منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الصوفية السنية والصوفية الطرقية الباطلة

الصوفية السنية والصوفية الطرقية الباطلة/ الدكتور عبد اللطيف بن رحو

2

الصوفية السنية والصوفية الطرقية الباطلة

بقلم: الدكتور عبد اللطيف بن رحو

مقدمة

الحمد لله رب العالمين تعاظم ملكوته فاقتدر، وتعالى جبروته فقهر، وأعز من شاء ونصر، ورفع أقواما وخفض أقواما، فسبحانه الذي لا يرى بالبصر ويستدل عليه بالآيات والعبر وخلق كل شيء بقدر. والصلاة والسلام الأتمان الأنوران الأكملان الأزهران الأعتران المشرقان المضيئان على ولد عدنان سيدنا محمد ﷺ وعلى صحابته أجمعين ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.

أما بعد..

المزيد من المشاركات
1 من 100

فإن بنية التصوف تنطلق من قاعدة التمييز بين الشكلين الذين ظهر بهما التصوف في سلوك المتصوفين لا في حقيقة التصوف ذاته، فلا أرى التصوف في شكله المرفوض الطرقي، وإنما أرى ذلك التصوف بطريقته السنية الخالية من الشوائب الدخيلة العالقة به، وهي السلوك إلى الله جل في علاه تحت أنوار الهدي الرباني الذي جسده النبي صلى الله عليه وسلم بعيدا عن الشطحات والمبتدعات.

وإني أمعنت النظر في التصوف السلوكي السني الذي يسير على طريق السلف من الصالحين أهل العرفان واقتفاء أثرهم والنهل مما نهلوا مصحوبا بقاعدة التصحيح وتجاوز ما وقع فيه بعض القوم ظانين أنهم محسنون والحال أنهم انحرفوا عن جادة صواب الهدي القرآني والسنّي.

ويمكن القول أني أمعنت في بيان الشرح السديد بين التصوف السني المحمود والتصوف السني الطرقي الباطل الذي لا يمس بمفاهيم ونظم الشريعة السمحا.

 المبحث الأول: الفصل بين الصوفية السنية النقية والصوفية الطرقية الباطلة

بقطع النظر عن كلمة تصوف وما دار من جدل حول معناها وأصلها، وحول مدى مشروعية التعبير بها عن مضمون لم يظهر لكثير من الناس مدى علاقته بالإسلام، سواء في مبادئه الأساسية أو جوانبه الكمالية والتحسيسية، فإن من الأهمية بمكان نتبين المعنى المراد بهذه الكلمة، ثم نتبين العلاقة بينه وبين حقيقة الإسلام ذلك لأننا إن أدركنا هذه العلاقة، من خلال موضوعية علمية متحررة، كان بوسعنا، بل ترتب علينا أن نجعل من هذه العلاقة ميزانا يكشف عن مدى شرعية هذا المضمون أو عدم شرعيته، ما دمنا نتخذ، بصدق من الإسلام محور التزامنا الفكري والسلوكي على السواء.

المطلب الأول: الصوفية السنية النقية

أجمع ما يكشف عن المعنى المراد بكلمة التصوف الصحيح، ويوضح العلاقة بينه وبين حقيقة الإسلام، يتمثل في عرض الحقيقة التالية:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 10

إن قيمة التزام المسلم بالإسلام تظهر على صعيدين اثنين، قد يتضافران ويجتمعان، وقد ينفك الواحد منهما عن الأخر. أما الصعيد الأول: فهو السياحة الدنيوية التي يتجلى فيها تعامل الناس بعضهم مع بعض، ومن المعروف أن الإنسان يجب أن يعامل على أنه مسلم، من كل الجوانب، بمجرد أن يتوفر أركان الإسلام في ظاهر أقواله وأفعاله، بان ينطق بشهادة الإسلام، ويذعن لأركانه العلمية، ولا يبدر منه في الظاهر ما يدل على إنكاره وعبادته جميعا بالصحة والقبول ما دامت هي في الظاهر كذلك. أي فليس لقاض أن يتهم مسلما بخلاف الطاعات والعقود. والصعيد الثاني فهو صفاء القصد والإخلاص وموافقة الظاهر الذي كان يراه الناس للباطن الخفي الذي يطلع عليه عز وجل فهذا هو أساس قضائه عز وجل في حق عباده يوم القيامة، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اُ۬للَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اُ۬لدِّينَ حُنَفَآءَ﴾ [سورة البينة الآية:5].

غير أن المشكلة التي كان لا بدلها أن تؤرق فكر المسلم الصادق في إسلامه، والراغب حقا في النجاة يوم القيامة هي مشكلة التوفيق بين الظاهر من أحكام السلوك الدينية، والباطن من الإخلاص لوجه الله تعالى فيها، والصدق في إلتزام بأوامره والانتهاء عن نواهيه ابتغاء وجهه وحده، وتطهير القلب من العوائل التي لا يطلع عليها إلا الله ولا يحاسب عليها غيره، والتي تصد صاحبها عن بلوغ درجة الإخلاص في الأعمال والصفاء في النية.[1]

ذلك لأن من السهل على الإنسان أن يتحلى في ظاهره بكثير من أوامر الله وأحكامه دون أي انضباط حقيقي وجوهري بها، ودون أي إخلاص قلبي لها، ابتغاء الحصول على الحقوق والامتيازات الإسلامية في حياته الدنيوية، ولا يكلفه ذلك أكثر من مصانعه للناس، وستر لبواطن الزغل والانحراف يظاهر من الاستقامة والالتزام. أما الأمر العسير حقا، فهو السعي إلى تطويع الباطن لما قد تحلى به الظاهر، بحيث يصبح ظاهر المسلم عنوانا على باطنه، فإن تلبيس ظاهره بأعمال الصلاة أو النسك، كان قلبه متصرفا بالخشية والخضوع إلى مراقبة الله وذكره، وإن عامل الناس بمقتضى الأحكام الشرعية فيما يبديه لهم من ظاهر معاملاته، كان في قلبه من خشية الله وتعظيمه ما يجعله يفيض إخلاصا للناس فيما يظهر لهم منه، وما يضمن تحقيق كامل التنافس والتفاعل ما يريهم من ظاهر أعماله وما يعامل الله به من باطن مشاعره وتصوره.[2]

إن تحقيق هذه الأمور، يقتضي بالضرورة أن يتجرد القلب من آفات الكبر والأنانية الضغائن، وأن يتجرد من سلطان الشهوات والأهواء الجانحة ويتحرر من محبة الدنيا وزخرفها. فالتصوف الإسلامي النقي السني الصحيح تربية علمية وعملية للنفوس، وعلاج للأمراض التي تنغرس في القلوب، واقتلاع للرذائل وقمع للشهوات، وتدريب على الصبر والرضا والطاعات. وهو مجاهدة للنفوس ومكابدة نزاعاتها، ومحاسبة دقيقة لها على أعمالها، وحفظ للقلوب عن طوارق الغفلات والخطرات، وانقطاع عما يفوق السالك في سيره إلى الله، وزهادة في كل ما يلهي الله وذكره ويعلق بالقلوب سواه معرفة لله ويقين، وتوحيد الله وتمجيد، وتوجيه إلى الله وإقبال عليه وإعراض عما سواه، وعكوف على عبادته وطاعته، ووقوف عند حدوده، وتعبد بشريعته، وتعرض لنفحاته وهباته التي يخص بها أولياءه وأحبابه فضلا منه وکَرَماً. وهو أيضا علم وفرار من فتنة الدنيا وزينتها وابتعاد عنها. فالتصوف النقي هو لب الشريعة وروحها وثمرتها وحكمتها، الذي لا يخالطه زيغ ولا شطط ولا جهل وابتداع ولا شوائب، فهو تصوف العلماء والنساك العارفين بالله تعالى القائمين على حدوده، المتمسكين بشريعته.[3]

والصوفية السنية هي التي تقوم على العبادة إلى الله تعالى، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة، وكان ذلك عاما في الصحابة والسلف. وسلف المتصوفة من أهل الرسالة أعلام الملة، لم يكن لهم حرص على كشف الحجاب، ولا هذا النوع من الإدراك، إنما همهم الإتباع والاقتداء ما استطاعوا. ومن عرض له شيء من ذلك أعراض عنه ولم يحفل به، بل يفرون منه ويرون أنه من العوائق والمحن، وأنه إدراك من إدراك النفس مخلوق حادث، وأن الموجودات لا تنحصر في مدارك الإنسان. وعلم الله أوسع وخلقه أكبر، وشریعته بالهداية أملك فلم ينطقوا بشيء مما يدعون، بل حظروا الخوض في ذلك ومنعوا من يكشف له الحجاب من أصحابهم من الخوض فيه والوقوف عنده، بل ويلتزمون طريقتهم كما كانوا في عالم الحس من قبل الكشف من الإتباع والاقتداء، ويأمرون أصحابهم بالتزامها. وهكذا ينبغي أن يكون حال المريد.[4]

والتصوف الحقيقي السليم، هو لب الإسلام وجوهره الكامن في أعماق فؤاد الإنسان المسلم وبدونه يغدر الإسلام مجرد رسوم ومظاهر وشعارات يجامل بها الناس بعضهم بعضا. وهذا اللباب يتمثل في الرغبة والرهبة إذ تهيمنا على قلب المسلم حبا لله ومخافة منه فيتطهر فؤاده من إدراك الضغائن والأحقاد وحب الدنيا، ويزداد بذلك مراقبة الله وتمسكا بشرائعه وأحكامه، ويزداد حيطة في تجنب المحرمات والقيام بالواجبات، ومبادرة إلى حقوق العبادة. وإنما المثل الأعلى في هذا كله سيدنا محمد ﷺ ثم الرعيل الأول من هذه الأمة، وهم أصحاب البررة الكرام. ولا توقفنك إزاء هذه الحقيقة مشكلة الاسم، فلقد كان التحلي بهذا اللباب في صدر الإسلام المسمى، لا اسم له إلا الإسلام الحقيقي الذي يستدعي من صاحبه تزكية النفس والسعي إلى بلوغ درجات الإحسان. فلما أصبح لفظ الإسلام فيما بعد مجرد شعار يتحلى به أكثر من الناس في الظاهر، ثم تفيض قلوبهم بنقيض ما يدل عليه هذه الشعائر في الباطن، قام من أحب أن يميز الإسلام الحقيقي الذي لا يزال ضاربا جذور الحب والخشية في قلوب أصحابه، و لا يزال يتعهد أصحابه بذكر الله ودوام مراقبته، فأطلقوا عليهم المتصوفون، وخصصوا هذا التعهد القلبي باسم التصوف. ولا ضير في أن نتجاوز اليوم هذا الاسم، بل هذا ما أفضله وأدعو إليه، على أن ندرك من وراء هذا الاسم لبابا هو جوهر الإسلام وروحه، فلا نهمله ولا نتهاون به اكتفاء بالظاهر والأشكال التي ثبت أنها لم تغن أصحابها من آمالهم الدنيوية شيئا، ويقينا أنها لم تغنيهم شينا عن العقبي من باب أولى.[5]

ولعلنا أدركنا الأصالة في كلمة الصوفية والصوفي، ذلك بأنها تسلب إرادة صاحبها إلى الله عز وجل، كما تسلب الصوفة الملقاة إرادتها للريح، أو أنها ضاربة بجذورها إلى أهل العفة المتوجهين إلى الله على عهد رسول الله ﷺ، كما أن الناظر إلى خلوة رسول الله ﷺ في غار حراء قبل البعثة، وسلوكياته التي يهتدي بها الصوفية دائما يجد أنها كانت عن طبيعة سجية ولم تكن عن تكلف وتصنع مما يؤكد أصالتها وإسلاميتها، كما يؤكد أن استجابة الوعي الإنساني لقوى الطبيعة إنما يتشابه في كل زمان ومكان. فمن المعلوم أن رسول الله ﷺ جاءه الوحي بعد فترة من الخلوة التأملية انقطع فيها عن ظواهر الوجود، سعيا وراء حقائقه، فترك العمران في مكة، وتحول إلى جبل بعيدا عن صنعة الإنسان، ثم تحول إلى ظلام مطبق في جوف الغار، وتردد بينها حسبما تطيق نفسه وتحتمل من الاستمرار والفاعلية والانفعال.[6]

يقول أبو حامد الغزالي رحمه الله عن أثر هذه العزلة في حياة الصوفية: “التفرغ إلى العبادة والفكر، والاستئناس بمناجاة الله تعالى عن مناجاة الخلق، والاشتغال باستكشاف أسرار الله من أمور الدنيا والآخرة، وملكوت السماوات والأرض، فإن ذلك يستدعي فراغا، ولا فراغ مع المخالطة، لذلك كان الرسول ﷺ في ابتداء أمره يتبتل في جبل حراء، وينعزل إليه، حتى قوي فيه نور النبوة، فكان الخلق لا يحجبونه من الله فكان ببدنه مع الخلق، وبقلبه مقبلا على الله.”[7]

وفي الحديث من رواية عائشة رضي الله عنها قالت: ” أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنَّث فيه – هو التعبد- الليالي ذوات العدد.”[8]

إذن فلا دخل لرسول الله ﷺ في ذلك الأمر الذي ابتدأه الله به وهو الرؤيا الصالحة، ولا في حب العزلة التي حببت إليه، ولم يقلد فيها أحدا من الناس.

و النظرة الدقيقة إلى سلوك النبي ﷺ تعطينا الإيمان الحقيقي على غاية من الأهمية من ناحية الفصل في قضية الاقتباس التي اهتم بها الصوفية المسلمين وأنهم اقتبسوا تصوفهم من تصوف غيرهم، وذلك أن أخلاق الرسول ﷺ وسلوكياته وهي المنار الذي يهتدي به الصوفي السني دائما إنما كانت عن طبيعة وسجية ولم تكن عن تكلف وتصنع كما كان الحال بالنسبة للقوم الذين رمي المسلمون بالاقتباس منهم وليس هذا الحكم نظر بشري يتحمل النقض أو الجدل، وإنما هو حكم الله في كتابه حيث يستعبد الجدل حوله، كما يستعيد احتمال البطلان لمضمونه، قال تعالى: ﴿قُلْ مَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنَ اَجْر وَمَآ أَنَا مِنَ اَ۬لْمُتَكَلِّفِينَۖ﴾ [سورة ص الأية:84]، وتلك هي الغاية التي يجاهد الصوفي المسلم نفسه للوصول إلى صورة من صورها. ومن هنا يمكن القول بأن اقتباس الصوفيين من تصوف غيرهم، هو قول لا يستقيم مع هذه الحقيقة التي سقناها.[9]

وقد اجتهد الصوفية السنيين في ربط عملهم بالسنة. وإذا كان العلم لا يناقش حق إدراجه من بين علوم الأمة، ولم يحتج بالتالي إلى تسنین وجوده، فقد واجه الصوفية صعوبة كبيرة لإثبات سنية سلوكهم في كل أشكاله ومواصفاته. لذلك اهتم الصوفية اهتماما عظيما بالمقامات والأحوال، وهم في ذلك يتفقون مع ابن تيمية الذي كان يسمي هذه المقامات والأحوال بأعمال القلوب، ويعتبرها من أصول الإيمان وقواعد الذين وأهمها: محبة الله سبحانه ومحبة رسول الله ﷺ، والتوكل على الله والإخلاص له، والشكر له، والصبر على حكمه، والخوف منه، والرجاء الله، وهذه الأعمال في الأصل ليست خاصة بالصوفية وحدهم بل هي واجبة على الجميع، ومن قال إن هذه المقامات تكون للعامة دون الخاصة فقد غلط في ذلك إن أراد خروج الخاصة عنها، فان هذه لا يخرج عنها مؤمن قط، وإنما يخرج عنها كافر أو منافق. لكن الناس ليسوا على درجة واحدة منها: قمتهم متصد، ومنهم سابق بالخيرات فالأول هو الذي يترك المأمورات ويفعل المحظورات. والثاني هو الذي يقوم بالوجبات ويبتعد عن المحرمات. والثالث هو الذي يبتعد عن المحرمات ويتقرب إلى الله تعالی بالوجبات لذلك لم يكن في مناهجهم وأصولهم التربوية تلك، ما يتعارض مع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، بل كان له مأخوذ منه مخرجا عليه، وكانوا في صنيعهم الذي فعلوه لا يختلفون عن أولئك الذين استشعروا الحاجة، فاستنبطوا قواعد العربية من لسان العرب وسَليقتهم، وعن أولئك الذين استشعروا الحاجة فاستخرجوا قواعد الأصول في فهم النصوص من اجتهادات الصحابة، وعن أولئك الذين استشعروا الحاجة فاستخرجوا قواعد البلاغة العربية من كلام الله عز وجل.

ولا نزال نذكر في مقدمة من قدموا على هذا الصنيع جلالة وسبقا، الحارث المحاسبي (ت 243ه) وأحمد بن أبي الحواري (ت 246ه) والجنيد البغدادي (ت 298ه) وإنما درج هؤلاء فيما كتبوا ونظموا على منوال من سبقهم إلى ذلك سلوكا وعملا، من جلة التابعين ومن بعدهم كالحسن البصري وسفيان الثوري وعطاء بن أبي رباح، وما أخرجوا في شيء من أصولهم التربوية على ميزان الكتاب والسنة قط، ولكن إما أن يكون دخوله في هذا الميزان صریحا ومباشرا وإما أن يكون اجتهادا واستنباطا. إذن فمهما كانت السبل التربوية غير منصوص عليها في قران أو سنة، نصا مباشرا ولكنها تعين في تزكية النفس وتصعيد العاطفة والوجدان، فإنها تأخذ حكم الغاية التي تتحقق من ورائها وهذه الغاية داخلة كما يصرح الإمام ابن تيمية رحمه الله في أصول الإيمان وقواعد الدين، فالسعي إلى التحقيق بها واجب على جميع الخلق باتفاق الأئمة.[10]

وقد علمنا أن هذا الأصول إنما تدخل كلها في نطاق الأعمال الباطنة، كمحبة الله، والخوف منه، والتوكل عليه، إلى غير ذلك، فمدار ذلك كله على العاطفة والوجدان. فلما أخذ هؤلاء الربانيون أنفسهم بالسبل التربوية المتنوعة للتحقق بهذه الصفات، وأرشدوا إلى ذلك، ومدى الاستمرار عليه، ما سمي بالمقامات، كالأحوال، والفناء، والبقاء، وأطلقوا على من أخذوا أنفسهم بهذه السبل التربوية اسم: السالكين. غير أن هذا السلوك، قد أدركه هو الأخر، ما أدرك أنواع العلوم والمعارف الإسلامية الأخرى من أدواء البدع والزغل والانحراف عن خطة الاستقامة والقصد، فامتزج بالحق الذي ندب إليه العارفون والربانيون، كثير من الباطل الذي روج له الجاهلون آنا والفلسفة والزنادقة آنا أخر.[11]

فالمهم أن نعلم أن هذا السلوك التربوي يمثل لباب الدين، وأن المسلمين الصادقين في إسلامهم مازالوا يلتمسون السبيل الشرعي إليه منذ عصر الصحابة على يومنا هذا، بقطع النظر عن مظاهر الانحراف التي قد تتربص به. وأضيف قائلا بأن الملا رمضان والد البوطي رحمه الله جزم بأن التصوف النقي هو جوهر الإسلام ولبابه، وكانا يؤكدان أن المسلم إذا لم يكن قد تشرب حقيقة التصوف فقد حبس نفسه في معاني الإسلام، ولم يرق صعدا إلى حقيقة الإيمان. ويلح البوطي ووالده رحمه الله على أن التصوف ليس كلمات تورث أو تنقل ولا معارف تحفظ، ولكنه حال يتلبس بكيان المسلم يرقي به إلى مستوى الشهود. وإذا لم يرتفع المسلم إلى مستوى هذا الشهود، فهيهات أن تكون نصوص الأحكام وحدها، بكل ما يحف بها من مؤيدات الجزاء، حافزا كافيا للانضباط الحقيقي بمدلولاتها وأوامرها. وليس للتصوف النقي من معنى إلا أن يأخذ المسلم نفسه بما يوصله إلى هذا الشهود.[12]

أو أن يأخذ بما يوصله إلى ثمرات الإيمان، أو يوصله إلى حقيقة معنى التوحيد، فهي ألفاظ شتی ولكنها جميعا ذات دلالات واحدة. وكان الملا رمضان رحمه الله يرى في رسالة القشيرية ما يبرز حقيقته هذا التصوف النقي السليم، وما يكشف عن عمیق ارتباطه بنصوص القرآن الكريم والسنة.[13]

فالصوفية السنية هي طريق الوصول إلى الله ووسيلة للاقتداء برسوله ﷺ، والوصول إلى الله لا يعلمه إلا الله، فلا يستطيع أحد أن يعرفك بالله إلا الله. ونحن لا نستطيع أن تتلقى هذا، فالله لا يكلم البشر حتى يعرف كل واحد على حدة، وإنما يعرفهم به عن طريق الخبراء الذين عرفوه. ونجد أن الله تبارك وتعالى جعل الوصول إليه عن طريق من وصل إليه، فالذي وصل إلى الطريق يوصل غيره، لأن الوصول إليه بالهوى لا يمكن فلا بد وأن ينتزع هذا الهوى تماما، وأن يكون المريد مخلصا في غايته طالبا الفلاح من الله تعالى وحده دون سواه.[14]

المطلب الثاني: الصوفية الطرقية الباطلة

لم يكن أصحاب رسول الله ﷺ متفرقين أوزاعا، وما كونوا لأنفسهم جماعات منقسمة، وما أسسوا طريقا يدعون إليها ويبشرون على ضوئها، و لكن كانوا متمسكين بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ غير عابئين بما سواهما، وعلى ذلك نشأ  وتربی خیار التابعين، إلى أن جاء وقت ضعف فيه المسلمون على كثرة، وقلت سطوة عزمهم مع اتساع رقعة أرضهم، حتى نبتت بينهم نابتة دعت إلى تقديس الأشخاص، ومنحهم حق التشريع بالإجابة لكل ما يدعون إليه، سواء كان ذلك المقدس لابسا برد إمام شيعي رافضي، أو متلفعا بلثام شیخ صوفي من أهل الطرقية، فأصبحت بذلك الوراثة الدينية بيد جماعات بأعينها. هذا وقد حاول عدد من الباحثين تحديد المراد من الطريقة عند أهل التصوف كما بدلوا جهودا في الكشف عن ضوابطها، غير أن عباراتهم في تعريف الطريقية تكاد تجمع على عدم وجود ضابط جامع مانع لجميع الطرق.

ويذكر محمد أحمد لوج في كتابه الفكر الصوفي قولة عن نیکولسن” أن الصوفية تطلق اسم الطريقية على مجموع القواعد والرسوم التي يفرضها الشيوخ على مريديهم.” ولهذا لم يكن للطريقية صفات ثابتة محدودة، فإن تعاليم على طريقة ترجع إلى شيخها الخاص يدل على ذلك في الطرق الصوفية في تباین وخلاف.[15]

ورغم أن نیکولسن يرجح عدم انضباط تلك القواعد تحت ضابط واحد إلى اختلاف تعاليم الشيوخ وتباين مشاربهم الفكرية إلا أنه قرر أن الطرق كلها تتفق في نقاط وهي: الاحتفال بدخول المزيد في الطرق بطقوس دقيقة مرسومة، وقد يطلب بعض الطرقيين من المريد قبل الدخول في الطرقية، أن يمضي وقتا شافا في الاستعداد للدخول، ثم التزيين بزي خاص، فلا بد أن يكون هناك نوع خاص من الزي يمثل رمزا لأصحابه الطريقة الذين يلبسونه فيميزهم عن غيرهم. كما يتطلب اجتياز المريد مرحلة شاقة في الخلوة الصلاة والصيام وغير ذلك من الرياضات. الإكثار من الذكر مع الاستعانة بالموسيقى والحركات البدنية المختلفة التي يكسبها المريد وأصحاب الوجد بالمجاهدات، وهي القوى التي تمكنهم من أعلى الجمرات، والتأثر على التعابين، وضرب أجسامهم بالعصي الغلاظ، والإخبار بالمغيبات احترام المرشد أو الشيخ إلى درجة تقرب من التقديس. لا شك أن ما ذكره يمثل استقرار دقيقا إلى حد بعيد، وإن كانت النقطة الأخيرة ناقصة عن تصوير الحقيقة ما عليه القوم، فإنهم يقدسون الشيء ويسلمون له القيادة ولا يفكرون في أنفسهم ولا في أي شيء آخر إلا فيما يأمر به الشيخ، ولا يخطر ببالهم أن يعارضوا أفعال الشيخ أو أقواله ما يأمر به على الشريعة، لأن ذلك قد يؤدي إلى الاعتراض الذي هو السبب المباشر للانطراد والخسارة عندهم.

ووصف الشيخ الجزائري الطريقة وصفا دقيقا إلى حد بعيد فقال: “إنها تعني اتصال المريد بالشيخ وارتباطه به، حیاً ومیتاً، وذلك بواسطة ورد من الأذكار يقوم به المريد بإذن من الشيخ أول النهار وآخره، ويلتزم به بموجب عقد بينه وبين الشيخ، وهذا العقد يعرف بالعهد، وصورته: أن يتعهد الطرف الأول – وهو الشيخ – بأن يخلص المريد من كل شدة ويخرجه من كل محنة متی ناداه مستغيثا به، كما يشفع له يوم القيامة في دخوله الجنة. ويتعهد الطرف الثاني – هو المريد – بأن يلتزم بالورد وآدابه فلا يتركه مدى الحياة، كما يلتزم بلزوم الطريقة وعدم استبدالها بغيرها من سائر الطرق، هذه هي الطريقة المتصوفة المنحرفون.[16]

ولم يقف منظروا الفكر الصوفي عند الدعوى التلقي من الخواطر التي ترد على القلوب من طرف الشيوخ والأولياء المتصوفة، ولكنهم فتحوا نافذة أخرى هي نشر اعتقاد أن الولي بإمكانه أن يتلقى العلم من الرسول ﷺ ومن الملك ومن اللوح المحفوظ وهذه العقيدة من الخطورة بحيث يفتح باب التشريع على مصراعيه أمام معتقدات، فإن العلم الذي يأتي من رسول أو ينقل من اللوح المحفوظ لا يكون باطلا بحال من الأحوال.[17]

فقد نشأ من أن بعض المرتدين، من أهل القرن الرابع الهجري، لما رأوا توسع الفقهاء في الشرع وتفنن المتكلمين في العقائد، فهم كذلك اقتبسوا من فلسفة فيتاغورس وتلامذته في الإلهيات قواعد، وانتزعوا من اللاهوتيات الكتابيين والوثنيين جملا، ألبسوا لباسا إسلاميا، فجعلوه علما مخصوصا ميزوه باسم علم التصوف.

إن مدعي الطرقية منحوا نفوذا من الحكام المستبدين فأصابهم حظ من الثراء أفسدوا به الدين وبواسطة نفوذهم المقرون بالمزاعم، جعلوا كثيرا من المدارس تكايا الباطلين الذين يشهدون لهم زورا بالكرامات المرهبة، وبه حولوا كثيرا من الجوامع مجامع للطالبين، وبه جعلوا زكاة الأمة ووصاياها رزقا لهم، وجعلوا مداخل الأوقات والأمراء والملوك عطايا لأتباعهم.[18]

كما ساهم الاعتقاد الخاطئ للعامة بدور شيوخ الطرق وموقعهم الإسلامي يجوز أن يكون لغير الله تعالی ومنه، فكأن شبهة وثنية تركت بصماتها على سلوك نشره الجهلة الذين يمشون مكبين على وجههم، ولا يبحثون عن الصراط المستقيم، علما أن الكثير من هذه المزاعم والشطحات لم تكن في أصل نشأة التصوف الذي قام إسلاميا بالأساس فأفسده بعضهم بما أدخلوا عليه من مفاهيم مصدرها غير إسلامي من بدع وانحرافات.[19]

فالطرق التي رسمها كثير من الشيوخ، سبيلا تربويا لتحقيق الغاية ذاتها فلم تخل فيما مضى ولا تخلو الآن من البدع. ونظرا إلى أن الملا رمضان والد محمد سعيد رحمهما الله كان شديد الإصرار على التصوف النقي، من حيث إنه كان شديد الإصرار على الانضباط بنصوص القرآن والسنة، شديد الحذر من التورط في البدع، فقد كان ينبه دائما إلى ضرورة التفريق بين التصوف الذي لا يمكن أن يحي الإيمان في القلب إلا به، والطرق الصوفية التي كثيرا ما تكون بؤرة لكثير من البدع. وكان يقول: “إن الطرق الصوفية كلها لا تخلوا من البدع.”[20]

فالتصوف الزائف انتحله قديما فئات من الناس، أشربوا تعاليم الباطنية الحلولية، وتدثروا بدثار الصوفية، اجتنابا للعامة، وتعزيزا وخداعا وتلبيسا، ودسوا في التصوف إلحادهم ومقالاتهم الشنيعة في الدين اضلالا للمسلمين، هؤلاء ليسوا من الصوفية ولا التصوف في شيء، وينكرهم كل الإنكار أولئك الأعلام وقد کشف خبتهم وفند مزاعمهم، وأبطل تصوفهم كثير من الأئمة، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام ابن القيم رضي الله عنهما.  هناك أخرون انتسبوا إلى الصوفية زورا، واتخذوها سمة وحرفة، وتوارثوا فيما بينهم بدعا وشعارات زائفة، وتقاليد منكرة، يبرأ منها التصوف وأعلامه من أولي العلم واليقين. وهؤلاء كذلك أدعياء في التصوف دخلاء في الصوفية مبتدعون آثمون.[21]

وإحقاقا للحق، وإنصافا للصادقين، يجب أن لا نحمل أوزار أولئك الأدعياء المبطلين وأن لا يطلق القول في ذم التصوف و الصوفية – قبل أن نقرأ ونتفحص وننقب – بل يعطي كل فريق حقه من المدح أو الذم، ومن الترغيب أوالتحذير، دون تعصب أوتحيز. ثم إن بعض الواهين اعتبروا أن شيوخهم توصلهم إلى الله تعالى لبركاتهم، واكتفوا فقط بذلك، وقالوا نحن في ذيل الشيخ نحن في ذيل الصالحين، دون عمل وهل للصالحين ذيل؟ حتى هذا التعبير يعد تعبیرا سخيفا لا يوصف به إلا الحيوان. قيل أو يقال بحسن نية، إن الوصول إلى الله لا يعرف الجهالة وإنما يعرف دقة الأمر والنهي، أن نعلم هذا يوصل وهذا لا يوصل وهذا يعرفك بالله، وهذا يبعدك عن الله ليس هناك أمر ثالث، اكتفى البعض ببعض التسبيحات ككل وهذه التسبيحات بألف أو بمائة ألف، يقال في بعض الطرق هي الدائرة الأولى أو هي التحضير، ولا مانع من الذكر ولكن سلوك هؤلاء الطرقيين لا يعتبر سلوكا يعرف الناس بالله تعالى ولا يعتبر سلوكا يوصل إلى الله. فبعد هذه التسييحات نجد أن الواهم أنه يوصل، يصل بذكر ثم يعصي الله في أمور كثيرة، فلا مانع أن يشرب الشيخ الدخان أو السجائر في وسط مريديه أو إخوانه، ولا مانع أن يفعل غير ذلك وإن قيل لبعضهم، كيف يشرب الشيخ أو يشرب المريد؟ قالوا إن الأنوار قد ازدادت فيريد أن يطفئها. فهؤلاء المتصوفة المدعون الذين ينامون الليالي والأيام لمجرد أن يمسك بمسبحة طويلة أو قصيرة لا …لا التصوف ممارسة وحقيقة ومجاهدة.[22]


قائمة المصادر والمراجع

القرآن الكريم برواية الإمام ورش

[أ]

-إحياء علوم الدين للغزالي تقديم بدوي طبانة دار إحياء الكتب العربية (بدون رقم طبعة ولا تاريخ).

-أم القرى للكواكبي، طبعة مؤسسة ناصر الثقافية بيروت سنة:1981.

[ت]

– التصوف الإسلامي لعبد القادر أحمد عطا دار الجيل بيروت الطبعة:1 سنة:1987.

– تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي لمحمد أحمد لوج، دار ابن عفان للنشر والتوزيع ودار ابن القيم للنشر والتوزيع الطبعة:1 سنة:2002

[ر]

– رسالة المسترشیدین للحارث بن المحاسبي، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة دار السلام حلب الطبعة:3 سنة: 1988.

[س]

-السلفية للبوطي دار الفكر دمشق الطبعة:1 سنة: 1988م.

[ص]

– صحيح البخاري دار الكتب العلمية بيروت (بدون رقم طبعة) سنة: 1999.

[ك]

-كنوز العلم النافع في المنهج الصوفي لإسماعيل صادق العدوي سلسلة كتب التصوف الإسلامي، رقم 34.

[م]

-المقدمة لابن خلدون، تحقيق درويش الجويدي المكتبة العصرية بيروت الطبعة: 2 سنة: 2000.

مجلة منار الإسلام، مقال البوطي عن الصوفية السنية السليمة العدد الثامن السنة 13-19 مارس 1988م.

 

[ه]

– هذا والدي للبوطي ط: 2 دار الفكر 1998 دمشق.


[1]  مجلة منار الإسلام، مقال البوطي عن الصوفية السنية السليمة العدد الثامن السنة 13-19 مارس 1988م.ص 17-18-19.

[2] مجلة منار الإسلام، مقال البوطي عن الصوفية السنية السليمة العدد الثامن السنة 13-19 مارس 1988م.ص: 19.

[3]  رسالة المسترشیدین للحارث بن المحاسبي، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، ط: 3 دار السلام 1988 حلب ص: 8-9.

[4]  المقدمة لابن خلدون، تحقيق درويش الجويدي، ط: 2 المكتبة العصرية 2000 بیروت ص:449-450.

[5]  السلفية للبوطي، ط:1 دار الفكر 1988م دمشق. ص: 117-118.

[6]  التصوف الإسلامي لعبد القادر أحمد عطا الطبعة:1 دار الجيل 987 بیروت، ص:187.

[7]  إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي ج/ 2 ص: 201-202.

[8]  رواه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، الباب 3، دار الكتب العلمية 1999 بیروت، ج/ 1، ص:6.

[9]  التصوف الإسلامي لعبد القادر عطا ص: 198.

[10]  مجلة منار الإسلام، مقال البوطي عن الصوفية السنية السليمة العدد الثامن السنة 13-19 مارس 1988م ص: 21.

[11]  المرجع نفسه ص:22.

[12]  هذا والدي ص:98.

[13]  نفسه ص:99.

[14]  كنوز العلم النافع في المنهج الصوفي لإسماعيل صادق العدوي سلسلة كتب التصوف الإسلامي، رقم 34، ص: 23.

[15] تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي لمحمد أحمد لوج، دار ابن عفان للنشر والتوزيع ودار ابن القيم للنشر والتوزيع الطبعة:1 سنة:2002 ج/1 ص: 343.

[16]  المرجع نفسه ج/ 1ص: 344.

[17]  الفكر الصوفي لمحمد أحمد لوج، ج/1 ص:250.

[18]  أم القرى للكواكبي، طبعة مؤسسة ناصر الثقافية 1981 بيروت، ص: 151.

[19]  التصوف منشؤه ومصطلحاته ص: 168.

[20]  هذا والدي ص:99.

[21]  رسالة المسترشدین، ص: 11-12.

[22]  من كنوز العلم النافع في المنهج الصوفي لإسماعيل علي صادق العدوي السلسلة:34 ص:31.

2 تعليقات
  1. محمد الصافي يقول

    جزاكم الله خيرا بحث قيم
    لكن نلفت انتباهكم إلى وجود عدد من الأخطاء الناتجه عن السهو عند المسك وجب تداركها. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى

  2. أم أنور يقول

    مقال ينم على فكر سليم ناتج عن دراسة متمكنة.
    وتحليل دقيق على مستوى الرؤية والتخصص.
    نفع الله بالكاتب وبكم سادتي.
    وفقكم الله

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.