به النبوة وهذا حال المؤمن العاقل.”[41]

عدم تجاوز النص الصريح ومثاله خطأ من أول قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ» فقال ” أفقههم لا أقرأهم،” وهو تأويل مردود بنص صريح هو قوله صلى الله عليه وسلم «فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ»[42]” ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بين الفقيه والقارئ وأعطى الإمامة للقارئ، ما لم يتساويا في القراءة فإن تساويا لم يكن أحدهما أولى بالإمامة من الآخر فوجب تقديم العالم الأعلم بالسنة وهو الأفقه.[43]

مراعاة ما يستحقه جلال الله من التعظيم ومثاله حديث الرسول صلى الله عليه وسلم«لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ، فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ»،[44] فقد قال -ابن عربي-:” معناه أنه تعالى الفاعل في الدهر”، لأن هذا المؤول لم يفرق بين الفعل من حيث نسبته إلى الفاعل ومن حيث نسبته إلى المفعول، فالحق فاعل والمفعول واقع في الدهر والفعل حال بين الفاعل والمفعول ولم يفرق هذا المتأول بين الفاعل والمفعول فلا سلم علم ذلك لقائله، ولا تأوله تأول من يعرف ما يستحقه جلال الله من التعظيم.[45]

مراعاة بنية اللفظ، فلا يسوغ حمل اليدين في قوله تعالى مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [46] على القدرة لوجود التثنية.[47]

المطلب الثاني: مصطلحات التأويل الصوفي عند ابن عربي

أولا: الكشف

الحديث عن مفهوم الكشف الذي اقترحه الخطاب الصوفي بديلا لتجاوز آفات التأويل وتوحيد الأمة، يستدعي عند ابن عربي وغيره من المتصوفة مجموعة من المفاهيم المترابطة كمفهوم “الحجاب” ومفهوم” التجلي” ومفهوم” التلقي،” إلا أن هذا المفهوم البديل – مفهوم الكشف – لم يخص بتعريف جامع مانع في كتب المصطلحات الصوفية عامة ومؤلفات ابن عربي خاصة، يقول ابن عربي “يتبن لك أن العلم الصحيح لا يعطيه الفكر، ولا ما قررته العقلاء من حيث أفكارهم، وإن العلم الصحيح إنما هو ما يقذفه الله في قلب العالم، وهو نور إلهي يختص الله به في قلب العالم، وهو نور إلهي يختص الله به من يشاء من عباده من ملك، ورسول، ونبي وولي، ومؤمن، ومن لا كشف له لا علم له.”[48]

فمن خلال هذا النص يمكن استنباط بعض معالم هذا المفهوم الجوهري في الخطاب الصوفي التي يمكن إجمالها فيما يلي:

  • أنه نور إلهي يتجاوز الحواس العادية مستطيعا اختراق الظلمة الحسية والمعنوية إذ هو قوة إلهية كما عبر عنه ابن عربي بأنه ” وراء طور العقل.”[49]
  • أنه عطاء رباني يقف العبد عاجزا عن رده أو التحكم فيه: “فإن العبد لا يقدر أن يدفع عن نفسه التجلي إذا كان حقيقة فهو محكوم عليه به.”[50]
  • أنه السبيل إلى العلم الصحيح.
  • أنه يشمل الملائكة والإنس من رسل وأنبياء وأولياء ومؤمنين.
  • أنه يحصل عن طريق القلب لا العقل.

ولا يعني هذا أن مفهوم الكشف أمر ذاتي وإنما له ضوابط يمكن تلخيصها في:

  • عدم مخالفة ظاهر النص.
  • أن لا يكون بخاطر شيطاني، فالخواطر الشيطانية تعرف ” بعدم الثبوت على الأمر الواحد وسرعة الاستبدال من خاطر بأمر ما إلى خاطر بأمر آخر فإنه حريص، وهو مخلوق من لهب النار ولهب النار سريع الحركة فأصل إبليس عدم البقاء على حالة واحدة في أصل نشأته.”[51]
  • ألا يطلب بالكشف علم نهى الحق عن طلبه: “ولا يعلم القدر إلا بتقريب الحق وشهوده شهودا خاصا لعلم هذا المسمى قدرا، فأولياء الله وعباده لا يطلبون علمه للنهي الوارد عن طلبه.”[52]

ثانيا: الإشارة

قد تجاوز الخطاب الصوفي عامة وابن عربي خاصة مفهوم التأويل في قراءته للنصوص نحو مفهوم الإشارة والمنسجم مع مفهوم الكشف الذي هو مفهوم جوهري في نظرية المعرفة الصوفية، يقول ابن عربي: ” ثم لتعلم أن أصحابنا ما اصطلحوا على ما جاءوا به في شرح كتاب الله بـ” الإشارة” دون غيرها من الألفاظ إلا بتعليم إلهي جهله علماء الرسوم، وذلك أن ” الإشارة” لا تكون إلا بقصد المشير بذلك أن يشير لا من جهة المشار إليه، وإذا سألتهم عن شرح مرادهم بالإشارة أجروها عند السائل من علماء الرسوم مجرى الفأل، مثال ذلك أن الإنسان يكون في أمر ضاق به صدره وهو يتفكر فيه فينادي رجل رجلا آخر اسمه ” فرج” فيقول “يا فرج” فيسمعه هذا الشخص الذي ضاق صدره فيستبشر ويقول “جاء فرج الله إن شاء الله” يعني من هذا الضيق الذي هو فيه وينشرح صدره.”[53]

فابن العربي يربط” بين الإشارة وبين أمرين البعد المكاني بين المشير والمشار إليه بحيث لا يبلغه الصوت وتبلغه الإشارة، الأمر الثاني بعد العلة بمعنى أن يكون المشار إليه ذا صمم فلا بد والحالة هذه من استخدام الإشارة بدلا من العبارة.”[54]

إذ أن” أهل الله قد جعلوا الإشارة نداء على رأس البعد وبوحا بعين العلة، ولكن في التقسيم في الإشارات يظهر فرقات، وذلك أن الإشارة التي هي نداء على رأس البعد وهو حمل ما لا تبلغه العبارة، كما أن الإشارة للذي لا يبلغه الصوت لبعد المسافة، وهو ذو بصر فيشار إليه بما يراد منه فيفهم، فهذا معنى قولهم نداء على رأس البعد، فكل ما لا تسعه عبارة من العلوم، فهو بمنزلة من لا يبلغه الصوت، فهو بعيد عن المشير وليس ببعيد عما يراد منه، فإن الإشارة قد أفهمته ما يفهمه الكلام أو يبلغه الصوت، وقد علمت قطعا أن المشير إذا كان الحق، فإنه بعيد عن الحد الذي يتميز به العبد فهذا بعد حقيقي لابد منه، ولايكون الأمر إلا هكذا فلا بد من الإشارة، وهي اللطيفة فإنه معنى لطيف لا يشعر به، ثم إنه وإن لم يكن بعد فهو بوح بعين العلة، وذلك أن الأصم يكون قريبا من المتكلم، ولكن قربه لا تقع به الفائدة لأنه لا يصل إليه الصوت لعلة الصمم فيشير إليه مع القرب، كما يقول الحق على لسان عبده: “سمع الله لمن حمده”، فهذا غاية القرب مع وجود العلة وظهورها، وأكثر من هذا القرب ما يكون.”[55]

فالقراءة الإشارية في نظر ابن العربي متميزة عن القراءة التفسيرية بعدة أمور:

أن “القراءة الإشارية موجهة بمقصد المتلقي، ومرتبطة بسياقه التفاعلي أكثر مما هي مرتبطة بالسياق التداولي الفعلي التي نتجت ضمنه الرسالة، فتنتج عنها دلالة موازية تعكس تفاعل المتلقي بالعالم، هذا التفاعل الذي عبر عنه ابن عربي بضيق الصدر والتفكر والإنشراح.”[56]

أنها “قراءة تجعل المتلقي باثا بدوره يسعى من خلال الإشارة إلى نقل تجربته التفاعلية بالنص، وبالعالم إلى متلق لا يلبث بدوره أن يتحول إلى باث، وهكذا في عملية ممتدة نحو اللانهاية.”[57] يقول ابن عربي: “ولما رأى أهل الله أنه قد اعتبر الإشارة استعملوها فيما بينهم، ولكنهم بينوا معناها ومحلها ووقتها فلا يستعملونها فيما بينهم، ولا في أنفسهم إلا عند مجالسة من ليس من جنسهم أو الأمر يقوم في نفوسهم، واصطلح أهل الله على ألفاظ لا يعرفها سواهم إلا منهم، وسلكوا طريقة فيها لا يعرفها غيرهم، كما سلكت القرب في كلامها من التشبيهات، والإستعارات لينهم بعضهم عن بعض.”[58]

أنها ” لاتستمد مصداقيتها من المشار إليه، بل من المتلقي (المشير)، وهو ما يرفع عن الرسالة الدلالة المرجعية، لأنها تكون في رأي ابن عربي بقصد المشير بها أن يشير لا بقصد المشار إليه.”[59]

أنها ” تفترض علاقة جديدة خارج العلاقات البلاغية المحصورة والجاهزة كالمشابهة والمجاورة وغيرهما،”[60] فابن عربي هنا ينفي المجاز عن القرآن وذلك واضح بين في قوله:”وكلام العرب مبني على الحقيقة والمجاز عند الناس، وإن كنا قد خالفناهم في هذه المسألة بالنظر إلى القرآن، فإننا ننفي أن يكون في القرآن مجاز بل موضع ذلك في كلام العرب.”[61]

ففي نظر ابن عربي نجده لا يقصر معضلة الفهم على فهم الإشارات والرموز، بل تمتد إلى الفهم اللغوي للعبارة في العرف والتواضع اللغوي فـ” الألفاظ لها قوة في أصل وضعها، أو لنقل في استعمالها تعطي لها مدلولات كثيرة، ومراد المتكلم إنما هو مدلول واحد من هذه المعلومات الكثيرة، وقد يفهم المخاطب مدلولا مغايرا لقصد المتكلم.”[62]

وابن عربي في فتوحاته يفصل بين القراءات التأويلية المشبعة بالمفاهيم البلاغية والقراءات الإشارية للنص الواحد، وذلك من خلال قوله عليه السلام: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الله».[63] نظر العقل بما يقتضيه الوضع من الحقيقة والمجاز، أن الجارحة تستحيل على الله والإصبع لفظ مشترك يطلق على الجارحة، ويطلق على النعمة.

يقول ترى له عليها أثرا حسنا من النعمة بحسن النظر عليها، تقول العرب ما أحسن إصبع فلان على ماله! أي أثره فيه، تريد به نمو ماله لحسن تصرفه فيه.

وتقليب الله القلوب هو ما يخلق فيها من الهم بالحسن والهم بالسوء، فلما كان الإنسان يحس بترادف الخواطر المتعارضة عليه في قلبه الذي هو عبارة عن تقليب الحق القلب، وهذا لا يقدر الإنسان أن يدفع علمه عن نفسه، لذلك كان- عليه السلام – يقول « يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ » وفي هذا الحديث أن إحدى أزواجه قالت له « أو تخاف يا رسول الله؟ فقال- صلى الله عليه وسلم-: قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الله»[64] يشير- صلى الله عليه وسلم – إلى سرعة التقليب من الإيمان إلى الكفر وما تحتهما، قال تعالى “فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا،”[65] وهذا الإلهام هو التقليب، والأصابع للسرعة والإثنينية لها، أي للأصابع في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بين إصبعين»، هما خاطر الحسن وخاطر القبيح…هذا حظ العقل في الوضع اللغوي للفظ الأصابع.”[66]

ثالثا: الوجود

التاويل من مقاصده الكبرى تحقيق الوجود، وهذا المفهوم ـ الوجود- من أهم المفاهيم الصوفية، وأكثرها تعقيدا وغموضا ملفوفا بالإشارات والألغاز وبهذا صرح ابن عربي في فتوحاته: “وأما التصريح بـ”عقيدة الخلاصة” فما أفردتها على التعيين لما فيها من الغموض، لكن جئت بها مبددة في أبواب هذا الكتاب مستوفاة مبينة، لكنها كما ذكرنا متفرقة فمن رزقه الله الفهم فيما يعرف أمرها، ويميزها من غيرها فإنها العلم الحق والقول الصدق وليس وراءها مرمى ويستوي فيها البصير والأعمى تلحق الأباعد بالأداني، وتلحم الأسافل بالأعالي.”[67]

وقال كذلك مستطردا في بيان سبب هذا الغموض والستر والكتمان ” وهذا الفن من الكشف يجب ستره عن أكثر الخلق لما فيه من العلو، فغوره بعيد والتلف فيه قريب فإن من لا معرفة له بالحقائق ولا بامتداد الرقائق ويقف على هذا المشهد من لسان صاحبه المتحقق به وهو لم يذقه ربما قال ” أنا من أهوى ومن أهوى أنا ” فلهذا نستره ونكتمه.”[68]

ووحدة الوجود في فكر ابن عربي تنقسم إلى مجموعات أربع حسب مراتبها الوجودية:

البرزخ الأعلى أو برزخ البرازخ أو الخيال المطلق، وتندرج في هذه المجموعة وسائط الألوهية والعماء وحقيقة الحقائق الكلية والحقيقية المحمدية أو العقل الأول أو القلم الأعلى.

هي ما يمكن أن نطلق عليه عالم المعقولات أو عالم الأمر كما يسميه ابن عربي، هذا العالم يتوسط بين عالم الخيال المطلق وعالم الخلق أو العالم المادي بمراتبه المتعددة.

العرش أو الجسم الكل، وهذه المجموعة بدورها تتوسط بين عالم الأمروالعالم الحسي المشهود، وهي في ذاتها تمثل عالم الخلق.

وهي الأفلاك السبعة المتحركة من السماء السابعة إلى السماء الأولى إلى الأرض التي يسكنها الإنسان خليفة الله وآخر الموجودات الحسية.”[69]

وهذا المفهوم في نظر ابن عربي يقوم على أن الحقيقة الوجودية واحدة من حيث الذات والجوهر، كثيرة من حيث الصفات والأسماء، فلا يقع التعدد إلا بالنسب والإضافات وهذه الحقيقة لا تتغير أبدا ولا تتبدل، والذي يتغير في الصور هو تجلياتها التي لا تثبت على حال أبدا ” فالظاهر متعدد المظاهر وأما الجوهر فواحد.”[70]

يتبين أن أمر الوجود عند ابن عربي بمستوياته المتعددة ومراتبه المختلفة هو في حقيقته واحد، وفي سبيل بيان وحدة الوجود يخاطب ابن عربي الناظر طالبا منه التحقيق حيث يقول ” حقق أخي نظرك في سرعة البرق إذا برق، فإن البرق إذا برق كان سببا لانصباغ الهواء به وانصباغ الهواء به سبب ظهور أعيان المحسوسات وظهورأعيان المحسوسات به سبب على مسببه، فزمان إضاءة البرق عين زمان انصباغ الهواء به عين زمان ظهور المحسوسات به عين زمان إدراك الأبصار ما ظهر منها، فسبحان من ضرب الأمثال ليقول القائل ثم وما ثم أو ما ثم وثم، فوعزة من له العزة والجلال والكبرياء ماثم إلا الله الواجب الوجود الواحد بذاته الكثير بأسمائه وأحكامه القادر على المحال فكيف الإمكان والممكن وهما من حكمه، فوالله ما هو إلا الله فمنه وإليه يرجع الأمر كله.”[71]

وهذا المثال ذكره ابن عربي للبرهنة على فكرة وحدة الوجود وقد أجمع “أن كل ما سوى الله على أن وجود ما سوى الله إنما هو بالله، فردوا وجودهم إليه سبحانه لهذا الإجماع ولا خلاف في ذلك بين كل ما سوى الله… فرددنا ما هو لله إلى الله، فلا موجود، ولا موجد إلا الله.”[72]

فما ثم وجود لذاته إلا الله سبحانه، وكل شيء سواه فوجوده بالله، فعين العبد “لا يستحق شيئا من حيث عينه، لأنه ليس بحق أصلا والحق هو الذي يستحق ما يستحق، فجميع الأسماء التي في العالم ويتخيل أنها حق للعبد )هي( حق لله، فإذا أضيفت إليه، وسمي العبد بها على غير وجه الاستحقاق كانت كفرا وكان صاحبها كافرا… “[73]

والوجود في المخلوق صفة وليس هو عينه وقد تبقى العين وتزول الصفة كما قد تبقى الصفة بمعناها ولا يبقى وجود لعين الموصوف الحادث.

والله تعالى أحدي الذات والصفات ” فالحق الوجود والضلال الحيرة في النسبة، فالحق المنزل والحق التنزيل والحق المنزل والحق من الله من حيث هو ربنا ومن صرف عن الحق أين يذهب.”[74]

والإنسان في فكر ابن عربي جامع بين الحقيقة المحمدية والعالم ” فلما كان له هذا الإسم الجامع قابل الحضرتين بذاته فصحت له الخلافة وتدبير العالم وتفضيله.”[75]

وهذا المفهوم منبثق عن مفهوم وحدة الوجود، يقول ابن عربي ” وأصل الخلوة في العالم ” الخلاء” الذي ملأه العالم فأول شيء ملأ الهباء وهو جوهر مظلم ملأ الخلاء بذاته، ثم تجلى له الحق باسمه” النور” فانصبغ به ذلك الجوهر وزال عنه حكم الظلمة، وهو العدم- فاتصف بالوجود – فظهر لنفسه بذلك النور المنصبغ به وكان ظهوره به على صورة الإنسان، وبهذا تسمية أهل الله ” الإنسان الكبير” وسمي مختصره ” الإنسان الصغير” لأنه موجود أودع الله فيه حقائق العالم الكبير كلها فخرج (الإنسان) على صورة العالم مع صغر جرمه، وخرج العالم على صورة الحق فالإنسان على ( صورة الحق).[76]

فأول ظهور العالم كان على صورة الإنسان وصورة الإنسان هي صورة الحق “فلا يمكن أن يخرج الإنسان عن هاتين العلاقتين:

علاقته بالحق: ” الإنسان على صورة الحق.”

علاقته بالعالم: الإنسان على صورة العالم كما أن العالم حين ظهر كان على صورة الإنسان.”[77]

فإذا عرف الإنسان نفسه حق المعرفة ارتقى إلى درجة ” الإنسان الكامل الظاهر بالصورة الإلهية لم يعطه الله هذا الكمال إلا ليكون بدلا من الحق، ولهذا سماه خليفة وما بعده من أمثاله خلفاء له فالأول وحده هو الخليفة الحق وما ظهر عنه من أمثاله في عالم الأجسام أمر يصح أن يكون له.”[78]

وهذا الخليفة قد” أوجده الله جامعا لحقائق العالم كله “[79] “فأول ما يكشف لصاحب الخلوة آيات العالم قبله كما قال تعالى{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ}.[80]

ثم بعد هذا يريه الآيات التي أبصرها في العالم في نفسه، فلو رآها– صاحب الخلوة- أولا في نفسه ثم رآها في العالم ربما تخيل أن نفسه رأي في العالم فرفع الله عنه هذا الإشكال بأن قدم له رؤية الآيات في العالم كالذي وقع في الوجود فإنه أقدم من الإنسان، وكيف لا يكون( العالم) أقدم من(الإنسان) وهو أبوه؟ فأبانت رؤية تلك الآيات التي في الآفاق وفي نفسه أنه الحق لا غيره وتبين له ذلك.”[81]

فالعالم في تكوين مستمر في نظر ابن عربي “لا نهاية لتكوينه”[82] فهو نص مفتوح “لا تزال الكتابة فيه أبدا لا تنتهي،”[83] كما أنه في تحول مستمر فكل ” ما في العالم منتقل من حال إلى حال.”[84]

وفي منظور ابن عربي أصبح العالم نصا له معنى يمكن أن يدركه العامة ومعنى العامة وهو باطنه لا يدركه إلا الخاصة وخاصة الخاصة.

خاتمة:

بعد هذه الرحلة المتواضعة في رحاب “التأويل الصوفي ومصطلحاته عند محيي الدين بن عربي ” أحط عصا الترحال مسجلة أهم النتائج:

أن مسعى التأويل في الخطاب الصوفي مع ابن عربي هو المعرفة مستمدا هذه الرؤية من الحضرة الربوبية، أساسها الذوق الروحي والكشف الإلهي.

أن الخطاب القرآني عالم مواز لعالم الوجود وهو خطاب مشفر مرقم لا يفهمه سوى الأنبياء والأولياء وذوو النفوس النقية الطاهرة.

أن التأويل لغة شارحة مصدرها الإلهام، هي لغة غير بشرية ذات مصدر إلهي، وهي هبة نفوس من صفت أرواحهم ولا دخل للقدرات العقلية البشرية فيه، فحسب هذا التصور هم فقط شهود.

أن التأويل الصوفي ليس تأويلا علميا نظريا تفكيريا بل هو سلوك عملي ذوقي وجداني.

أن العقل النظري عند ابن عربي عاجز وقاصر عن الوصول إلى حقائق الأشياء، فهو حجاب عن الوصول إلى الحق والحقيقة حيث أن العلم الصحيح لا يتحصل بالعقل وإنما يقذفه الله في قلب العالم.

أن ابن عربي يفرق بين ظاهر الوجود وباطنه وكذا النص الديني فهو مثل الوجود يتكون من ظاهر وباطن والحقيقة هي الباطن في عرفان الصوفية.

أن الإنسان الجامع عند ابن عربي هو الإنسان الكامل والحقيقة المحمدية هي مرتبة خيالية برزخية في عالم البرزخ الأعلى والإنسان الجامع يوازي هذه الحقيقة ويوازي حقيقة الإله.

أن تأويل ابن عربي للعالم والأشياء يقوم على فكرة تتمثل في أن أصل الأشياء يرجع أساسا إلى جوهر واحد يتخذ صفتين:

  • المادة بكونها تدرك بالحس
  • الروح باعتبارها الحقيقة الكاملة وهي الباطن

هذا وتبقى الممارسة الصوفية التأويلية رغم أنها طريقة لمعرفة الله والوجود والإنسان وارتقاء بالروح إلى أعلى الدرجات، إلا أنها ممارسة للذوات لفهم النصوص، وأيضا هي تحول مهم في تأويل الشريعة أساسه الروح تستعيد فيه الذات تجربة ” النبوة ” على الرغم من أن التأويل عند ابن عربي لم يصبح قراءة مبدعة بقدر ما كان فرضا لمعان جاهزة، فهو من هذا المنطلق – وحسب رضوان الصادق الوهابي – قراءة مبنية على الرسالة عينها وليس تفاعلا حقيقيا بالنص يسعى من خلاله العبد إلى الاتصال بالحق.


المصادر والمراجع المعتمدة

1 -القرآن الكريم

2- ابن رشد.أ، 1986م، فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، دراسة وتحقيق محمد عمارة، الطبعة الثالثة، بيروت، المؤسسة العربية.

3-ابن عاشور.ط، 1432هـ / 2011م، التأويل عند المفسرين من السلف، الطبعة الأولى، بيروت ـ لبنان، دار ابن حزم.

4-ابن عربي.م، 1329هـ، الفتوحات المكية، بيروت، دار صادر.

5-ابن عربي.م، 2002م، رسائل ابن عربي، تحقيق سعيد عبد الفتاح، بيروت، لبنان، الانتشار العربي.

6-ابن عربي.م، 1946م، فصوص الحكم، تحقيق أبو العلا عفيفي، بيروت، دار الكتاب العربي.

7-ابن فارس، 1399هـ / 1979م، مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الفكر.

8-ابن قدامة.ع، 1423هـ/2002م، روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، الطبعة الثانية، مؤسسة الريّان.

9-ابن كثير.أ، 1407 هـ – 1986 م، البداية والنهاية، دار الفكر.

10-ابن منظور، 1414هـ، لسان العرب، الطبعة الثالثة، بيروت، دار صادر.

11-أبو زيد.ن، فلسفة التأويل دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين بن عربي الطبعة الثانية، بيروت ـ لبنان، دار التنوير.

12-البغوي.ح، 1345 هـ، معالم التنزيل في التفسير، طبعة المنار، القاهرة.

13-البقاعي.ب، 1372هـ / 1953م، تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي، تحقيق عبد الرحمن الوكيل، مصر، مطبعة السنة المحمدية.

14-بلاثيوس.آ، ابن عربي حياته ومذهبه، ترجمة عبد الرحمن بدوي، بيروت ـ لبنان، دار الثقافة.

15-الترمذي.م، 1998م، سنن الترمذي، تحقيق بشار عواد معروف، بيروت، دار الغرب الإسلامي.

16-التفتازاني.أ، 1973م، ابن السبعين وفلسفته الصوفية، بيروت، دار الكتاب اللبناني.

17-الجويني.ع، 1418هـ/1997م، البرهان في أصول الفقه، تحقيق صلاح بن محمد بن عويضة، الطبعة الأولى، بيروت – لبنان، دار الكتب العلمية.

18-الحكيم.س، 1991م، ابن عربي ومولده لغة جديدة، الطبعة الأولى، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع.

19-الرازي.ف، 1420هـ، مفاتيح الغيب(التفسير الكبير)، الطبعة الثالثة، بيروت، دار إحياء التراث العربي.

20-الرازي.م، 1420هـ / 1999م، مختار الصحاح، تحقيق يوسف الشيخ محمد، الطبعة الخامسة بيروت ـ صيدا، المكتبة العصرية – الدار النموذجية،.

21-السيوطي.ج، 1408هـ / 1988م، التحبير في علم التفسير، الطبعة الأولى، بيروت ـ لبنان، دار الكتب العلمية.

22-شوفليي.ج، 1999م، التصوف والمتصوفة ترجمة عبد القادر قنيني افريقيا الشرق

23-الفيومي.أ، د.ت المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، بيروت، المكتبة العلمية.

24-القرطبي.م، 1384هـ/ 1964م، الجامع لأحكام القران، تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، الطبعة الثانية، القاهرة، دار الكتب المصرية.

25-كوربانن.هـ، 2006م، الخيال الخلاق في تصوف ابن عربي، ترجمة فريد الزاهي، الطبعة الثانية، الرباط، المغرب، منشورات مرسم.

26-(مصطفى.إ / الزيات.أ / عبد القادر.ح / النجار.م )، المعجم الوسيط، القاهرة، دار الدعوة.

27-مفتاح.ع، 2011م، بحوث حول كتب ومفاهيم الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي، الطبعة الأولى، بيروت، لبنان، دار الكتب العلمية.

28-المقري.أ، 1986م، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، بيروت، لبنان، دار الفكر.

29-النيسابوري.م، د.ت، صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي.

30-الوهابي.ر، 2007م، الخطاب الشعري الصوفي والتأويل، الطبعة الأولى، نشر زاوية للنشر والثقافة.


[1] انظر ترجمته: الخيال الخلاق في تصوف ابن عربي، لهنري كوربانن 2006م، ص 43، رسائل ابن عربي 2002م، ص 3، ابن عربي حياته ومذهبه، لآسين بلاثيوس ص 5، الفتوحات المكية، لابن عربي 1329، (4/ 264 )

2-ابن عربي ومولده لغة جديدة، للحكيم، 1991م، ص 13

3-نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، للمقري، 1986م، ص 361

4فصوص الحكم، لابن عربي 1946م، ص 5

5- البداية والنهاية، لابن كثير 1407هـ/ 1986م، ( 13 / 182)

6- فصوص الحكم، لابن عربي، (م.س) ص 5

7-بحوث حول كتب ومفاهيم الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي، لمفتاح 2011م، ص 22

8-البداية والنهاية، لابن كثير (م.س)، (13/ 182)

9-نفسه

10-التصوف والمتصوفة، لجان شوفليي1999م، ص 65

11-فلسفة التأويل دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين بن عربي، لأبي زيد ص20

12-تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي، للبقاعي 1372هـ/ 1953م، ص 70 -19

13-التصوف والمتصوفة، لجان شوفليي (م،س) ص 65

14-فلسفة التأويل دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين بن عربي، لأبي زيد ص 21

15-نفسه ص 21

16-  التصوف والمتصوفة، لجان شوفليي، (م.س)، 65

17-فلسفة التأويل دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين بن عربي، لأبي زيد ص 21

18-نفسه ص 21

19-نفسه ص 23

20-ابن السبعين وفلسفته الصوفية، للتفتازاني، 1973م، ص 216

21-مقاييس اللغة، لابن فارس، 1399هـ / 1979م، (1/ 158) وما بعدها

22- مختار الصحاح، للرازي، 1420هـ / 1999م (ص 25(

23-لسان العرب، لابن منظور، 1414هـ، (11 / 715(

24- المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، للفيومي، د.ت (1 / 29(

25-المعجم الوسيط، (مصطفى، الزيات، عبد القادر، النجار) د.ت، (ص 33(

26-التأويل عند المفسرين من السلف، للطاهر بن عاشور، 1432هأ / 2011م، (ص 48(

27- نفسه (ص 57، 58)

28- الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي 1384هـ/ 1964م، (5/ 25(

29-التحبير في علم التفسير، لجلال الدين السيوطي 1408هـ/ 1988م، (ص 110(

30- البرهان في أصول الفقه، للجويني 1418هـ/ 1997م، (1 / 511)

31-روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، لابن قدامة 1423هـ/ 2002م، (1/ 508(

32-معالم التنزيل في التفسير، للبغوي 1345هـ، (1/ 46(

33-مفاتيح الغيب، للرازي 1420هـ، (7 / 140(

34-فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، لابن رشد 1986م، (ص 32)

35-الخطاب الشعري الصوفي والتأويل، للوهابي 2007م، ص 53

36-نفسه

37-الفتوحات المكية، لابن عربي، (م.س)، (2/72- 73)

38-نفسه 2 103/

39-الخطاب الشعري الصوفي والتأويل، للوهابي، (م.س)، ص 54

40-الفتوحات المكية لابن عربي، (م.س)، (2 /154)

41- نفسه 3/336[41]

42-أخرجه الترمذي في سننه: أبواب الصلاة، باب من أحق بالإمامة، رقم الحديث 235 ( 1/313(

43-الفتوحات المكية، لابن عربي (م.س)، (6/ 417-418 (

44-أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: الألفاظ من الأدب وغيرها، باب: النهي عن سب الدهر، رقم الحديث 2246 ( 4 / 1763(

45-الفتوحات المكية لابن عربي،(م.س)، (10 / 131-132(

46-” سورة ص ” ص 74

47-  الفتوحات المكية لابن عربي،(م.س)، (11 / 259(

48-نفسه 3/335

49-نفسه 13/ 69

50-نفسه 3/555

51-نفسه 4 /288

52-نفسه 231/12

53- نفسه 274/4

54-فلسفة التأويل دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين بن عربي، لأبي زيد، (م.س)، ص 266

55-الفتوحات المكية، لابن عربي، (م.س)، ( 2/ 504(

56-الخطاب الشعري الصوفي والتأويل، للوهابي، (م.س)، ص 212

57-نفسه ص 213

58-الفتوحات المكية، لابن عربي/ (م.س)، (4/ 275(

59-الخطاب الشعري الصوفي والتأويل، للوهابي، (م.س)، ص 213

60-نفسه

61-الفتوحات المكية، لابن عربي/ (م.س)، ( 4/ 119(

62-فلسفة التأويل دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين بن عربي، لأبي زيد، (م.س)، ص 273

63-أخرجه الترمذي في سننه رقم الحديث 3522

64-أخرجه الترمذي في سننه رقم الحديث 3522

65-سورة الشمس، الآية8

66-الفتوحات المكية، لابن عربي، (م.س)، ( 2/104(

67-نفسه 173/1

68-نفسه 8217/

69-فلسفة التأويل دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين بن عربي، لأبي زيد، (م.س)، ص 48-47

70-الخطاب الشعري الصوفي والتأويل، للوهابي، (م.س)، ص145

71-الفتوحات المكية، لابن عربي، (م.س)، (1/ 703(

72-نفسه 8217/

73-نفسه 12/154156 –

74-نفسه 12 /453

75-نفسه2 /468

76-فصوص الحكم، لابن عربي، (م.س)، ص354

77-الخطاب الشعري الصوفي والتأويل، للوهابي، (م.س)، ص 151

78-الفتوحات المكية، لابن عربي، (م.س)، (3/279-280 )

79-فصوص الحكم، لابن عربي، (م.س)، ص 269

80-سورة فصلت الآية 52

81-فصوص الحكم، لابن عربي، (م.س)، (13/ 357(

82- نفسه 12/270

83-  نفسه 2/133

84-  نفسه 3/51

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.