منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تأملات في سورة الشعراء

محمد فاضيلي

0

سورة الشعراء مكية إلا بضع آيات منها نزلت في المدينة ومنها آية الشعراء التي اختتمت بها السورة، والتي يقول فيها الله تعالى” والشعراء يتبعهم الغاوون” والتي خشي شعراء الصحابة من أهل المدينة ومنهم حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة،على أنفسهم منها، فأنزل الله تعالى في حقهم الاستثناء بقوله:”إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا” ليبين أن الشعر ليس مرفوضا لذاته، بل لما تضمنه من كذب وبهتان وسب وشتم وصد عن الله والدعوة إليه ومحاربة للرسول وأتباعه..

وهنا يتبادر للذهن سؤال عن سبب التسمية ويتبين مغزى إيراد ذكر الشعراء مع الأقوام الغاوية السابقة، فكل يصد عن ذكر الله ويحارب الرسل ويغوي الناس ويكفهم عن سماع الحق واتباعه، وقد بلغ الشعر قمة تألقه وجهالته وغوايته في الجاهلية، وافتتن الغاوون به وببلاغته وجمال نظمه وعبقرية وفحولة منتسبيه ورواده، وبات الشعرإعلام زمانه ولسان القبيلة وسيفها البتار، يدافع عن الحمى ويذكر بالأمجاد والبطولات، ويلبس الناس ما ليس فيهم من مكارم ومحامد، وينزع عمن يخالفه المجد والرفعة والسؤدد، يرفع الذليل ويحط من قدر العزيز، لأجل ذلك لم يعلم الله تعالى رسوله الشعر“وما ينبغي له” لكنه غلب الشعر بقرآن يتلى إلى يوم الدين. قرآن “لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه”  قرآن  ” له حلاوة وعليه طلاوة، مثمر أعلاه مغدق اسفله، يعلو ولا يعلى عليه”..

نزلت السورة في بداية الدعوة الجهرية، إذ يقول الله تعالى فيها”وأنذر عشيرتك الأقربين”

والغالب عليها هو القصص/ قصص الأقوام السابقة التي كذبت الرسل فكان عاقبتها الهلاك والعذاب والدمار، لتكون بلسما وتسرية وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وجبرا لخاطره وشفاء للجراح والآلام والأحزان، أحزان الهجر والتكذيب والمحاربة والاتهام بما لا يليق بشخصه الكريم الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه: قصة موسى وابراهيم ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام جميعا مع أقوامهم..معقبا على كل قصة بأن الله هو الغالب وهو القاهر للعصاة العثاة، لكن مع غلبته وسطوته، فهو رحيم بعباده الصالحين، فيقول:“إن في ذلك لآية، وما كان أكثرهم مومنين، وإن ربك لهو العزيز الرحيم”

تبدأ السورة بجبر خاطر الرسول صلى الله عليه وسلم الرؤوف الرحيم بالناس جميعا، الحريص على إيمانهم، الباخع نفسه والقاهرها والقاتلها، المتألم لعدم استجابة قومه لدعوته، وتسريته بذكر قصص الرسل وأقوامها العاصية التي سبقته، وما لقيته جزاء تكذيبها الرسل، مؤكدا على أن الله تعالى قادر على إرغامهم على الإيمان إن شاء، فيقول:”إن نشأ ننزل عليهم آية فظلت أعناقهم لها خاضعين” مذكرا إياه أن الأغلبية تنفر من الإيمان بالله والبعث وترفض تصديق الرسل واتباعهم”وما ياتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين”وتزيغ عنه إلى الهوى والغواية..

المزيد من المشاركات
1 من 25

لكن الله تعالى يريد لهم الإيمان القلبي والاعتقاد العقلي الخالي من كل إكراه، وإن كان غالب الناس يتبعون الغواية والغاوين..

الغالب على القصص، وهذا استثناء في القرآن الكريم، هو أسلوب المحاورة للمخالف، بالحجة والإقناع العقلي، والتعليم والدعوة بالحسنى والكلمة الطيبة والأدب الحسن، وفي ذلك تعليم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولمن بعده من الدعاة، فعن موسى عليه السلام، قال:“قال فرعون وما رب العالمين، قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين…الآية”

وإبراهيم عليه السلام “إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون، قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين، قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أويضرون، قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون، قال أفرايتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين…الآية”

ونوح” إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون إني لكم رسول أمين، فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من إن أجري إلا على رب العالمين..الآية”

وهنا نقف مع كلمة رددها كل الرسل حين قالوا لقومهم:“وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين” فالدعوة تكون لله ومن الله وبالله وعلى الله وإلى الله، لا مطمح للدعاة في مكسب دنيوي ولا منصب ولا جاه، ولا أجرأو شكر، إنما أجرهم عند الله سبحانه، الذي يجزي بغير حساب..

مع تذكير الأقوام بأعمالهم السيئة حتى يتجنبوها، كما قال عاد عليه السلام:“أتبنون بكل ريع آية تعبثون، وإذا بطشتم بطشتم جبارين”

ولوط قال:“أتاتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم، بل أنتم قوم عادون”

مقالات أخرى للكاتب
1 من 81

وشعيب قال لقومه:“أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين، وزنوا بالقسطاس المستقيم، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين”

لتنتهي السورة بتذكير الرسول صلى الله عليه وسلم بوجوب توحيد الله عز وجل والتوكل على العزيز الرحيم، المطلع على كل أحواله، ودعوة عشيرته الأقريبين، ثم باقي الناس، بالرحمة واللين وخفض الجناح للمومنين، فإن تولوا فالله تعالى كفيل بهم، يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء ويرحم من يشاء وهو العزيز الرحيم:“وأنذر عشيرتك الأقربين، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين، فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون، وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين، إنه هو السميع العليم”

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.