منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

انصروا إخوانكم (خطبة العيد)

فضيلة الشيخ محمد الحسن الددو

0

الخطبة الأولى

الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيرا والحمد كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا. إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونعود بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا. {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة  وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا }، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما}.

أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدية هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة. عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى امتن عليكم بنعم لا تحصى {و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}. كلها من ربكم جل جلاله {و ما بكم من نعمة فمن الله. خلقكم وسواكم وهداكم للإسلام وأمد في أعماركم حتى شهدتم رمضان، وامتن عليكم وبالقرآن وبالسنة وبسيد الأنام صلى الله عليه وسلم. وجعلكم من خير أمة أخرجت للناس، وبلغكم هذا الشهر الكريم حتى صمتم على كتاب الله وأفطرتم على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. جعل الله العيد مظهرا من مظاهر الاعتراف له بوحدانيته  والإقرار له بنعمته، وإظهار هذه النعم التي لا تحصى. فلذلك تذكرون الله سبحانه وتعالى وتكبرونه وتحمدونه، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله يرضى عن عبده أن يسقيه الشربة فيحمده). فبمجرد حمد الله سبحانه وتعالى أن سقاك شربة ماء يرضى الله عنك. وقد أنعم عليكم بهذه النعم التي لا تحصى فاحمدوه حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. ثم اعلموا رحمني الله وإياكم أن هذه الأمة جسد واحد إذا اشتكى منه طرف تداعت له الأطراف كلها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى  والسهر). وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وشبك بين أصابعه). وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ذمة المؤمنين واحدة). وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( والمسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم). إن هذه الوحدة التي شرع الله لكم في كتابه وبينها لكم رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم في سنته ميزة ميز الله بها هذه الأمة على سائر الأمم، فذكر الله سبحانه وتعالى  لها مثلا عظيما قال فيه: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم، تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، ذلك مثلهم في التوراة، ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه، يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار، وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما}.

ضرب الله هذين المثلين العظيمين لهذه الأمة المحمدية: مثلا في التوراة في توحيد الله وعبادته ومثلا في الإنجيل في توحيد الكلمة واتفاق الصف. ففي مثله الذي ضرب في التوراة قال: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم، تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا، سيماهم في وجوههم من أثر السجود}. ثم ذكر مثل التوحيد، توحيد الكلمة في الإنجيل فقال: {و مثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه، يعحب الزراع ليغيظ بهم الكفار}. جعل الله سبحانه وتعالى هذين التوحيدين وهما توحيد الله وتوحيد الكلمة أساس هذا الدين، ولم يأت نبي قط إلا بهما، كما قال الله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذين أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه}. فالتوحيد الأول: {أن أقيموا الدين}، وذلك بتوحيد الله جل جلاله. والتوحيد الثاني الذي هو توحيد الكلمة بقوله: {و لا تتفرقوا فيه}. إن هذين التوحيدين لا بد أن تنطبع بهما هذه الأمة في كل  العصور، وهي أحوج ما تكون إليهما في هذا العصر الذي أنتم فيه، الذي تكالبت فيه الأمم على هذه الأمة وتخاذل قادتها عن رفع لوائها، وأصبح لواؤها موضوعا بالأرض يتناوشه اللئام. وأصبحت جراحها غائرة في جسمها، ليس لها آس ولا مداو، وذلك كله بأمر الله كما قال الله تعالى في تقويم غزوة أحد: {و ما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا}، فكل ذلك من حكمه سبحانه وتعالى، وهو قادر على الانتقام من أعدائه طرفة عين، وقد قال في ذلك: {كذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم، ولكن ليبلو بعضكم ببعض}، فإنما هو امتحان ليبلو بعضكم وهم المؤمنون ببعض وهم الكفار والمنافقون. وقال سبحانه وتعالى: {و نبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون}.

المزيد من المشاركات
1 من 62

إن الله سبحانه وتعالى امتن عليكم بالأمن والأمن والرخاء وو أن جعلكم من المسلمين، فاحمدوه على هذه النعمة، وتذكروا حال إخوانكم الذين سلبوها، فإن كثيرا من إخوانكم المسلمين يشكون الآن ويئنون، فقدوا نعمة الأمن والأمان وفقدوا نعمة الرخاء، وهم في مشكلات لا حصر لها، فاجتهدوا رحمني الله وإياكم في التخفيف عنهم ومؤازرتهم ومساعدتهم. ثم اعلموا رحمني الله وإياكم أن ربكم جل جلاله أثنى على نفسه بالاختيار فقال تعالى: {و ربك يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم لخيرة}، وقد اختار من الأمم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، واختار من البشر محمدا صلى الله عليه وسلم، واختار من القرون قرنه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، واختار من الأوقات شهر رمضان المبارك وعظمه وشرفه وأنزل فيه القرآن الكريم، واختار هذه الأعياد فجعلها مواسم للخير وإظهار النعمة وإظهار التوحيد، واختار من الأمكنة المساجد التي أضافها إلى نفسه إضافة تشريف، واختار من المساجد ثلاثة عظمها وعظم  حرمتها وقدسها، وهي المسجد الحرام الذي بمكة والمسجد النبوي الذي بالمدينة والمسجد الأقصى الذي بمدينة القدس.

وإن المسجد الأقصى وهو قبلتكم الأولى ومسرى رسولكم الكريم صلى الله عليه وسلم، ومكان عقد المعراج له إلى السماء ومكان عقد الإمامة له على سائر الأنبياء، ومكان خروج أميركم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، لم يخرج غازيا من المدينة بعد توليه الخلافة إلا مرة واحدة لاستلام مفاتيح القدس، ومكان الدماء الطاهرة من الشهداء عبر الأجيال الذين دخلوا تلك الأمصار كلها وفتحوها تبليغا لدين الله سبحانه وتاعلى  وردا لعدوان المعتدين ونصرة للمستضعفين.

وهذا المكان هو الذي تهاجرون إليه في آخر الزمان، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنها تكون هجرة بعد هجرة ويوشك أن يكون خير مهاجركم مهاجر أبيكم إبراهيم عليه السلام)، تهاجرون عندما ينزل المسيح بن مريم، وسينزل حكما عدلا في آخر الزمان كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لينزلن المسيح ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير، ينزل بين مهرودتين عند المنارة البيضاء شرقي دمشق يمينه على ملك وشماله على ملك، إذا رفع رأسه تحدر منه مثل الجمان وإذا طأطأه تقاطر كأنما خرج من ديماس، لا يحل لكافر أن يجد ريح نفسه إلا ذابَ كما يذوب الملح في الماء، وإن نفسه ليبلغ ما يبلغ بصره).

هذا سلاح الدمار الشامل أيد الله به نبيه عيسى بن مريم الذي امتن به على هذه الأمة، فقد قال سبحانه وتعالى: {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه، ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة}، فقال: {أفمن كان على بينة من ربه} وهو محمد صلى الله عليه وسلم، والبينة كما تعلمون عرفها الله تعالى في سورة البينة هي هذا الكتاب المبين الذي أنزل على رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، {و يتلوه} أي يتبعه مصدقا به، {شاهد منه} أي من أتباعه وأمته وهو المسيح بن مريم عليه السلام، {و يتلوه شاهد منه ومن قبله} أي من قبل ذلك الشاهد {كتاب موسى إماما ورحمة} وهذا تعريف لعيسى بتعريف لا يقبل الغلط ولا التبديل. إنه امتنان من الله عليكم بأول الأمة وآخرها، وامتنان عليكم بهذه النعمة العظيمة.

ثم اعلموا أن المسجد الاقصى المبارك تحديد التهديد الآن والضرب والتدنيس،

ومازال الصهاينة المعتدون يدنسونه ويتآمرون عليه.

ومازال يتآمر معهم عملاؤهم المتصهينون في العالم الإسلامي وبالأخص في العالم العربي.

ومازالت الجراح تزداد كذلك في أرض فلسطين المباركة التي بارك الله فيها وفي أهلها.

ومازالت الجراح كذلك تشتد في بلاد الشام في سوريا وفي اليمن أرض العروبة ومنبعها، وبلد الحكمة والإيمان، وفي مصر أرض الكنانة، وفي غيرها من البلدان ومنها بلد السودان الذي أزيلت هويته واعتقل خيار أهله وكل ذلك بمؤامرات الأعداء في الخارج والخارج.

وتعلمون قبل ذلك ما أصاب العراق مكان قوة هذه الأمة وأرض عصائبها، وما أصاب غير ذلك من الأمصار، وكله تهيئة لمحاولة إزالة المسجد الأقصى من الوجود. لكن هذه الأمة حية لا تموت، وقد شاهدتم ما قامت به المقاومة من بذل جهد ولوكان ضعيفا ولكنه على مستواها هو رأس الحربة لهذه الأمة، وهو آية من كتاب الله كذلك فإن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: {و إذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب، إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم}.

فاجتهدوا في الدعاء والمواساة وبذل المال وما تستطيعون لإخوانكم ولأنفسكم فأنتم مخاطبون كما  هم مخاطبون ولكنهم أتيحت لهم الفرصة البذل أكثر منكم، ولكن الخطاب واحد والتكليف واحد والسؤال واحد، وأنتم جميعا مسؤولون بين يدي الله معروضون عليه موقوفون بين يديه يوم القيامة {يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية}، {و لو ترى وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا}.

كل إنسان منكم يسأل عن العهد {إن العهد كان مسؤولا}، والعهد الذي في أعناقكم جميعا بيعة أخذها الله منكم لا يستطيع رجل منكم ولا امرأة أن يتنكر لها فقد أثبتها الله في التوراة والإنجيل والقرآن وقال فيها: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم}.

شرع الله لكم أن تضحوا وتبدلوا ويتقبل هو ذلك بالمضاعفة فإنه قال: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم}.

واجتهدوا في النجاة لأنفسكم عند العرض عليه والوقوف بين يديه، وتذكروا قول رسولكم الكرم صلى الله عليه وسلم: (إنكم ملاقوا الله حفاة عراة غرلا مشاة كما بدأنا أول خلق نعيده، وعدا علينا إنا كنا فاعلين). وتذكروا قول ربكم جل جلاله سبحانه وتعالى : {و تركتم ما خولناكم وراء ظهوركم، وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء، لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون}. وتذكروا قول نبيكم صلى الله عليه وسلم: (يقوا ابن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو قدمت فأمضيت)، ويقول: (إذا مات ابن آدم صحبه ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله ويبقى عمله)، فاجتهدوا أن تقدموا خيرا لأنفسكم تجدونه بين يدي الله .

وتذكروا أن الله يناديكم إلى ذلك نداء كريما فيقول سبحانه وتعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط}، فهو يقبض وذلك شامل لقبضين:

لقبض الصدقات وما يقدمه الإنسان، فإن الجبار جل جلاله يقبضها بيمينه كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وما تصدق امرؤ بعدل تمرة من كسب طيب إلا كان كأنما وضعها في يمين الرحمن، فلا يزال ينميها له كما ينمي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون كالجبل).

والقبض الثاني هو التضيق في الأرزاق، وهو تنبيه إلى أن ما لديكم كله من الله سبحانه وتعالى. والبسط كذلك هو بسط في التوفيق للخير وبسط في الزرق والسعة، وكل ذلك من بسط ربكم القابض الباسط سبحانه وتعالى. وإنه سبحانه وتعالى تعهد بالخلف فقال: {و ما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين}. الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.

الخطبة الثانية

الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله وأكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيرا والحمد كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا. الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشانه. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وإخوانه. عباد الله،

إن الله سبحانه وتعالى شرع لكم في هذا العيد ثلاثة أمور:

الأمر الأول: الإفطار فيه، فقد حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم صيامه. والأمر الثاني زكاة الفطر وهي زكاة فطًرنا وما فطرنا الله عليه من السمع والبصر والجوارح وهي صاع من طعام يخرجه المسلم عن نفسه وعن كل من يمونه من المسلمين من صغير أو كبير، وهي واجبة على الراجح على الغني والفقير، وعلى كل من يستطيع أداءها من غير إجحاف. ووقتها الأفضل هو ما كان قبل هذه الصلاة، بينها وبين صلاة الفجر ولكن هذا اليوم كله وقت لأدائها. يخرجها الإنسان طيبة بها نفسه يريد بها سد ما عسى أن يكون في صيامه من النقص والتقصير، فتكون تكميلا لرمضان. وكذلك هي صدقة عن فطرته وعن بدنه، وهي توسعة على إخوانه، وتحقيق لمسؤوليته الاجتماعية.

وقد اختلف العلماء في إخراجها من أي الاجناس، فلا شك أن إخراجها من الحبوب من المعشرات المقتاتة من غالب القوت هو الذي كان موجودا في الصدر الأول، ولذلك في حديث ابن عمر: (فرض رسول الله صلى لله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من طعام). ولكن الطعام في ذلك الزمان كان ذا جانبين: كان يستعمل سلعة ويستعمل ثمنا، فيمكن أن يشترى به اللباس ويمكن أن يشترى به ما يحتاج إليه الفقير، ولم يعد ذلك موجودا في هذا الزمان، فلذلك اختلف العلماء في إجزاء غير الطعام، فذهب أبو حنيفة وأشهب من المالكية والبخاري وعدد من الأئمة إلى إجزاء النقود وغيرها مما يحتاج الناس إليه بدل الطعام. وذهب بعض الأئمة إلى أن الطعام إذا كان غير أنفع منه للفقراء فإن المقصد الشرعي مقدم في ذلك، فلهذا إذا احتاج الفقراء إلى النقود واللباس يقدم لهم ما يقابل ذلك، واختلف في هذا المقابل هل المطلوب فيه مسد الصاع أو مكيلته، أي ما يسده الصاع للناس، وهذا يرجع إلى الثمن، أو مكيلته على قدره.

وعموما أفتى عدد من العلماء بأنه عند الحاجة، إذا احتيج إلى نقلها مثلا فيكون الأفضل أن تكون نقودا. وهذه الفتوى في الأصل لشيخ الإسلام ابن تيمية وأخذ بها عدد من العلماء. فإذا أردتم إخراجها لأهل غزة أو لإخوانكم المحاصرين في أماكن شتى من العالم  فيمكن إخراجها إلى المؤسسات الخيرية والجمعية  نقودا وهي تصرفها وتوصلها إلى المستحقين. ولا بأس أن يخرجها الرجل مرتين، أو يخرجها هنا ويخرجها فلسطين أو في غزة. فقد وسع الله عليكم فوسعوا على أنفسكم، واجتهدوا في الأعمال الصالحة كلها.

والأمر الثالث الذي شرع لكم في العيد هو أن تظهروا نعمة الله عليكم بما أنعم به عليكم من اللباس وأن تتذكروا أن الله هو الذي أطعمكم وسقاكم وكساكم وكفاكم وآواكم ممن لا كافي له ولا مؤوي. وقد أنعم الله سبحانه وتعالى بهذه النعمة وامتن بها على قريش فقال: {لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمه من جوع وآمنهم من خوف}. وبين أن من الأمثلة التي ضربها في كتابه الذين لم يأخذوا بهذه النعم ولم يقيدوها بشكرها فابتلاهم الله فيها، فقال سبحانه وتعالى: {ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون}. ثم اعلموا رحمني الله وإياكم أنه يشرع لكم في هذا الشهر الكريم صيام ستة أيام منه تكون تكميلا لرمضان فإن الحسنة بعشر أمثالها، ورمضان بثلاثمائة يوم لأنه ثلاثون يوما وكل يوم بعشرة أيام، وبعد ذلك بقي من السنة ستون يوما فإذا صمتم ستة أيام من شوال فإن ذلك يكون كصيام السنة.

وقد أرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إردافها برمضان أي أن تكون ردفا له في هذا الشهر الكريم، سواء كانت متتابعة أو كانت متفرقة. وسواء كانت في أوله أو وسطه أو آخره. لكن من المهم أن يحافظ المسلم على صيام هذه الأيام الست تكميلا لصيامه في  رمضان.

وتذكروا كذلك أنكم من اليوم دخلتم موسما جديدا من مواسم العبادة هو موسم الحج الكريم، فإن الله قال في كتابه: {الحج أشهر معلومات}، وهذه الأشهر ثلاثة هي شوال وذو القعدة وذو الحجة.

وهذا امتنان من الله سبحانه وتعالى وفضل، كلما خرجتم من موسم عظيم دخلتم في موسم عظيم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لكم في صيامكم وقيامكم وطاعاتكم، وأن يعيد عليكم رمضان سنين كثيرة ويوفقكم للطاعات ويرزقكم القبول. وأن يجعل أيامكم كلها أعيادا بالطاعات والمسرات. وأن يطيل أعماركم أجمعين في طاعته. وأن يرفع عنكم هذ الوباء والرجز وأن يرفعه عن المسلمين أجمعين.

اللهم إنا نسألك من فضلك، ونسألك أن ترفع هذا الوباء والرجز عن أهل الأرض أجمعين. اللهم إنا نسألك أن تطهر المسجد الأقصى من رجز اليهود، وأن تخرجهم منه صاغرين مهزومين. وأن ترزقنا فيه صلاة قبل الممات محررا يا أرحم الراحمين. اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل المسلمين. اللهم انصر المجاهدين في  سبيلك الذين يجاهدون لإعلاء كلمتك في كل مكان، وثبت أقدامهم وسدد سهامهم وانصرهم على أعدئك وأعدائهم. اللهم ثبتهم وسدد رميهم، واجمع على الحق لقوبهم وانصرهم على عدوك وعدوهم.

اللهم عليك بأعدائك أعداء الدين فإنهم لا يعجزونه. اللهم قاتل كفرة أهل الكتاب الذين يحاربون أولياءك ويكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك. اللهم أنزل بهم المثلاث وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، وأرنا فيهم عجائب قدرتك وسريع عقوبتك. اللهم غير رأيهم وشتت شملهم واقتل صغارهم وكبارهم وسلط بعضهم على بعض. اللهم أخرجهم صاغرين مهزومين وائتهم من حيث لا يحتسبون.

اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد القوم المجرمين. عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعضكم لعلكم تذكرون. وأخواتي في مثل هذا اليوم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة العيد فظن أنه لم يُسمع النساء، فتوكأ على بلال  فوقف على النساء فوعظهن وقال: (يا معشر النساء اتقين الله فإني رأيتكن أكثر أهل النار، قيل يا رسول الله أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خير قط)، فبادر النساء إلى الصدقة ووضع بلال ثوبه، فجمع فيه ما تصدق به النساء. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منكم أجمعين، واعلموا أن السنة أيضا في الانصراف أن تنصرفوا من غير الطريق الذي جئتم منه.

بارك الله فيكم  ووفقكم وسددكم. الله اكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد. والسلام عليكم ورحمة الله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.