منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سنن الوضوء

سنن الوضوء/ د. محمد جعواني

0

سنن الوضوء

د. محمد جعواني

 

قال ابن عاشر ‑ رحمه الله ‑ :

سُننُه السّبْعُ ابْتِدًا غَسلُ اليدَين    ورَدُّ مسحِ الرّأس مسحُ الأذُنين

مضمضةٌ استنشـاقٌ استنثـارُ   ترتيــبُ فَرْضِه وذا المختـارُ

“السُنّة” عند فقهائنا هي كل” ما واظَب عليه صلى الله عليه وسلم وأمَر به دون إيجاب وأظهرَهُ في جماعة”[1]. قال صاحب المراقي[2]:

وسُنّةٌ ما أحمدُ قدْ واظَبا   علَيه والظُّهور فيها وَجَبا

و”السُنّة” عند المحدّثين أشمل من ذلك، فيدخل فيها “أفعاله وأقواله وصفاته صلى الله عيه وسلم”.

  • السنة الأولى: غسل اليدين إلى الكوعين[3]

وإن كانتا نظيفتين، ودليله الأحاديث السابقة، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبِي صلى الله عليه وسلم: ” إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يَغْمِسْ يدَه في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتَت يده”[4] وحَمل فقهاؤنا الأمرَ الوارد في الحديث على الاستحباب لأنه صلى الله عليه وسلم علَّق الأمر على شيء مشكوك فيه ” لا يَدري أَين بَاتَت يَدُهُ”.

  • السنة الثانية: المضمضة

ويقصد بها إدخال الماء في الفم وخَضْخَضَته ثم مَجُّه وطَرْحُه. ودليلها حديث لَقِيط بن صَبْرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”إذا توضأت فمضمض”[5] وأيضا الأحاديث السابقة.

  • السنة الثالثة: الاستنشاق

ويقصد به جَذْبُ الماء بنَفَسٍ من الكَفِّ لداخل الأنف.

  • السنة الرابعة: الاستنثار

وهو دفع الماء المستنشَقِ وطَرْحُه، ومن آدابه وضعُ الأصبعين السبّابة والإبهام على الأنف. ودليل الاستنشاق والاستنثار قوله صلى الله عليه وسلم:” إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَستَنشِق بِمنخرَيهِ مِنَ المَاءِ ثُمَّ ليَنتَثِر”[6] وقوله صلى الله عليه وسلم:” أَسبِغ الوُضُوءَ، وَخَلِّل بَينَ الأَصَابِع، وَبَالِغ في الاِستِنشَاقِ إِلاَّ أَن تَكُونَ صَائِمًا”[7] ودَلَّت الأحاديث السابقة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين المضمضة والاستنشاق والاستنثار فيفعلها جميعا بغَرفة واحدة، كما دلّت على التفريق بينها وفِعلُها بثلاث غرفات، و الجمع أكثر.

  • السنة الخامسة: رَدُّ مسح الرّأس

يبدأ من مُؤَخّر الرأس إلى مُقَدّمِه، فعن عبد الله بن زيد رضي الله عنه :”ثم مسَح رأسه بيدَيه فأقبلَ بهما وأدبَر، بدأَ بمُقدّم رأسه حتّى ذَهب بهما إلى قَفاه ثم رَدّهُما إلى المكان الذي بدأ منه”[8].

  • السنة السادسة: مسح الأُذنين

يمسح ظاهرهما بالإبهامين وباطنهما بالسبّابتين.

ودليله حديث الرُبَيِّع بِنت مُعَوِّذِ رضي الله عنها قَالَت: رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ فَمَسَحَ رَأسَهُ وَمَسَحَ مَا أَقْبَلَ مِنْهُ وَمَا أَدْبَرَ وَصُدْغَيْهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً[9]. و حديث المِقدَامَ بنَ مَعْدِ يكرِبَ رضي الله عنه”… ثُمَّ مَسَحَ بِرَأسِهِ وَأُذُنَيهِ ظَاهِرهِما وَبَاطِنهما”[10]، وحديث عَمرو بن شُعَيْبٍ رضي الله عنه”…ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، فَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَينِ فِي أُذُنَيهِ، وَمَسَحَ بِإِبهَامَيهِ عَلَى ظَاهِرِ أُذُنَيْهِ وَبِالسَّبَّاحَتَينِ بَاطِنَ أُذُنَيهِ[11]. ويُستحَبّ تجديد الماء لمسح الأذنين من غير إضرار بهما، لما في الموطأ :”أن عبد الله بن عُمر كان يأخذُ الماء بأصبُعَيه لأذُنَيه “[12]. ولحديث عَبد اللَّهِ بن زَيدٍ يَذكُرُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ فَأَخَذَ لأُذُنَيْهِ مَاءً خِلاَفَ المَاءِ الّذِي أَخَذَ لِرَأسِهِ[13].

  • السنة السابعة: ترتيب الفرائض

فيُسَنُّ غسل الوجه، ثم اليدين إلى المرفقين ثم مسح الرأس ثم غسل الرجلين. ودليل الترتيب آية الوضوء التي ذكرت أفعال الوضوء مُرَتّبة، وذكَرت كذلك عضوا ممسوحا بين أعضاءَ تُغسَل، فدَلَّ ذلك على أن الترتيب مقصود، لأن مقتضى كلام العرب والبلاغة الترتيبُ بين النّظائر.

ولم يُعتَبَر الترتيب واجبا لأن العطف بحرف الواو بين أفعال الوضوء لا يفيد الترتيب، بل هو لِمُطْلَق الجمع، بخلاف حَرفَي الفاء وثمّ الدالّين على الترتيب. كما أن مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على الترتيب لا تفيد وجوبَه، لأن الوجوب يُستفاد من القول لا من الفِعْل.

ومَن خالف الترتيب سهواً فقدَّم ما حقّه التأخير فإنه يعيد فِعْلَ ما قدّمه عن محلّه مرّة واحدة، ويعيد ما بعدَه إن تذكّر بالقرب. أما إن تذكّر بعد طولٍ فإنه يعيد ما قدّمه عن محلّه فقط ولا يعيد ما بعده[14].


[1] عبد الله الشنقيطي، نشر البنود على مراقي السعود1/32 دار الكتب العلمية، ط1، 1421هـ

[2] انظر: المصدر السابق.

[3] الكوع هو طَرَفُ العَظم الذي يَلِي رُسْغَ اليد المحاذي للإبهام.

[4] رواه البخاري ومسلم وأحمد، واللفظ لمسلم.

[5] رواه أبو داود.

[6] رواه مسلم والبيهقي

[7] رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، والحاكم. قال الحاكم: حديث صحيح ولم يخرجاه.

[8] رواه مالك وأحمد والترمذي والنسائي وأبو داود

[9] سبق تخريجه.

[10] رواه أبو داود.

[11] رواه أبو داود.

[12] انظر: الموطأ 1/34

[13] رواه البيهقي.

[14] ضابط القُرب والبُعد سبق ذكره عند الحديث عن الموالاة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.