منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الرمزية الأخلاقية في الحكاية الشعبية. ووظيفتها في التنشئة الاجتماعية «جرادة مالحة» نموذجا

حنان ركيك

0

 

الحكاية نص إنساني يحمل القيم والعبر والعظة والحكمة، ويرسم طريق الفرد إلى الصواب والحق بصوره ترفيهية، تجعل الفؤاد يأنس والعقل ينضج والخيال يتسع والإبداع يتفجر.
قد يستغرب البعض هذا القول على اعتبار أنه لا يرى فيها إلا وسيله للتسلية والترفيه خاليه من الجوهر والقيم والمغزى، وهذا حكم مجحف في حق هذا التراث الحضاري الذي تناقله أجدادنا من جيل إلى جيل، أجداد في شيبهم وقار واطمئنان، وفي عقلهم مجمع حكمة السنين، وفي سلوكهم منهج حياة ورؤية متأنية.
ومن جهة أخرى يتناسى البعض أن الحكي أسلوب حياة، لا يقوم التواصل إلا به، ومرتكزا مهما في علم الخطابة الذي يعتمد الحكايات والقصص وسيلة للإقناع والاستدلال والتأثير.
هذا بالإضافة إلى أن الخطاب القرآني وظف أسلوب الحكي في سرد قصص حقيقية باهرة غنية بالغرابة والإعجاز والخوارق، سلبت عقول الفئات الاجتماعية المثقفة والعامة بأسلوبها ومعانيها التي تبث العبر والحكم، وتوجه وترشد الكائن البشري إلى المثُل وترفع مقامه إلى الإيمان بالغيب والإعجاز، غير أن القصص القرآني ليس عملا فنيا متخيلا كالحكاية، ذلك «أن القصة في القرآن الكريم حقيقة لا خيال أي قصص القرآن ما هي إلا الحقائق التاريخية تصاغ في صور بديعة من الألفاظ المنتقاة والأساليب الرائعة».
لذا لا يستطيع المرء المسلم إنكار القضايا القرآنية ذات البعد الحكائي سواء تلك التي انطوت على توظيف السحر أو التي صورت كلام سيدنا سليمان عليه السلام مع الحيوان وتسخير الجن له، ونجاة سيدنا إبراهيم عليه السلام من النار…هذه الخوارق والمعجزات الخاصة بالأنبياء وإن حاول البعض نقضها أو إنكارها بحجة عدم معقوليتها، فإن استدلالات الواقع والكون تدل على وجود أشياء بسيطة حولنا لا تخضع لمنطق العقل وما زال الإنسان عاجزا عن الكشف عنها، «ومهما كانت درجة العقلانية في هذه التعليلات فهي تحتوي على معنى الغائب الذي يحاول الإنسان أن يستحضره في كليته وضبابيته المكثفة».

إن الحديث ليس الغرض منه إنزال الحكاية منزلة الواقع بقدر ما هو كشف عن رمزية الحكاية في علاقتها بالمرجعية المؤطرة لأغراضها وأحداثها وخوارقها المتخيلة، ورصدا للأبعاد الاعتقادية التي ولدها إيمان الأجيال السابقة بمعجزات الأنبياء والملائكة والشيطان والغيب… فاستمد العقل البشري تلك الأيقونات والشخصيات الخارقة في خلق نموذج سردي تناقلته الأجيال عبر التاريخ لتستأنس به من جهة ولتثبت القيم الإنسانية و»العقائد والتصورات، التي تسعى الحكاية إلى تأکيدها» من جهة أخرى.

ثم إن تناقل الحكاية الشعبية من جيل إلى جيل، وجعلها في حقبة ما نموذجا لأسمار الليالي، وصمودها القوي أمام تغيرات الاجتماعية الجارفة لن يكون لعبثيتها وانعدام جدواها، بل لأنها مست جوانب الإنسان الفكرية والمعرفية والجمالية والتخيلية والقيمية والخلقية والاعتقادية.
وقد يقصر البعض دورها على الأطفال دون الكبار أو على العامي دون المثقف في محاولة لتبخسيها، لكن ما إن يحتك بها حتى يجد نفسه مشدودا إليها، مبهور بمغزاها وأسلوبها الشيق القريب إلى الفهم البعيدة عن التعقيد، وقد لا يرى أثرها على ذاته إلا بعد توالي سماعها فيكتشف عندئذ نضجه الجمالي والتخيلي والفكري والإبداعي والأخلاقي المنبثق منها، وكأنها نقطة ماء في أرض قاحلة، لكن مع توالي القطرات تثمر جنة خضراء يعشقها الناظر ويستفيد منها صاحبها والمجتمع.

تنزيل نسخة معدلة ذات جودة عالية لمجلة منار الهدى العدد التاسع عشر

ويسعى هذا العمل إلى الإجابة عن إشكالية الوظيفة الأخلاقية للحكاية، الشعبية في التنشئة الاجتماعية؟ هل يمكن أن تكون الحكاية وسيلة من الوسائل التي تستطيع الإسهام في التنشئة الاجتماعية؟ وهل تنطوي الحكاية الشعبية على قيم أخلاقية؟
ولذلك، ستحاول هذه الورقة البحثية تسليط الضوء على الرمزية الأخلاقية مقتفية دور الحكاية في بناء الفرد اجتماعيا وتنشئته تنشأة سليمة بواسطة خطاب مليء بالقيم الأخلاقية الذي سنكتشف إيقوناته ودلالاته الرمزية من خلال نموذج من التراث المغربي.
ولكي لا تبقى الورقة في سماء النظر والتصور ستحاول الاشتغال على نموذج حكائي مغربي مشهور في الأوساط الاجتماعية المغربية تناقلته الأجيال، وتسامرت به الجدات مع الأحفاد والأمهات مع الأبناء، وهو متن «جرادة مالحة»
وقد اقتضت المعالجة المنهجية تقسيم للورقة العلمية إلى عناصر ثلاثة:

أولا: الحكاية والتنشئة الاجتماعية.
ثانيا: البعد الأخلاقي في الحكاية الشعبية.
ثالثا: الرمزية الأخلاقية في الحكاية الشعبية « جرادة مالحة» نموذجا.

أولا: الحكاية والتنشئة الاجتماعية.

إن ارتباط الحكاية الشعبية بالجماعة والبيئة الاجتماعية جعل منها نبعا أساسيا يخدم مصالحها ويوفر لها ضوابط قيمية سواء على المستوى الاجتماعي أو التربوي والأخلاقي والتعليمي، ويحميها من الانجراف والانحراف عن المسار العام «لأنها عبارة عن سرود تنتجها طبقات الشعب وتجتر قيمها باستمرار وتتوارثها وتحافظ عليها حتى تضمن لها البقاء وتساعد تجاوز قساوة الظروف التي تعيش فيها».
ولذلك يصنف البعض الحكاية الشعبية في دائرة وسائل التنشئة الاجتماعية ويعتبرها « عاملا مساعدا في تكوين الشخصية» وحقلا واسعا لزرع القيم الأخلاقية، ورافدا مهما في نشرها وترسيخها، ومعلمة أساسية في بناء الفرد والجماعة بناء قويما، ومختبرا تتفاعل فيه مقومات الدين والمعتقدات والتقاليد والأعراف، لتثبت صلات الإنسان بذاته ومجتمعه وبيئته.
ولعل الصورة النمطية التي ترسخت في العقل الباطني لهذا الجيل، هي تلك الحلقة التي تجمع الأحفاد والجدة الراوية المبدعة، صوره تم افتقادها في ظل الأسرة النووية وكثرة وساءل الترفيه والتسلية لكن لهفة الصغار على الحكاية مازالت حاضرة في ظل هذه التغيرات الاجتماعية، ويرجع أحمد مدكور سر هذا الميل إلى أن الحكاية «تحمل إلى الطفل معاني وصورا جديدة من الحياة والحوادث لا يجدها في بيئته ولذلك فهي مصدر من مصادر إشباع رغبته في المعرفة».
مما بجعل إدماج الحكاية الشعبية في التنشئة الاجتماعية أمر ضروري وملح لأن نصوصها تقدم تجربة إنسانية محملة بالعبر والدروس الرامية إلى تكييف الفرد داخل المجتمع، وتوريث القيم الإنسانية بطريقة يسيرة وسهلة في الولوج إلى العقل الباطني للفرد، تخاطب بأحداثها المتراكبة والمتداخلة العاطفة والفكر والمتعة. ولها قدرة على «استبدال الجانب البيولوجي بأبعاد اجتماعية وثقافية لتصبح هي الموجهات الأساسية لسلوك الفرد في المجتمع».
فالحكاية تستقطب المتلقي وتسلب فؤاد القارئ والمستمع بأسلوبها البسيط وأحداثها الشيقة التي تحقق المتعة والتسلية للفرد، لكنها تحمل في طياتها أسلوبا اجتماعيا «هدفه الإصلاح والتقويم والتوجيه والمرونة في مجال الحياة العامة، لذا نجد فيها النقد اللاذع والسخرية أو الإقناع بحقيقة الواقع الأليم»، والتأسيس للمواقف الرافضة للظلم الاجتماعي والسياسي، والثتبيت للقيم الإنسانية الايجابية وتربية النفس على النفور من القيم السلبية، والتشجيع على التمييز وأخذ المبادرة والثقة بالنفس والقوة والشجاعة، وهي صفات غالبا ما تمييز شخصية البطل في الحكاية الشعبية؛ والذي لا ينحسر دوره في إدارة الأحداث وتكثيفها، بل هو موجه أساسي لعقل المتلقي من خلال حمله على تقبل جملة من المبادئ والقيم وتهيئه إلى التضامن النوعي معه.
ولذلك ليس غريبا أن تكون الحكاية آلية من آليات التنشئة الاجتماعية ووسيلة تربوية لها فلسفتها الخاصة في بناء الفرد والمجتمع، «فهي خلق فني يتميز بالقدرة على استيعاب المخيلات، والوعي بالوسط الذي تترعرع فيه متوسلة بالسرد المباشر الممتع والمؤثر».
وقد يزخر الخطاب الحكائي بكم هائل من القيم الأخلاقية التي تكرس سلوكيات إيجابية للفرد والمجتمع وتنفر النفس الإنسانة من كل السلوكيات السلبية لتحقيق نظام اجتماعي متوازن، ولتعزّيز المنهج التربوي والتعليمي للجماعة، كما تعكس تفاصيل العلاقات الاجتماعية ونزاعاتها حول الدين والأخلاق والمعتقدات والأعراف والتقاليد والقيم وكل ما يشكل بنية مشتركة داخل الجماعة، فالإنسان يكتسب مثلا القيم من ثقافته ومن خلال دخوله في علاقات اجتماعية، لذا نجد كل مجتمع يتعامل مع قيمه بموجب قانون الجماعة والعرف، لأنه وإن كانت القيم ثابتة في عمقها وجوهرها فإنها تخضع لتغيير ظاهري في طرق ممارستها داخل كل المجتمع.

ثانيا: البعد الأخلاقي في الحكاية الشعبية.

يطفو سؤال الأخلاق عادة على الإبداع الفني والجمالي في محاولة جادة لتأطير الإبداع أخلاقيا ودينيا من جهة، وفي اعتبار الإبداع ملك جماعيا لا ينحصر تأثيره على الفرد فقط من جهة أخرى؛ لذلك يسمو الإبداع المحقق للمصلحة والمنفعة العامة.
والحكاية الشعبية إبداع جماعي يسطر بدلالاته البسيطة وبطولاته الخارقة طريق يجمع بين روح الجماعة والمثل الأخلاقية، فلا سبيل إلى تمرير سلوك منبوذ داخل الجماعة، «حيث التفاعل البيني يشكل الضمير الجمعي الذي يحرس القيم والأخلاق وبصوغ وجدان الأفراد»، بكيفية مسلية وشيقة لكن هدفها ووظيفتها الأساسية «تمرير القيم والمثل الاجتماعية إلى الناشئة لاجترارها من جديد في حلقات محكمة من التواصل الشفاهي الذي يلهب الذاكرة والسماع»، مما يرسخها في الذاكرة ووجدان الأمة.
إن القراءة الأخلاقية للحكاية الشعبية تقوم بنيتها على عنصريي التقابل، خاصة من خلال ثنائية الخير والشر التي تعتبرها نبيلة إبراهيم جوهر الحكي وتصلح أن تكون «معيارا لتمييز بين حكاية وأخرى، فكلما بالغت الحكاية في قهر القوي الشريرة للبطل، كان البطل الخير أكثر روعة وجاذبية والعكس صحيح»، فعادة ما نجد النص الحكائي يعالج قضية الخير والشر بطريقة فنية، توصل الفرد إلى الغايات الظاهرة أمامه بشكل رموز دلالية تعلي من شأن الخير وتبخس من شأن الشر الذي يؤدي إلى أسوء العواقب.
ولذلك فإن كثيرا من الحكايات الشعبية تتضمن صراعا بين قوى الظلم والعدل، والخير والشر الذي تتفرع عنها قيما عديدة، سواء كانت ايجابية كالعدل والحرية والمساواة والإخاء والصدق.. أو سلبية كالكذب والنفاق والعنصرية والمكر الحسد…
وتعتمد الحكاية أسلوب الترميز في بثها للمعالم الأخلاقية ومناظرتها للواقع بنزعاته الإنسانية، بالتركيز على حدث مركزي معين وبشخصيات محدودة، لكن آليات الأحداث الفرعية بخوارقها الخرافية تحمل من المعاني الرمزية ما ينقل الحكاية من السطحية والبساطة التي ينخدع بها القارئ العابر إلى التعقيد الرمزي الذي يعجز القارئ بأسراره العميقة ورسائله المشفرة فبقدر «ما يكشف للإنسان عن الحقائق الكونية يظل مسدلا على هذه الحقائق غطاء شفافا ليكشف أشياء ويخفي أشياء»، وهنا لا تنكشف الطاقة الرمزية التي تختزنها الحكاية إلا من خلال قدرتها على توجيه وضبط الذات الإنسانية نحو القيم الأخلاقية، حيث تبرز وظيفتها في التربية الأخلاقية والاجتماعية، فهي لم تهمل الواقع بل وظتفه جماليا ودلاليا في خطابها لترسيخ الخبرات والعبر والدروس.
وحتى لا يبقى حديثنا حبيس التنظير المحض، والكلام المشفر، فبإمكاننا استدلال على كثافة حضور القيم الأخلاقية من خلال نموذج سردي شعبي مغربي لنا احتكاك به ويكاد جل المغاربة مطلعين عليه وهي حكاية «جرادة مالحة».

ثالثا: الرمزية الأخلاقية في الحكاية الشعبية «جرادة مالحة» نموذجا.

مما لا شك فيه أن أخلاق الفرد تنعكس داخل المجتمع، فالآثار السلوكية كما يقول طه عبد الرحمان هي»بالذات المسمى الذي وضع لفظ الأخلاق للدلالة عليه»، فمن خلال سلوك الفرد المذموم أو المحمود يمكن الاستدلال عن القيم الأخلاقية التي يحملها.
وحكاية جرادة مالحة متن حكائي يضم شخصيات محدودة تؤطر بسلوكياتها الاجتماعية أحداث متعددة وتفرز قيما أخلاقية بأسلوب ترميزي بسيط ذو دلالات متشعبة وعميقة.
تبدأ حكاية «جراة مالحة» بمقدمة تعريفية لرمزي الخير والشر من خلال رصد الأوصاف المتناقضة لشخصيتين الرئيسيتين: «الصالحة» و»عاقسة»:

  • رمزية الصلاح

فرمز الصلاح «الصالحة» التي في حوزتها بستان تجود بخيراته على أهل قبيلتها بسخاء وإكرام، رسم شخصية ذات صورة اجتماعية ودلالات أخلاقية تحققت أولا في اسمها «الصالحة» الدال على الاستقامة وحسن الأخلاق، ثم في ما تعارف عليها الناس من كثرة جودها وسخاءها.

  • رمزية الشر

رمز الشر والعدوان يتجسد في شخصية «عاقسة» الساحرة العاقر التي ملكت الأرض والدنيا بسحرها، وكانت بغيضة وحسودة جمعت شياطينها قصد حرق بستان «الصالحة»، وهنا يتجسد الشر في فساد أخلاق «عاقسة» التي تحمل صفات سيئة تظهر في اسمها الذي يحيل على معنى الالتواء، ويحمل دلالة سلبية في الفكر الجمعي المغربي والذي يترجم عادة بالشمطاء والمرأة الشريرة، ولا ينحصر هذا الفساد في اسمها، بل هو متمركز في سريرتها الحاملة للبغض والحسد والسحر والأذى والسرقة والكذب التحايل والمكر.

  • رمزية الصراع بين الخير والشر

إن صراع الخير والشر صراع وجودي تتناثر من خلاله القيم الأخلاقية ونرى بوضوح داخل المتن الحكائي «جرادة مالحة» أيقونات هذا التصارع من خلال سلوكات «رمزية» متناقضة تعبر عنها المواقف اجتماعية «للصالحة» التي هي رمز الخير من خلال سمعتها الطيبة وبدلها وجودها وخدمتها لأهل قبيلتها حتى أضحت منارا أخلاقيا يحتذى به ومطمعا للحساد الذي سيؤذي إلى إنتاج صورة الشر التي تمثلها «عاقسة».
وقد تبلور هذان الرمزان ليشكلا الحدث الرئيسي للحكاية الشعبية، حيث اهتدت «عاقسة» لسرقة ابني «الصالحة»، التي وضع في الاختبار الصعب الذي يمس أمومة المرأة التي تحققت بعد طول انتظار، اختبار يضع الحكاية في سياق نسقي رمزي آخر له دلالات عميقة حمل في طياته العديد من القيم الاجتماعية والأخلاقية التي تؤطر المنظومة الفكرية الإنسانية منهجا وسلوكا، باعتبار «العقل الجماعي كنظام للقيم يوجه سلوك الجماعة، سلوكها الفكري الروحي، وسلوكها العملي»
في الحكاية قيد الدراسة يتحول الشر والفساد إلى رمز لإثارة الفتنة والفوضى، «فعاقسة» شريرة سارقة أينما حلت وارتحلت تجلب الويل والسخط للقبيلة التي أوت إليها، فبمجرد حلولها برحاب القبيلة الأولى أضحى سمكها يفسد بسرعة، وفي القبيلة الثانية كثر الخصام بين الأهالي بعدما كان السلام والأمن أهم سماتها، ولم يشهد القاضي الخصام والنزاع بين أفرادها، فجأة يتحول باب القاضي إلى طوابير متنازعة، مما سيثير الدهشة ويدفع إلى البحث عن الأسباب الفتنة.
وهنا تظهر قوة الشر وسلطته التي لا تنحصر في ذات الفرد بل تتمدد ليصل أثرها إلى المجتمع، فكان الشر سبب الفساد في الأرض وإثارة الفتنة والنزاع والفوضى في المجتمع، ولذلك امتداد في الخطاب الديني بحيث تتأثر الجماعة بأخلاق الفرد.
إن الحكاية توصل مغزى مفاده أن ذات الفرد مهما استقلت عن المجتمع والجماعة، إلا أن أثر فسادها أو صلاحها ينعكس مباشرة على المجتمع بأكمله وصدق قوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.

  • رمزية العناية الإلهية

تبرز الحكاية رمزية العناية الإلهية التي يحف الله بها الصالحين والصادقين، فصدق سريرة «الصالحة» جعل العناية الإلهية تحفظ أموالها من سحر «عاقسة»، التي جندت جنود الخفاء من الجن والشياطين لإلحاق الضرر وحرق البستان الذي يرعاه الله بملائكته من كل سوء، فيتحول بذلك البستان إلى أيقونة للصراع اللامرئي بين الملائكة رمز الأمن والحفظ والمدد وبين الشياطين والجن رمز الأذى والسحر، بالإضافة إلى أن الله حمى البستان من الكوارث الطبيعية والتي تتجسد في هجوم الجراد على البستان حين تحول إلى غلة مالحة لا يستطيع الجراد التهامها.
كما تتجلى العناية الإلهية في حفظ ابني «الصالحة» بعد خطفهما رغم أن الشر يحيط بهما، وهما بؤرة النزاع الأصلي والحدث الرئيسي الذي دفع «عاقسة» إلى الفرار، ووضع «الصالحة» والأقوام المتضررة من شرها في صلب الاختبار الصعب، ففساد سمك القبيلة وخصام ونزاع القبيلة الأخرى ما هي إلا إشارة واضحة لعناية الله «بالصالحة» ضحية الحسد والبغض، العناية التي ستدفع السمك إلى الفساد والناس إلى النزاع ليصل الأمر القاضي؛ الذي يشكل بسلطته أيقونة حل العقدة.

  • رمزية العدل

على خلاف كثير من الحكايات التي تلجأ إلى الحيل والخطط لحل العقدة، حضر القاضي هنا برمزيته المعتادة لرفع المظالم وإحقاق الحق، وهذا ما انزل الحكاية منزلة الواقع وأضفى نوعا من الإقناع المنطقي والمعقول، إلا أن هذه الواقعية لم تكن خالصة بل ملفوفة بنسق ديني وخيالي حولت القاضي من مجرد وسيلة لتحقيق العدل إلى شخصية خارقة تضاهي سيدنا سليمان عليه السلام، باعتماده على وسائل خارقة تعلي من شأن سلطته وترفع مقام العدل إلى درجة تجعل العدل الحق لا يتحقق إلا في عهد الأنبياء.
إن القاضي في حكاية جرادة مالحة استعانة بالطير اسمه «الزرزور» رمز التحقيق والتقصي الذي يأتي بالأخبار للقاضي في محاولة لإسقاط البعد الديني لقصة سيدنا سليمان على الحكاية من أجل تعبئة طاقتها التأثيرية، وإعطاء قوة للخطاب الأخلاقي، واستنطاق العدل الذي تجند جنود السماء والأرض لتحقيقه.
كما يظهر العدل جليا في إحقاق الحق بواسطة السحر رمز العقاب بعد ما كان رمز الشر، وهو قوة لا ينفرد بها القاضي فقط بل هي من خصائص صفات الجانية المعتدية «العاقسة»، والقاضي اعتمد عليه كوسيلة للعقاب بتحويلها إلى جرادة، فصار السحر أنجع وسائل العدل على اعتبار أن «العاقسة» هي ساحرة أصلا وتوظفه في إذاء «الصالحة» المحفوفة بعناية الله، والحكاية هنا تشير إلى أن الأصل في العقاب أن يكون من جنس الشر، وهذا له من الدلالات المقاصدية ما يجعل العقاب محقق للتكافؤ، وليس وسيلة للجور والظلم فلو عوقبت من غير جنس العمل يكون العقاب أخل بقيمة العدل.
والحكاية لا تقدم السحر على أنه ميزة إيجابية، بل هي تقر أنه وسيلة للأذى سواء في توظيفه السلبي المتمثل في المحاولة الفاشلة للسحر الصالح والقضاء على بستانها أو في توظيف القاضي له كوسيلة لدرء فساد «عاقسة» وعقابها، فصفة الأذى لصيقة بالسحر حيث ما حل ووجد.
إن هذا النموذج يثبت مدى غنى الحكاية الشعبية المغربية بالقيم الأخلاقية، فإن كنا تطرقنا إلى قيمة العدل والصلاح أو الصدق والفساد عموما، فإن قيم الكذب والحسد والعنف والقيم أخرى مازال تختزنها هذه الحكاية، وسبب الارتكاز على هذه القيم فقط لأنها تشكل صلب مضمون الحكاية وجوهرها.
وعموما فإن عالم الحكاية الشعبية عالم يزخر بالقيم الأخلاقية الكامنة في أغوار هذا الموروث الشعبي البسيط، والذي طالما استصغره واستحقره الكثير، إلا أنه لقي اهتمام الدراسات الأدبية والاجتماعية التي استخرجت خصائصه وميزاته وأبرزت قيمه الإنسانية ودلالاته العميقة التي تناقلتها الشعوب.
وتظل الأخلاق كنزا إنسانيا وجب تثبيتها وغرسها في المجتمع بتوظيف الحكاية باعتبارها أحد أهم مختلف الأدوات التربوية والوسائل التعليمية، لإعداد النشء وتربية الفرد والجماعة، وعيا بدورها في التوجيه وإقرارا بأهمية أسلوبها في الاستيعاب وتقريب المعاني بطريقة مشفرة ترسخ في الذاكرة.


المصادر والمراجع:

  • القرآن الكريم.
  • الإنسان والكون في التعبير الشعبي، نبيلة إبراهيم، المكتبة الأكاديمية، مصر.
  • تدريس فنون اللغة العربية، علي أحمد مدكور، دار الشواف للنشر والتوزيع.
  • التوابين، ابن قدامة المقدسي دار ابن حزم، ط:1، 1424هـ/2003م.
  • حفريات في الموروث الشعبي المغربي مقاربات نقدية، محمد رمصيص، معهد الشارقة للتراث، ط:1، 2019م.
  • حكاية الشعبية المغربية بنيات السرد والمتخيل، محمد فخر الدين، دار نشر المعرفة، ط:1، 2014م.
  • الحكاية الشعبية، توفيق عزيز عبد الله، دار زهران للنشر والتوزيع، ط:1، 2013م.
  • سؤال الأخلاق، طه عبد الرحمان، المركز الثقافي العربي، ط1، 2000م.
  • الطفل والمجتمع، التنشئة الاجتماعية وأبعاد الانتماء الاجتماعي، علي ليلة، المكتبة المصرية، القاهرة، 2006.
  • العقل الأخلاقي العربي، الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، ط:1، 2001م.
  • القصص الشعبي بالمغرب دراسة مورفولوجية، مصطفى يعلى، شركة النشر والتوزيع المدارس، ط:1، 2001م.
  • القصص الشعبي في السودان، دراسة في فنية الحكاية ووظيفتها، عز الدين إسماعيل، الهيئة المصرية العامة للنشر والتأليف،1971م.
    مجلة، النداء التربوي، العدد 14/15 2005م.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.