منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الشعر السوري: الإبداع من رحم المعاناة..! حوار مع الطبيب الشاعر السوري الدكتور حسان أحمد قمحية

الشعر السوري: الإبداع من رحم المعاناة..! حوار مع الطبيب الشاعر السوري الدكتور حسان أحمد قمحية | حاوره: الأستاذ محمد فاضيلي

0
الفهرس إخفاء

الشعر السوري: الإبداع من رحم المعاناة..!

حوار مع الطبيب الشاعر السوري الدكتور حسان أحمد قمحية

حاوره: الأستاذ محمد فاضيلي

 

 لأحلامٍ نعيش فلا نراها … ويكفينا من الحلم السرابُ

إذا لم يحظَ مظلومٌ بعدلٍ … فخيرٌ من معيشته الترابُ

لا عشتُ إن مالأتُ يومًا ظالمًا … وجعلتُ صوتـي صامتًا متفرّجا

بدايةً أجدنـي عاجزًا كلّ العجز عن تقديمٍ يليق بهذه القامة العلمية والأدبية والفكرية السامقة، وهذه الشخصية الفذّة والـمرموقة والـمتميّزة والناجحة فـي عالم الشعر والطبّ والترجمة والنضال الأدبـي.

إنّه الطبيب والشاعر والـمفكّر والـمترجم والباحث والناقد السوري الكبير الدكتور حسان أحمد قمحية:

تمرّ عليّ أيّامي وتعدو … فلا أقتات إلّا ضيقَ عرقي

أقصّ على أُوَيْقاتـي حديثًا … أرتّق فيه فتقًا بعد فتقِ

وما لي عن سواه غير ذكرى … هي الذكرى على الأحلام تُبْقي

هي الذكرى حياةٌ فـي اغتراب … وطبٌّ من جراح البعد يُرْقي

فنامي يا ليالي الشوق إنّـي … إلى شام الهوى أعلنتُ شوقي

غزارة فـي التأليف وبراعة في النظم وحسّ إنسانـي مرهف وانتماء عروبـي ملحوظ وعشق للوطن ليس له حدود:

عجيبٌ أمرُ دنيانا فإنّـي … رأيت نعيمَها أخطا بلادي

حملتُ همومَها فـي رحل بعدي … فصار نحيبُها ماءً لزادي

اكتوى بنار الفراق وهجر الأهل والوطن، فهاج قلبه شوقًا واشتياقًا، واهتزّت نبضاته ألمًا على الخطب والكرب اللذين أصابا بلادَ الشام وفاق حجمهما كلّ الأحجام، وما عاد للقلب قدرة على الصبر والتحمّل، فسال مداده شعرًا رقيقًا نازفًا مجروحًا:

يا ثلجُ جئتَ تؤرّق الـمجروحا … لم يبقَ شبرٌ لم يَعُدْ مقروحا

أَتُراك تعرف أنّ أهلي شُرّدوا … قد أُشْبِعوا في العالمين نزوحا

تحتَ الخيام تجمّعت آلامُهم … وبنى سواهم مرقصًا وصروحا

أينَ الإخاء وأين أمّة أحمد!؟ … خذلانُها أضحى لنا مفضوحا

بانت عداوةُ قومنا واستحكمت … إِذْ أَبْدلوا تلميحَهم تصريحا

ولربّما يَلْقون كلّ سعادةٍ … يومًا يكون نجيعُنا مسفوحا

وقد ألهمه حسّه الوطني وهو يعانـي مرارة الاغتراب أن يهتدي للأدب الـمهجري جمعًا وتعريفًا وتقديمًا وتحليلًا.  يقول الدكتور ساري برازي:

“وقد جنح الدكتور حسّان منذ بضع سنوات للتركيز على الشعر الـمهجري السوري في الأمريكيّتين، وعكف على دراسته وجمع مصادره بشتّى الوسائل، فنجح في إعادة اكتشاف العديد من الشعراء المهجريين السوريين الكبار الذين لم يسعفهم الحظّ في تسليط الأضواء عليهم، فجمع دواوينهم، ثمّ أشبعها دراسة وتحليلًا، فكانت مؤلّفاته الرصينة إضافات بالغة الأهمية في عالم الأدب العربـي عمومًا والأدب المهجري خاصّة”.

يسرّنا في موقع منار الإسلام أن نستضيف الشاعر الشامي الكبير الدكتور حسّان قمحية للحوار معه حول تجربته الشعرية الفريدة وقضايا تهمّ الأدب والبحث والتأليف عمومًا.

1- الدكتور حسان أحمد قمحية، أهلًا وسهلًا بكم ضيفًا عزيزًا على موقع منار الإسلام.

يسعدنا أوّلًا أن تعرفوا روّاد الموقع على شخصكم الكريم وأهمّ الـمحطّات في حياتكم الشخصية.

طبيبٌ سوريّ، متخصِّص فـي الأمراض الباطنة، من مواليد مدينة حمص 1968 م. تخرّجت من كلِّية الطبّ البشري سنةَ 1992 م، والتحقتُ بتخصُّص الجراحة العامَّة، ثم عدلتُ عنه بعد بضعة شهور إلى تخصُّص الطبّ الباطني، وأنهيتُ دراستي فيه سنة 1997 م؛ كما درستُ سنةً كاملة فـي تخصُّص الصحَّة العامَّة. وافتتحت عيادةً بعدَ ذلك فـي ريف دمشق، قبلَ أن أغادرَ البلدَ سنة 1999 م للعمل فـي الـمملكة العربيَّة السعودية مديرًا طبّيًا لفرع الهلال الأحمر السعودي بالـمدينة الـمنوّرة، حيث بقيتُ فيها 6 سنوات، ثم عدتُ إلى مدينتي حمص. لكن ما لبثت أن ذهبتُ مرَّةً أخرى إلى السعودية بعدَ اندلاع الأحداث الدامية فـي سورية سنة 2011 م. وأعمل منذ ذلك الحين محرِّرًا ومشرفًا على الـمحتوى الطبِّي لـموسوعة صحِّية فـي جامعة الـملك سعود بن عبد العزيز للعلوم الصحّية. وقد وضعتُ وترجمت أكثر من 70 كتابًا فـي مختلف فروع الطب حتّى تاريخه، بعضها لصالح الـمكتب الإقليمي لـمنظّمة الصحة العالميّة في القاهرة وللمركز العربـي لتأليف وترجمة العلوم الصحّية بالكويت.

2- بعد هذا التعريف نودّ أن تحدّثونا عن تجربتكم الشعرية وصلتكم بالشعر والشعراء وأهم الشخصيات والمدارس الأدبية التي صنعت شاعريتكم الفذة.

بدأتُ بنظم الشعر منذ أكثر من 25 سنة، وكنتُ أنظم منه ما تيسَّر على مراحل متباعدة بحسب ما تتيح لي الظروف، لأنَّ عملي فـي الكتابة التي أستريح لها كان منصبًّا على الترجمة الطبِّية والتأليف. ولكن منذ نحو سبع سنوات تسارعَ نظمُ الشعر لديَّ في ظلّ الأحداث الـمحزنة التي عصفت بأرض الشام وبعض الدول العربية، ولـمَّا كَثُر ما نظمتُه جعلتُه فـي مجموعات شعريَّة صدر منها إلى الآن أربع (أبلغ من الصمت 2017 م، جرعة حزن 2018 م، مرايا الليل 2019 م، وعاد القمر 2020 م).

وأنا، ولله الحمد، من أسرة أدبيّة غلب على أفرادها حبُّ العربيّة وعلومها، ولذلك كانت كتب اللغة والأدب والنحو متناثرة بيننا، نتداول قراءتها ونتدارسها منذ الصِّغَر. كما أنّني من عائلة ملتزمة، حفّت بأبنائها وبناتها النفحاتُ الدينيّة التي شغلت حيّزًا مهمًّا من حياتنا، وقد جعلني ذلك أتحرّى فيما أنظمه من شعر البعدَ عن الشطط أو الولوج فيما لا يصحّ فـي ديننا وعقيدتنا.

أنظمَ الشعرَ عندما أجدُ نفسي مدفوعًا إلى الكتابة، ومعظمُ ما أكتبه من قصائد لا يتجاوز 15 بيتًا، لأنَّ الأمرَ عندي لا يَعْدو أن يكونَ أكثر من خواطر تَرِد على بالـي فأجعلها شعرًا، فأُوفَّق فيما أكتب منه أو لا أوفَّق؛ فالـمهمّ عندي إيصالُ الفكرة التي تدور برأسي، ولذلك أجعلُها فـي مقالةٍ قصيرة أو طويلة أحيانًا، عندما لا يُسْعفني الشعرُ لأعبِّر عمَّا أريد.

الشعرُ عندي ليس صورًا وخيالًا وانزياحًا وأسلوبًا فقط، وإن كان ذلك أجملَ الشعر، فمِنَ الشعر ما يعبِّر به الـمرءُ عن حالةٍ وجدانيَّة معيَّنة أو فكرة أو رأي بأسلوبٍ مباشر، فبدلًا من أن يخطَّ ذلك نثرًا يجعله شعرًا إن قدرَ عليه. لقد كان الشعرُ فيما مضى من زمنٍ قديم وسيلةً من وسائل التعبير وأسلوبًا إعلاميًا للوصول إلى الـمجتمع والناس، كان أداةً ولم يكن هدفًا.

وبما أنَّ الشعرَ ديوانُ العرب، فهو يسجِّل حوادثَ أيَّامهم وأحداث تاريخهم ووقائعَ أفراحهم وأتراحهم؛ ولذلك أقول على الدوام ليست وظيفةُ الشعر أن يقتصرَ على التَّحْليق بالصور والأخيلة والأسلوب فقط، بل له وظائف أخرى، ثقافية وتاريخيَّة وإعلاميَّة وربَّما غير ذلك.

أميل فـي نظم الشعر إلى مدرسة الشعر العمودي، مع التجديد في الصور والمعانـي، ولا أحفل بما يسمّونه الرمز والغموض. وأكتب شعر التفعيلة الذي أرى فيه ابنًا شرعيًا للشعر العربـي القديم. وأحبّ من مدارس الشعر مدرسة الشعر الـمهجري التي جمعت بين البناء القديم والأغراض والصور والمعانـي الجديدة، وكانت تميل إلى الألفاظ القريبة الـمنال.

3 -الأخ الدكتور حسان، ما الذي يميز خطكم الأدبي، وهل تصنّفون نفسكم ضمن مدرسة أدبية خاصة؟

أميل فيما أنظمه من شعر إلى الحديث عن هموم الناس وآلامهم، وإلى الخوض في بعض القضايا التي تشغل الأمّة، ويمثل ديوانا «أبلغ من الصمت» و «جرعة حزن» أبرز نموذج على ذلك. ولكنّني أجنح في بعض الأحيان إلى نظم الشعر الوجداني، ولعلّ ديوان «وعاد القمر» ناله النصيب الأكبر من هذا النمط من الشعر. ويطيب لي بين الفينة والأخرى أن أقرأ بعض الشعر العالمي، الأمريكي والإنكليزي، فأستقي منه أفكارًا وصورًا وأجعل منها شعرًا، مثل قصيدة لي بعنوان «لغز الخلائق» من ديواني «مرايا الليل».

4- اخترتم مهنة الطب وتخصصتم في الطب البشري، وألفتم كثيرًا في هذا المجال وفي كثير من التخصصات الطبية، وقد فاقت مؤلفاتكم السبعين، بحثا وترجمة، وشاركتم في عدد من الملتقيات الطبية والعلمية.

هلا حدّثتمونا عن هذه التجربة وظروف اختياركم للمهنة الجليلة.

فـي بلدي سوريَّة، ومنذ زمنٍ بعيد، يعتمد دخولُ أيِّ كلية جامعيَّة فـي الأعمِّ الغالب على درجات الطالب فـي الثانوية العامَّة. وقد دخلتُ كلِّيةَ الطبّ البشري بدمشق بناءً على معدَّلي، مثلي مثل كثيرٍ غيري، ولكن بعدَ التحاقي بتلك الكلِّية أحببتُ ذلك الفَرْع كثيرًا، ولو خُيِّرتُ من جديد دخول تخصُّصٍ ما لاخترتُ تخصُّصَ الطب البشري مرَّةً أخرى.

تخصّصت في الأمراض الباطنة، وافتتحت عيادة خاصَّة لـمدّة من الزمن. ولكن ركّزتُ معظمَ اهتمامي على الترجمة الطبّية. وفـي الواقع، لقد بدأت قصَّتي مع الترجمة والتأليف الطبِّي قبلَ سنة من تخرُّجي فـي كلّية الطبّ بدمشق، وذلك سنة 1991 م، حيث طاب لـي حينَها أن أكتبَ عن «الصرع»، حيث كتبتُ مقالًا توسَّعتُ فيه حتَّى صار كُتيِّبًا، فطبعتُه ونشرتُه فـي الأسواق عن طريق مكتبة علميَّة لشقيقي. ولاقى هذا الكتابُ القَبول، ونفدت طبعتُه الأولى؛ فطبعته طبعةً ثانية ونشرتُه فـي دارٍ أخرى. وفـي سنة التخرُّج (1992 م)، ترجمتُ كتابًا كاملًا كأحد مُقْتضيات رسائل التخرُّج، وكان بعنوان «الأمراض الرثويَّة»، وقد طُبعَ هذا الكتابُ مرَّتين ونفدت جميعُ نسخه تقريبًا.

لقد وجدتُ نفسي فـي الكتابة والتأليف، فتابعتُ العملَ وأصدرتُ سنة 1993 ثالثَ كتابٍ لي بعنوان «الطبّ النفسي»، وكان العملُ فيه من أكبر التحدِّيات التي واجهتُها في الترجمة الطبِّية لوعورة مُصْطلحاته وصعوبتها. وتتالى هذا العملُ فأصدرت سنةَ 1994 م كتابًا جديدًا بعنوان «الطبّ الوقائي والإحصاء الحيوي». وقد لفتَ عملي فـي كتاب الطبّ النفسي بعضَ دور النشر الكبيرة، فصار يُطلَب منِّي ترجمةُ أعمال طبِّية أخرى، حتى بلغ إجمالي ما ترجمتُه أو ألَّفته فـي الطبّ على مدى 25 سنة تقريبًا (سواء الأعمال الطبّية الأكاديميَّة أو التثقيفيَّة) أكثر من 70 كتابًا، كان آخرها منذ عدّة شهور، حيث صدر لـي كتاب «دَوْر الوقت فـي الصحَّة والـمرض». وقد حَصدَتْ بعضُ تلك الكتب جوائزَ عربيَّة. كما أسهمتُ فـي ترجمة وتأليف بعض الكتب والقواميس الطبِّية لـمؤسَّسات دولية وعربيَّة، مثل منظَّمة الصحَّة العالـميَّة.

ولقد دُعيت إلى عدد من مؤتمرات التعريب في القاهرة والإسكندرية، كما شاركت في شرح بعض مصطلحات المعجم الطبّي الموحّد الذي يصدره البرنامج العربـي منظَّمة الصحَّة العالـميَّة، وشرح المعجم الطبّي الـمفسّر الذي يصدره المركز العربـي لتأليف وترجمة العلوم الصحّية بالكويت.

5- بالإضافة إلى الطب والترجمة والشعر اهتممتم سيدي بالنقد والجمع والتقديم لعدد من الدواوين والكتب، وركّزتم على الشعر المهجري جمعًا وتعريفًا.

هلا حدّثتمونا عن هذه التجربة المباركة وعن أهم منجزاتها وطموحاتها ومعوقاتها.

قبلَ نحوَ ثلاث سنوات، وبدافعٍ طرأ لي، قرأتُ رسالةَ دكتوراه عن الأدب الـمهجري؛ وهو أدبٌ أحببتُه منذ أوَّل مرَّة قرأتُ فيه أيَّامَ الدراسة الثانويَّة، وحفظتُ بعضَ قصائد شعرائه فـي الحنين والشوق والوصف. وخلال قراءتـي فـي تلك الرسالة لفتني قلَّةُ استشهاد الكاتب بشعراء الـمهجر السوريين، بينما كَثُرَ استشهادُه بنظرائهم اللبنانيين؛ فتساءلتُ عن السبب. وكي ألقى جوابًا، أخذتُ أقرأ عن ذلك الشعر من مصادره، فوجدتُ أنَّ قلَّةَ الإشارة إلى معظم شعراء وأدباء الـمهجر السوريين متواترٌ فـي كثير من الدراسات والـمراجع عن الأدب الـمهجري؛ فعكفتُ خلال سنواتٍ من البحثِ على رصد أعمال بَعْض شعراء الـمَهْجر السُّوريين الذين قلَّ الاستشهادُ بشعرِهم فـي تلك الكتب والـمَراجِع التي تناولت أدبَ الـمَهْجر.

لقد كنت خلال بحثي السابق أقَع على ظاهرتين: بعض هؤلاء الشعراء لهم دَواوينُ، لكنَّها مَنْسيَّةٌ وغيرُ متوفِّرة فـي الـمَكْتباتِ الخاصَّة، أو متوفِّرة فـي مكتبةٍ أو مَكْتبتَيْن فقط من الـمكتباتِ العربيَّة العامَّة، لذلك فهي غيرُ متاحة للباحِثين. وبالنسبة إلى هذه الدَّواوين بذلت جهدًا مُضْنيًا للحصول علَيْها وإعادة إحيائها، ليس بنَشْرِها مجدَّدًا كما هِيَ، فهذا ليسَ شَأْنـي ولا هَدَفـي، بل أتيتُ إلى تلك الدَّواوين فكتبتُها من جديد وضَبطتُ مُفْرَداتها وقارنتُها بما وجدتُ منها فـي الـمَجلَّات الأدبيَّة والكُتُب الـمَهْجريَّة، ثمَّ عمدتُ إلى فهرستِها حسب القَوافـي والأَبْحُر الشعريَّة، وبحثتُ عن أيِّ قصائد لم تَرِد فـي هذه الدواوين لسببٍ أو آخر، فاستدركتُ عليها بما وجدتُه وأضفتُه إلَيْها بعدَ مشقَّةٍ فـي البَحْثِ وعَناء؛ ولم أغفِل أن أمهِّدَ لتلك الدواوين بمقدِّمةٍ شاملة عن سيرة حياةِ الشاعر وأغراضِه الشعريَّة. وبعدَ ذلك، عقدتُ دراسةً موسَّعة عن بعض الشعراء، حيث أَفْردتُ لهم كتبًا مُسْتقلّة.

هذا كلُّه بالنسبة للشعراء السُّوريين الذين وجدتُ لهم دواوينَ مَهْجُورةً أو مُغْفَلة، مثل حُسْني غراب ونَصْر سَمْعان وميشيل مَغْربـي … إلخ. لكن، هناك شعراء آخرون لم أجدْ لهم دواوينَ مَطْبُوعة، وإنَّما لهم بعضُ شعرٍ مُتَناثر بين الـمَجلَّات والكُتُب. ورغم بَحْثي الـمتواصل لم أستطع أن أجمعَ قدرًا وافيًا من قصائدهم لجعلها فـي ديوان مُنْفَصِل. ولَـمَّا لم أجد ضالَّتي فـي الـمكتبات العامَّة العربية، لجأتُ إلى الـمَكْتبات العامَّة الأجنبية، فراسَلْتُ مِن بين ما راسَلْتُ مكتبةَ الكونغرس ومكتبةَ جامعة هارفارد الأمريكيَّتَيْن، وكذلك مكتبة كامبريدج؛ وحتّى وقت كتابة هذه السُّطور لم أحظَ بأعداد بعضِ الـمَجَلّات الـمَهْجريَّة التي يمكن أن أَسْتخلصَ منها قصائِدَ لأولئك الشعراء، رغم الوعود الـمُتكرِّرة بذلك.

ولا أنسى هنا أن أشيرَ إلى أنَّني، وضمنَ محاولات جمع ذلك الشعر، سعيتُ إلى التواصل مع بعض من كتبوا فـي أدب الـمَهْجر أو مع ذويهم أو أقاربهم، بهدف الحصول على أيِّ وثائق أو مَجلَّات تخدم الغرض الـمَنْشود، وصلتُ من بعضهم على ما أريد.

وبناءً على عملي السابق، آمل أنَّني قد أحييتُ أدبَ أولئك الشعراء، وها أنا أواصل ذلك العملَ كي أوفِّر للباحثين مصادرَ جديدةً لدراسة الأدب الـمهجري بما لا يقتصر على شعراء أُشبعوا دراسةً، بينما لم يحظَ سواهم بشيء منها.

وعد الرسالة أن نبوءَ بعزّة … والقادمُ المأمول ينسجُ موعدا

يا حاملَ الفكر الزكيّ وساكبًا … منه الرحيقَ معتّقًا ومجدّدا

أقبلْ علينا كي نقولَ جميعنا … نحن اتّبعنا في الحياة محمّدا

 6- ما رأيكم دكتور حسان في رسالية الأدب والأدب الإسلامي، وكيف نجعل من الأدب رساليًا، خادمًا للدعوة الإسلامية وبوصلة للتجديد الإسلامي ومشتلًا لغرس القيم الإنسانية النبيلة في المجتمع؟

الإسلام دينُ قِيَم ومبادئ وأخلاق؛ وكلّ أدبٍ يُعنى بذلك فهو متّفق مع غاية هذا الدين القويم. ونحن بحاجة في هذه الأيّام، التي فشا فيها الفساد والفجور والانحلال، إلى أدبٍ ملتزم يُسقى من ماء الإسلام ويُروى من ينابيعه، ولا يلتفت إلى دعاوى ومسمّيات غريبة لا تقيم للأخلاق وزنًا ولا تعبأ بالاستقامة ومعالي الأمور. وبما أنّ الشعر أكثر أشكال الأدب قربًا من النفوس وحفظًا في الأذهان، فحريٌّ بأهله من الملتزمين والمهتديين أن يؤصّلوا تلك القيم ويعتنوا بتلك المبادئ السامية ويعيروها الكثيرَ من اهتمامهم وانتباههم.

7- قام الأستاذ الدكتور أحمد يلدز من جامعة نجم الدين اربكان في تركيا بدراسة وتحليل مجموعاتكم الشعرية في كتاب موسع باللغة التركية بعنوان” حسان أحمد قمحية وشعره”

هلا حدثتمونا عن هذا الكتاب وشعوركم بعد صدوره.

فاجأنـي الدكتور أحمد يلدز – حفظه الله – بتلك الدراسة باللغة التركية، وقد تواصل معي مرّاتٍ عديدة يسأل ويستفسر عن بعض مفاصل سيرتـي وحياتـي الأدبية، كما أجرى معي مقابلة مطوّلة على برنامج زووم تدارس فيها بعض قصائدي إلى أن خرجَ بكتابه ذاك. وقد أودعَه سيرتـي الذاتيّة منذ الطفولة وحتّى تاريخه، كما تكلّم عن بداياتـي الشعريّة، وعدّد الأغراض الشعريّة التي خضتُها وكتبت فيها. وأوردَ العديدَ من الشواهد من مجموعاتـي الشعرية الأربع، وشرح تلك الشواهدَ باللغة التركية، كما اعتنى بشرح مواقفي من عدد من القضايا التي تحيط أوطاننا وأمّتنا العربيّة والإسلامية.

8 – صدر لكم كتاب” الفيسبوك تحت المجهر”

يسرنا أن تقدّموا للقراء الكرام فكرة عن الكتاب، ورأيكم في الأدب الرقمي الذي استقطب الكثير من القراء وشغلهم عن الأدب الورقي.

بَعْدَ انتشار الإِنْترنت فـي العالم، ومُنْذُ مدّة ليست بعيدةً كثيرًا، دخلَتْ على حياة الناس مجموعةٌ ممَّا يُسمَّى وسائلَ التواصُل الاجتماعي. ويومًا بعدَ يوم، تَعدَّدت هذه الوسائلُ حتَّى بلغت عددًا لا بأس به، وبدأَتْ بالانتشار شيئًا فشيئًا، وربَّما كان أبرزَها مَوْقعُ «الفيسبوك»، هذا الـمَوْقعُ الذي يُسمّى اليومَ عِملاقَ مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يزيد عدد مرتاديه أو مستخدميه على مِلْيارَيْ مُسْتخدِم.

لقد أصبحَ الفيسبوك وسيلةَ إعلام مهمَّة، ولم يَعُدْ كثيرٌ من الناس بحاجة إلى وسائل الإعلام الأخرى كما كان الأمرُ سابقًا؛ فقد أضحى كلُّ إنسان صحفيًا وإعلاميًا بدرجة ما عن طريق استِخْدام هذه الوسائل. ومن ميِّزات الفيسبوك أنَّه يُتيح للمُسْتخدِم أن يكتبَ ما يشاء.

إنَّ كل ما سبق سوَّغ لـي الكتابةَ عن منصَّة الفيسبوك والخروج بكتاب كامل عنه أتناول فيه ما له، وما عليه.

إنّ سهولة الوصول إلى الكتاب الرقمي، وسهولة استعراضه على الحواسيب، والحصول على المعلومة منه، أدّى إلى تفضيله على الكتاب الورقي. كما أنّ الكتب الورقية تشغل حيّزًا من المنزل وهي أغلى ثمنًا وأصعب عملًا، وكلّ ذلك أسهم إسهامًا كبيرًا في انتشار الكتب الإلكترونية والعزوف عن الورقيّة، رغم أنّ هناك إلى اليوم من يفضّل اقتناء الكتاب الورقي ويعتني به.

9- ماذا تمثل لكم مدينة حمص السورية التي خاطبتموها بقولكم:

 سأظلّ أحبس عن سواكِ قصيدةً … منظومةً من كلّ بيتٍ طيِّعِ

معجونةً بالشوق يسكب بعضَه … لا تَصْرفيه عن هواكِ وتمنعي

هو يا ربوعَ العشق جِدُّ متيِّمٍ … فتدلّعي في حبّه وتوسّعي

سيزوره حلمُ اللقاء مزيّنًا … بالذكريات الباقيات الرُّجَّعِ

ويعوده طيفٌ نما في وَجدِه … لا لن ينامَ بغيبةٍ أو مطلعِ

حمصُ عندي بمنزلة القلب من الجسد، فيها ذكريات الطفولة والصبا، وفيها أرواح سكنتنا وسكناها وما زلنا نشتاق إليها ونحنّ إلى لقائها. وقد سبق أنّ قلت في مدينتي من ديوان أبلغ من الصمت:

وخَرَجْـتُ لكِنْ لَـمْ يَكُـنْ قَلْبـِي مَعِي

غادَرْتُهـا فأَبـَى البَقـاءَ بأَضْـلُعي

يا حِمْصُ يا وَطَنَ الصَّبابَةِ والصِّبـا

ما زالَ طَيْفُكِ في لَيَالـِي الـمَضْـجَـعِ

كَمْ دَمْعَةٍ عنـدَ الفِـراقِ سَــكَبْتُهـا!

حتَّى بَدَا مِثْـلَ الجَـداوِلِ مَدْمَعِـي

إِنْ طـالَ بُعْـدِي واللِّـقـاءُ مُـؤَجَّـلٌ

فلَقَـدْ دَعـانـي للتَّـلاقِي مَـصْـرَعِـي

10- ما رأيكم دكتور في الأدب العربي المعاصر، وهل استطاع تبني القضية السورية والدفاع عنها والتعريف بها، وجعلها من أولويّات القضايا العربية؟

عانت سوريّة خلال السنوات العشر الماضية صراعًا عنيفًا أفضى إلى خرابٍ كبير طال معظم مدنها وقراها، وترك أجزاء واسعة منها قاعًا صفصَفا، وأرضًا يبابًا. كما حصد هذا الصراع الشرِس أرواحَ مئات الآلاف من أبنائها، وهجّر الملايين منهم من بين نزوح واغتراب. وقد انبرت الكثير من الأقلام السوريّة إلى الحديث عن الـمأساة السوريّة الـمعاصرة، فنظم الشعراء القصائد تلو القصائد في تصوير ما آلت إليه الأمور، كما خطّ أهل القصص والروايات الكثيرَ منها في الحديث عن مآل ذلك الصراع وعواقبه. لكنّ الأقلام العربيّة لم تكن بمستوى الحدث، وجاء ما كتبتَه عنه خجولًا قاصرًا، وقد بهت الاهتمامُ أكثر فأكثر على مدى سنوات الـمأساة إلى أن أصبح شبهَ معدوم اليوم.

ومن باب العلم، فإن القصّة السوريّة الحزينة ليست وليدةَ السنوات الماضية فحسب، بل تمتدّ إلى أعماق التاريخ. ومن قرأ ما كتبه الأديبان المهجريّان السوريّان نسيب عريضة وصبري أندريا قبل نحو 90 سنة في كتابهما «دليل المهاجر السوريّ» سيجد كمًّا هائلًا من الآلام التي عايشتها أرض الشام على مرِّ العصور. وليست الأديبة المهجريّة سلوى سلامة المتوفّاة سنة 1949 م في البرازيل ببعيدة عن وصف تلك الآلام والـمحن، وهي صاحبة العبارة الشهيرة التي يمتدّ تاريخ كتابتها إلى أكثر من مائة سنة من الآن: “إذا ذرفَت السَّماءُ دمعةَ إشفاقِها على البشريَّة فالأجدرُ بتلك الدمعَةِ الشعبُ السُّوري”.

11- ما هي مشاريعكم المستقبلية المتعلقة بالإبداع والتأليف؟

العزمُ معقودٌ لديَّ على متابعة جمع دواوين بعض الشعراء الـمهجريين، السُّوريين واللبنانيين، ممَّن لم يصدر لهم ديوان من قبلُ؛ وقد أسعى إلى دراسة بعضهم بعدَ الانتهاء من جمع ديوانه. وعندي أملٌ بأن ألجأ بعدَ ذلك – إن شاء الله – إلى إخراج كتابٍ كبير عن «أعلام الأدب الـمهجري السُّوري» أتناولَ فـيه أولئك الأعلامَ دراسةً وتحليلًا بما يُتاح لـي من سِيرهم الشخصيَّة وأَشْعارِهم، بعدَ أن كانَ العزمَ معقودًا لديَّ على أن يكونَ مثلُ هذا الـمَشْروع تَتْويجًا لجمع (ثمَّ دراسةِ) أدب كلِّ الشعراء السُّوريين فـي الـمَهْجرِ الأمريكي. وربَّما يُتيح لـي الـمستقبلُ – بعَوْنِ الله – أن أتحصَّلَ على كلِّ أو جُلّ ما يتعلَّق بأولئك الشعراءِ والأدباء لجعله فـي مؤلَّفات وكُتُب مستقلَّة.

أمَّا على الـمستوى الطبِّي فلديَّ بعضُ الأفكار للخروج بكتبٍ جديدة، غير تقليديَّة، وقد أصدرتُ منها – كما سبق أن أشرتُ – كتاب «دَوْر الوقت فـي الصحَّة والـمرض»، والغايةُ منها الحديث عن قضايا طبِّية وصحِّية من منظورٍ مختلف. والله وليُّ التوفيق.

12- أخيرا نود منكم الدكتور حسان كلمة ختامية وإبداعا ادبيا كهدية للقراء الكرام.

أتمنى من الله عزّ وجلّ أن يجيءَ ذلك اليوم الذي نرى فيها رايات العروبة والإسلام محلِّقة في سمائنا من جديد، وأن يزولَ ليل الظلم ويبصر الفجرُ الوضيء طريقَه بيننا.

وختامًا، أهديكم هذه القصيدة غير الـمنشورة من قبل، وهي ستكون من قصائد ديوانـي الجديد الذي سيرى النورَ قريبًا إن شاء الله تحت عنوان: «نِثار الغريب».

فـي خيالـي:

كَمْ سُؤالٍ فـي خَيالـي لا يُقالْ!

فَاتْرُكونـي إنَّ أُنْسـي فـي الخَيالْ

لَسْتَ منِّي يا فُؤادي إِنْ تَبُحْ

اِتَّفقنا أن نَبُزَّ الاِنْفِعالْ

فـي سُكونِ اللَّيْلِ أَلْقى صَفْوَتـي

أَنْتَقي مِنْها أَقانيمَ الكَمالْ

لا أُعيرُ الهمَّ فِكْرًا شارِدًا

أَزْدَريهِ بدُعائي ذا الجَلالْ

أُعْمِلُ الإِفْصاحَ فـي سِفْرِ الـمُنَى

ليسَ فـي سِفْرِ الأَمانـي مِنْ مُحالْ

ويَقِيني ليسَ يَعْروهُ مَدًى

كلُّ طَوْدٍ أَرْتَقيهِ بالنِّزالْ

عُدَّتـي عَزْمٌ وعَزْمي خائِضٌ

بَحْرَ عِلْمٍ لَـمْ يُعَكَّرْ بالهُزالْ

يا هَناءً خالطَ القَلْبَ سَنا

فـي لَيالٍ يَسْتَقي مِنْها الجَـمالْ

بينَ طِرْسٍ ويَراعٍ ومُنًى

وافتِكارٍ واشْتِغالٍ وانْعِزالْ

***

اكْتُبيني يا لَيالـي باحِثًا

لا يُبالـي بالعَوالـي والنِّصالْ

فـي دَراري الفِكْرِ أَمْضـي هانِئًا

إنَّ أهلَ الفِكْرِ عِنْدي كالجِبالْ

يَنْقضـي العُمْرُ ويَبْقى خالِدًا

ما أَفادوا، لا يَزولُ أو يُزالْ

وتقبّلوا فائق التحيّة والتقدير.

حاوره الأستاذ محمد فاضيلي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.