منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العطلة الصيفية بين فرصة النعمة وفراغ النقمة (خطبة)

الشيخ عبد الله بنطاهر

0

   العطلة الصيفية بين فرصة النعمة وفراغ النقمة (خطبة)

الشيخ عبد الله بنطاهر

الحمد لله الذي جعل لنا العطلة الصيفية فرصة ونعمة؛ وأشهد أن لا إله إلا الله جعل الوصول إلى القمة في رفع الهمة، من امتثل أمره كشف عنه ما به من الهم والغمة، ومن خالفه عاش في أكبر مشكل وأزمة، وأشهد أن سيدنا محمدا أكرمه الله بالحفظ والعصمة، فأرسله للعالمين مبعوث خير ورحمة، يرسم بسنته على وجوه المؤمنين الفرحة والبسمة، {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الذين قدموا للإسلام خدمة الخير وخير الخدمة، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم يتساوى فيه من يسكن متنعما المنازل الفخمة، مع مَنْ يسكت معانيا في الخيمة.

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.

ها هي العطلة الصيفية على الأبواب والإسلام يعتبر العطلة نعمة وفرصة:

أما كونها نعمة؛ فيقول فيها النبيﷺ فيما روى البخاري: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»، ومعنى الغبن هو: بيع شيء ثمين بأقل من ثمنه، ولا شك أن الوقت هو أغلى ما يملك الإنسان في حياته؛ بل إن الوقت هو حياته، فمن قتل وقته في فائدة فقد قتل جزءا من حياته، وفي هذا يقول عمر بن عبد العزيز: «يا بن آدم إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما»، ويقول الحسن البصري: «يا بن آدم؛ إنما أنت مجموعة من الأيام كلما ذهب يوم ذهب بعضك»؛ فحين يُقدم المسلم وقته مجانا في نوم وفراغ فهو مغبون؛ فكيف بمن يدفعه مقابل المحرمات والشهوات والشبهات؟

أما كون العطلة فرصة؛ فيقول فيها النبيﷺ فيما روى الحاكم وصححه: «اغتنم خمسا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وشبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك»، والإنسان حينما يجد الفرصة سانحة أمامه يجب أن يغتنمها، لأن الفرص تأتي وتذهب، من اغتنمها استفاد وأفاد، ومن ضيعها فقد جانب الصواب وحاد، والله تعالى يبين لنا في القرآن الكريم كيف نغتم فرصة العطلة حتى لا نتعرض فيها للغبن وهي نعمة، وحتى لا نتعرض فيها للضياع وهي فرصة، فقال سبحانه: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}؛ فالعطلة الصيفية نعمة لمن ملأ فراغها بالخير المستنير، ونقمة لمن ملأها بالشر المستطير؛ وقبل أن نلعن ظلام الهوى يجب أن ننير مصابيح الهدى؛ فما هو الخير المستنير الذي يجب أن نملأ به العطلة حتى لا نقع في الشر المستطير؟

أولا: اغتنام فرصة العطلة في تحفيظ القرآن الكريم، والنبيﷺ يقول: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، ونحن في حاجة للعودة للقرآن الكريم، في حاجة أن يعود الأطفال إلى حفظه وتحفيظه، وقد أصبح القرآن أصبح غريبا بين أهله وفي داره، والنبيﷺ يقول: «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب»، ويقولﷺ فيما روى الإمام مسلم: «لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنْ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ»؛ فكم منا من يحفظ سورة البقرة؟ وكم منا من يحافظ على قراءتها في بيته؟ وكم منا من يحافظ على الاستماع إليها في منزله وسيارته؟ والعطلة فرصة لاستدراك ما فات.

ثانيا: اغتنام فرصة العطلة في صلة الأرحام، وصلة الأرحام، بركة في الأرزاق، وزيادة في الأعمار، يقول النبيﷺ: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أجله فليصل رحمه»، والرحم تقول وهي متعلقة بعرش الرحمن: «من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله»، وقال الله تعالى لها في الحديث القدسي: «من وصلك وصلته، ومن قطعك قطعته».

ثالثا: اغتنام فرصة العطلة في الترفيه الحلال في الشواطئ النقية، والمنتجعات البريئة، والمخيمات التربوية، إذا كانت سليمة من المخالفات وفساد الشهوات والشبهات، وقد قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: «ما تمتع الأشرار بشيء إلا تمتع به الأخيار وزادوا عليه رضوان الله تعالى».

رابعا: اغتنام فرصة العطلة في التشغيل في المهن الحرة، بمختلف أنواعها وأشكالها، حتى يعرف التلاميذ قيمة العمل وقيمة المال الحلال، لأن العمل في الإسلام ليس مجرد ممارسة لكسب الراتب والأجرة، وليس مجرد شغل قصد الإنفاق على النفس والأسرة؛ بل آفاقه أرحب وأوسع فهو عملية تربوية، وعبادة ربانية، يكتسب العامل المسلم من ورائه الأجر في الآخرة، كما يكتسب في الدنيا الأجرة، ولكن لا يكون كذلك إلا إذا كان في إطار الحلال، وذلك لا يتم إلا باجتناب الحرام في أداء العمل، وفي نوعية العمل، فلا حلال في العمل مع الغش والخيانة والخديعة، ولا حلال في الشغل مع الرشوة والربا، ولا حلال في الشغل مع الخمور والقمار و(الدطاي) من المخدرات والتدخين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين، والحمد لله رب العالمين…

الحمد لله رب العالمين…

أما بعد؛ فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ في العطلة الصيفية تكثر الأسفار وتحدث بذلك حوادث السير، وخصوصا في الطرق الرابطة بين المدن، حيث تكتظ بالمسافرين، فعمالنا في الخارج يدخلون لزيارة الأقارب، ويحملهم الشوق للقاء الأحباب، والناس في الداخل يشدون الرحال من مدينة إلى مدينة لصلة الأرحام، وإذا كانت الطرق نعمة، فإنها قد تتحول بسوء التصرف إلى نقمة، وإذا كانت وسائل المواصلات تكريما من الله الولي الحميد، فإنها قد تتحول بالتهور إلى عقاب شديد، والواقع في هذا أوثق شاهد، فكم من واحد قتل بها من جراء سوء استعمالها، وكم من أطفال أفقدتهم حوادث السير آباءهم فكانوا ضحية اليتم والتشرد في معاناة الحياة ومأساتها، وكم من نساء لازلن في مقتبل العمر أرملتها، وكم من رجال أقوياء أضعفتهم بالشلل وقطع الأطراف، وكم من أناس أفقدتهم الوعي فكان مصيرهم مستشفى المجانين، وقد تعالت أصوات الإنذار والتحذير، تضرب ناقوس الخطر، معلنة أن الاحصائيات في ضحايا حوادث السير تكشف لنا عن ارتفاع مخيف لما يسمى بحرب الطرق القاتلة، فاحتاج هذا الأمر لعلاج سريع، ودواء ناجع.

والعطلة ليست فراغا ونقمة لانتهاك الحرمات وارتكاب المحرمات؛ بل هي فرصة ونعمة لاستدراك ما فات من الأعمال والقربات؛ فبئس من حول النعمة إلى نقمة، وبئس من هتك فيها بالعري ما تبقى له من حياء وحشمة، وبئس من أنهك بالعار ما سبق له من شرف وحُرمة، وبئس من تحولت عليه النعمة يوم القيامة ندامة وصدمة.

ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.