منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العلامة الميداني والتصدي للمشاريع اللاأخلاقية

حياة الكرماط

0

 

مقدمة:

عاشت الأمة الإسلامية أكثر من ألف سنة في مقدمة الأمم، حملت خلال هذه الفترة حضارة الإسلام للدنيا كلها، حملتها بالعلم، والخلق، قبل أن تحملها بالسيف، فلم تكره  أحدا على عقيدتها، ومن أبرز سمات هذا الدين قاعدته الأخلاقية العريضة الشاملة لكل تصرفات الإنسان، وارتباط هذه القاعدة الأخلاقية بحقيقة الإيمان، فالإيمان بأنّ ما أنزل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من ربه هو الحق، يقضي الالتزام بالمعايير الخلقية كما أقرها الإسلام هذه  المعايير هي أساس العزة والرفعة والريادة، ولكن حدث تحول في كيان الأمة حتى عادت الى جاهلية حديثة طمست بصيرة الإنسان، وربطته بالمادة دون الروح وحصرته في محيط حواسه.

ولاشك أنّ لأعداء الأمة الإسلامية اليد الطولى في هذا التحول، وقد حققوا جزءاً كبيراً من مخططاتهم لإضعاف شوكة المسلمين، وتخريب عقائدهم وضمائرهم، وكان لذلك أسوء العواقب على مجتمعنا الإسلامي.

المزيد من المشاركات
1 من 9

والأمة الإسلامية اليوم تعيش أزمات حقيقيَّة على كافة المستويات بسبب ما تعانيه من إفساد وهدم منظم لمنظومة القيم والأخلاق، كما أن هذه الأزمات تتعمَّق في ظلِّ التحديات الكبيرة داخليًّا وخارجيًّا، فيعمل كل ذلك بمعاول الهدْم في بنيان حضارتها، وعرقلة مسيرتها، فهي إذن أحوجُ ما تكون إلى عُلماء ومفكِّرين ربانيِّين، يَدْعون إلى الهُدى ويَصبرون على الأذى، يُحيون بكتاب الله الموتى ويُبصِّرون بنور الله أهلَ العمى، ويدلون بما أوتوا من حكمة المسلمين أفرادا وكيانات ودولا على سبل النجاح ومقومات الفلاح؛ وإن غياب هؤلاء الرواحل أو تغييبهم خطرٌ عظيم داهم فالثغور التي هم عليها لا يسدُّها غيرهم.

وكان ممن انبرى للدفاع عن الأمة الإسلامية، وكشف مخططات أعدائها الرامية إلى تفتيتها وتجزئتها، العلامة الشيخ عبد الرحمن حبنّكة الميداني ضمن مشروعه الإصلاحي الذي كان من ركائزه التصدي لمشاريع الهدم الكبرى التي تتعرض لها الأمة الإسلامية ومن هذه المشاريع؛ المشاريع اللاأخلاقية والتي تهدف إلى هدم أسس الأخلاق وإفسادها.

يحاول هذا البحث تسليط الضوء على أساليب الغزاة في استهداف الأمة الإسلامية، من خلال وسائل التضليل الفكري والانحراف السلوكي، ووسائل مشروع الهدم الأخلاقي، وتصدي العلامة الميداني لهذا الهدم المدّبر المنظم.

مدخل مفاهيمي

الأخلاق لغة:

الأخلاق جمع خلق، والخُلُق – بضمِّ اللام وسكونها- هو الدِّين والطبع والسجية والمروءة وحقيقته أنّ صورة الإنسان الباطنة وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخَلْق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها” [1] وقال الرَّاغب معرفا الأخلاق لغة: ” والخَلْقُ والخُلْقُ في الأصل واحد… لكن خص الخَلْق بالهيئات والأشكال والصور المدركة بالبصر، وخص الخُلْق بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة”.[2]

الأخلاق اصطلاحًا:

عرَّف الجرجاني الخلق بأنَّه: “عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر ورويَّة، فإن كان الصادر عنها الأفعال الحسنة كانت الهيئة خلقًا حسنًا، وإن كان الصادر منها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي مصدر ذلك خلقًا سيئًا”.[3]
وعرفه ابن مسكويه بقوله: ” الخلق: حال للنفس، داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا رويَّة، وهذه الحال تنقسم إلى قسمين: منها ما يكون طبيعيًّا من أصل المزاج، كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو غضب، ويهيج من أقل سبب، وكالإنسان الذي يجبن من أيسر شيء، أو كالذي يفزع من أدنى صوت يطرق سمعه، أو يرتاع من خبر يسمعه، وكالذي يضحك ضحكًا مفرطًا من أدنى شيء يعجبه، وكالذي يغتمُّ ويحزن من أيسر شيء يناله ومنها ما يكون مستفادًا بالعادة والتدرب، وربما كان مبدؤه بالرويَّة والفكر، ثم يستمر أولًا فأولًا، حتى يصير ملكة وخلقًا”.[4]

وقد عرف بعض الباحثين الأخلاق في نظر الإسلام بأنّها عبارة عن “مجموعة المبادئ والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني، التي يحددها الوحي، لتنظيم حياة الإنسان، وتحديد علاقته بغيره على نحو يحقق الغاية من وجوده في هذا العالم على أكمل وجه”.[5]

تعريف اللاأخلاقية:

اللاأخلاقية هي غياب أو عدم مبالاة أو تجاهل للأخلاق يشير البعض ببساطة إلى ذلك باعتباره حالة عدمية أخلاقية أو غير أخلاقية. يجب عدم الخلط بين الأخلاقية وغير الأخلاقية، والتي تشير إلى القيام بعمل ما أو التفكير في شيء يعرف أو يعتقد أنه خاطئ.

الأخلاق واللاأخلاقية في الإنسان والحيوان هي موضع خلاف بين العلماء والفلاسفة.

إذا كانت الأخلاق متأصلة في البشرية، فإنّ البشر غير الأخلاقيين إمّا لا وجود لهم أو يكونون بشرا قاصرين. إذا كانت الأخلاق خارجة عن الإنسانية، فيمكن للإنسان غير الأخلاقي أن يكون موجودًا وأن يكون كامل الإنسانية في الوقت ذاته، وبالتالي يكون الشخص اللاأخلاقي مجرد افتراض.

هناك موقف يدعي أنّ اللاأخلاقية ليست سوى شكل آخر من أشكال الأخلاق أو مفهوم قريب منها، مستشهدا بحالات الطبيعة الأخلاقية والبناء الأخلاقي والنسبية الأخلاقية والخيالية الأخلاقية كأصناف تشبه الجوانب الأساسية لعلم الأخلاق“.[6]

المبحث الأول: التضليل الفكري والانحراف السلوكي

إنّ من أخطر أنواع الغزو الذي تعرضت له الأمة الإسلامية هو ما فعلته جيوش الغزاة من تهديم للأخلاق الفاضلة وأنواع السلوك الإسلامي، وقد هيأ هذا الغزو الخطير المجتمعات الإسلامية لتقبل الوافدات الفكرية من كل جهة، وقلب الأوضاع الاجتماعية للمسلمين رأساً على عقب، وجعل كثير منها صورة للنقائص الموزعة في البيئات المعادية للإسلام، شرقية أو غربية.

يقول العلامة الميداني: “ولو كان الأمر واقفاً عند حدود اقتباس ما هو نافع ومفيد منها، مما فيه تقدم علمي أو صناعي أو تحسين مدني، وطرح ما هو ضار ومفسد مما هو منافٍ لمكارم الأخلاق ومخالف للعقائد الحقة لكان الأمر من الفضائل التي يدعو إليها الإسلام.
لكن الأمر قد كان في بعض الأحيان اقتباساً عاماً للنافع والضار، وتبعية عمياء، وكان في معظم الأحيان اقتباساً للضار فقط، مما تنزلق إليه الشهوات والأهواء، فالناظر في معظم المجتمعات الإسلامية يلاحظ مباينة معظم أخلاقها وعاداتها لمكارم الأخلاق التي يحث عليها الإسلام، ويفرض على أتباعه التزامها، والتقيد بحدودها، وكان من عوامل هذا الانحطاط الخلقي سياسة الغزاة الذين وضعوا أيديهم على معظم بلاد المسلمين حقبة من الدهر، وانغماس المسلمين في الدعة والترف وشؤون دنياهم الخاصة، وانشغالهم بالتنازع والخلاف، وتعلقهم بالدنيا، وإخلادهم إلى الأرض، وغفلتهم عن الله والدار الآخرة”.[7]

نجد عبارة ” نِحْلَةُ الغالب” التي صاغها ابن خلدون رحمه الله وأودعها ملاحظته الثاقبة المشهورة التي تقول: إنّ المغلوب يقلد الغالب؛ قال رحمه الله في المقدمة: ” فصل في أنّ المغلوب مولَع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده”.

” والسبب في ذلك أنّ النفس أبدا تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه، إمّا لنظره بالكمال بما وقَر عندها من تعظيمه، أو لما تُغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنّما هو لكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك واتصل لها حصل اعتقادا، فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به”.[8]

كلمات نتأملها لنكشف المداخل النفسية من تعظيم الغالب لقوته، ثم الانقياد له، ثم مغالطة النفس وإقناعها أنّ الغالب القوي أكمل، ثم رسوخ كل ذلك عقيدة، ثم انتحال جميع مذاهبه والتشبه به والاقتداء في الشعار والزي وسائر الأحوال والعوائد. ونزيد نحن: والثقافة والسياسة التابعة والاقتصاد الاستعماري وتبرج النساء وتفسخ الأخلاق، إلى آخر الأوبئة.

ومع تبعية الشعوب الإسلامية للغرب وجد الأعداء الغزاة أنّ الأخلاق الإسلامية التي هي من الظواهر التطبيقية للإيمان بالله واليوم الآخر، من أكبر العوامل الفعالة التي منحت المسلمين قوتهم الهائلة في تاريخهم المجيد، فأرادوا أن يهدموا فيهم هذه العوامل، ليوهنوا قوتهم، ويشتتوا شملهم، فعملوا على أن يقذفوا في المجتمعات الإسلامية العناصر الفكرية والسلوكية التي تفسد تماسكها الاجتماعي وتقطع الأربطة التي تعقد الصلات المحكمة ما بين وحداتها، وتسلبها سر قوتها.

وقد سلكوا لتحقيق هذا الهدف طريقين حسب العلامة الميداني: ” الطريق الأول: التضليل الفكري الذي ينشأ عنه تغيير في السلوك، لأن العوامل الفكرية ذات أثر فعال في النفس الإنسانية، والنفس الإنسانية هي مصدر التوجيه إلى أنواع السلوك المختلفة في الحياة، ويدخل في هذا الطريق جميع عناصر الغزو الفكري الذي جندوا له قسطاً كبيراً من طاقاتهم العلمية والإعلامية، وأخطره الخطط الماكرة الموجهة لتنشئة الأجيال التنشئة المعادية للإسلام عقيدة وعملاً، منذ نعومة أظفارهم، في المدارس، وفي المنظمات الخاصة والعامة.

الطريق الثاني: الاستدراج إلى الانحراف السلوكي وأخطر صوره، الغمس في البيئات الفاسدة وإيجاد المناخات المفسدة المضلة، التي تسري فيها العدوى سريان النار في الهشيم”.[9]

المطلب الأول: التضليل الفكري

سعى أعداء الإسلام كما كشف العلامة إلى التضليل الفكري، عن طريق العبث بالجذور والمنابع الأساسية للمفاهيم الأخلاقية، بحشد الافتراءات والأكاذيب…[10]،والنظريات الفلسفية الأخلاقية المنحرفة عن الشرائع الربانية.[11]

ويعتمدون في هذا كما كشف على النقاط التالية:

1- توجيه الشتائم بأنّ الأخلاق والقوانين “أوهام صنعها أصحاب مصالح طبقية، وأنّها نتاج أوضاع اجتماعية متغيرة، فهي غير ذات قيم حقيقية”، وهذا ما يسمى أيضا في الفكر الغربي بالأخلاق “النفعية.”[12]

2- “ادعاء أنّ الأخلاق أمور اعتبارية ليس لها قيم ذاتية، فهي لا ثبات لها.”[13]

3- “إن الأخلاق أمور نسبية، ويقصدون بنسبيتها أن العمل الخلقي قد يكون فضيلة، إذا فعله فريق من الناس، فإذا فعله فريق آخر كان رذيلة خلقية”.[14]

وبذلك يصوغ الفكر الغربي أصوله، ومنطلقاته الأخلاقية على النحو الآتي:

* المصدر: الأخلاق كلها ذات مفاهيم متغيرة متبدلة.

* الغاية: الأخلاق كلها اعتبارية ليس لها قيم ثابتة، أي نفعية.

* المعيار: الأخلاق أمور نسبية.[15]

إنّ الاتجاه الأخلاقي في الفكر الغربي قد انشطر إلى ثلاثة أقسام:

الأول: الاتجاه المثالي العقلي: وهو يدور حول العقل والمثل العليا مصدرا وغاية ومعيارا، وأبرز من يمثل هذا الاتجاه في تصور الباحثة الفلسفة الإغريقية والفلسفات الحديثة المتأثرة بها كفلسفة العقلانية.

الثاني: الاتجاه المادي النفعي: وهو يدور حول المنفعة المادية الحسية مصدرا وغاية ومعيارا، وأبرز من يمثل هذا الاتجاه في تصور الباحثة البرجماتية الأمريكية والفلسفة الماركسية.

الثالث: الاتجاه الروحي: وهو يدور حول ما يطلق عليه الضمير أو الفطرة أو السجايا الإنسانية مصدرا وغاية ومعيارا، ومن أبرز من يمثل هذا الاتجاه في تصور الباحثة فلسفة برجسون.

وأسباب المغالطة عند القائلين، بأنّ الأخلاق نسبية، وليس لها ثبات، ولا قيم حقيقية، وفي تحليل العلامة ترجع إلى:

1- جعل مصدر الحكم الأخلاقي مفاهيم الناس، مع أن في كثير من مفاهيم الناس أخطاء فادحة.

2- اضطراب الفكر الفلسفي في تحديد الغاية التي ترجع إليها الأخلاق، كاللذة والمنفعة والقوة وغيرها.

3- التعميم ومد عنوان الأخلاق ليشمل التقاليد والعادات والآداب والأحكام الدينية والمدنية وما ليس له علاقة بموضوع الأخلاق، فأفضى ذلك إلى حكمهم على الأخلاق بأنها نسبية.[16]

وقد سعى دهاة التضليل لهدم البنية الأخلاقية، وإلى إقناع الأجيال بأكاذيبهم وتلفيقاتهم الفلسفية، مستغلين في ذلك -كما كشفت- عددا من النظريات الغربية الفلسفية، التي غدت أصولا ومنطلقات للأخلاق في الفكر الغربي، وكان من شأنها تقليل قيمة الأخلاق، وكان لها دور جلي فيما حدث من انهيار أخلاقي في المجتمعات الغربية[17]، لذا ستكون طائفة من تلك النظريات موضوع المطلب القادم.

المطلب الثاني: الاستدراج إلى الانحراف السلوكي

كشف العلامة الميداني في جهوده عن سعي أعداء الإسلام إلى اتخاذ الوسائل العملية التطبيقية لإفساد أخلاق الأمم، وأهمها كما كشف الغمس في بيئات موبوءة بالأخلاق الفاسدة[18]، وكشف عن عمد الغزاة في حملاتهم للإفساد الخلقي والسلوكي إلى استخدام العناصر التالية كوسائل معينة لهم في غزوهم:

الوسيلة الأولى: استخدام عنصر المال في إفساد سلوك وأخلاق كثير من المسلمين.[19]

الوسيلة الثانية: تملّك غرائز الشبان عن طريق النساء.

الوسيلة الثالثة: الاهتمام بالمرأة في مجالات العلوم والثقافة والفنون الحديثة، وفق نظريات التربية الفاجرة المتحللة من الأخلاق الفاضلة والتطبيقات الإسلامية.

الوسيلة الرابعة: فتنة الاختلاط وسفور المرأة.

الوسيلة الخامسة: استخدام عنصر الآداب والفنون، كوسيلة يتسلل منها الفسق والفجور والعري والتهتك، إلى المجتمعات الإسلامية.

الوسيلة السادسة: استخدام عنصر الشهوة إلى الحكم، والسلطان التي تهون على صاحبها ارتكاب الرذائل.

الوسيلة السابعة: استخدام المسكرات والمخدرات، بجعلها عادة آسرة للمسلم، مضيعة لعقله متلفة لجسده، مفسدة لخلقه، مغضبة لربه.

الوسيلة الثامنة: استخدام وسائل اللهو واللعب، كقواتل للأوقات دون ثمرات نافعات.[20]

الوسيلة التاسعة: اهتمام الغزاة بإفساد الفتيان والفتيات وكان ذلك ضمن خطتين:

  • الخطة الأولى: أن تأتي كتائب الغزاة إلى بلاد المسلمين بأسماء مختلفة، علمية وفنية وصناعية وتجارية وسياحية ورياضية ونحوها، لتقوم بعمليات الإفساد عن طريق الاختلاط والتأثير ببهرج مظاهر الحياة وزينتها، وبالمبتكرات من النظريات والأفكار، ومن الأزياء والفنون.
  • الخطة الثانية: أن يستدرج أبناء المسلمين وبناتهم إلى معاقل جيوش الغزاة وهم لا مناعة في أفكارهم ونفوسهم، وهناك يتسنى لمعاقل الغزو إفساد المستدرجين إليهم، باستخدام كل مفاتن مدنيتهم الحديثة بعيدا عن مراكز العلم الصحيح النافع، ويمسي هؤلاء هم الممثلين لجيوش الغزاة داخل بلاد المسلمين.

فحينما يرى أبناء المسلمين وبناتهم المظاهر الحسنة في المدينة الأوروبية تستأثر بإعجابهم فيظنون أنّ كل ما فيها حسن وجميل، عندئذ ينطلقون في دروب هذه البلاد، ولا بصيرة لهم قد استولى عليهم الانبهار.[21]

الوسيلة العاشرة: استخدام وسائل الترف والرفاهية، لإدراك أعداء المسلمين أنّ الترف والرفاهية والانغماس في اللذات أمور تسبب البطر، وتوقف كل تقدم علمي وإنتاجي صحيح وتصيب الأمة بانهيار خلقي وسلوكي يؤدي بها إلى الضعف والهوان، والتعلق بالقشور  وترك موجبات المجد والقوة.

الوسيلة الحادية عشرة: التأثر بسياسة المستعمرين غير الأخلاقية.

الوسيلة الثانية عشرة: استخدام الفكر الإلحادي، لإفساد الشعوب الإسلامية في عقائدها وأخلاقها وآدابها وسائر أنواع سلوكها في الحياة.[22]

المبحث الثاني: هدم أسس الأخلاق وأبنيتها

المطلب الأول: دعوى نسبية الأخلاق

نسبية الأخلاق تَعني أن الأخلاق تتغير بتغير الزمان والمكان، والثقافة والأشخاص والمجتمع، فلا توجد أخلاق مطلَقة، وعليه فليس هناك صواب وخطأ أخلاقي؛ فقد يكون السلوك الأخلاقي محرمًا عند شخص، ولكنه محلل ‏عند شخص آخر، وقد يكون السلوك محمودًا عند شخص ولكنه مذموم عند شخص آخر، وقد يكون الفعل من قبيل الرحمة عند شخص، وعند شخص آخر من قبيل القسوة، وقد يكون السلوك محمودًا في مجتمع، ولكنه مذموم في مجتمع آخر.

وقف العلامة الميداني عند هذا الادعاء وقارع بالحجة والدليل زيف هذه المغالطات يقول رحمه الله: ” وإنَّ أسباب الغلط أو المغالطة عند أصحاب فكرة نسبية الأخلاق، ترجع إلى ثلاثة:
الأول: تعميمهم اسم الأخلاق على أنواع كثيرة من السلوك الإنساني، فلم يميزوا الظواهر الخلقية، عن الظواهر الجمالية والأدبية، وعن العادات والتقاليد الاجتماعية، وعن التعاليم والأحكام المدنية أو الدينية البحتة، فحشروا مفردات كل هذه الأمور تحت عنوان الأخلاق فأفضى ذلك بهم إلى الخطأ الأكبر، وهو حكمهم على الأخلاق بأنها أمور اعتبارية نسبية.
الثاني: أنّهم جعلوا مفاهيم الناس عن الأخلاق مصدرًا يرجع إليه في الحكم الأخلاقي، مع أنَّ في كثير من هذه المفاهيم أخطاء فادحة، وفسادًا كبيرًا، يرجع إلى تحكم الأهواء والشهوات والعادات والتقاليد فيها، ويرجع أيضًا إلى أمور أخرى غير ذلك، والتحري العلمي يطلب من الباحثين أن يتتبعوا جوهر الحقيقة، حيث توجد الحقيقة، لا أن يحكموا عليها من خلال وجهة نظر الناس إليها، فكل الحقائق عرضة لأن يثبتها مثبتون، وينكرها منكرون، ويتشكك بها متشككون، ويتلاعب فيها متلاعبون، ومع ذلك تبقى على ثباتها، لا تؤثر عليها آراء الناس فيها.
الثالث: اعتمادهم على أفكارهم وضمائرهم فقط، وجعلها المقياس الوحيد الذي تقاس به الأخلاق”.[23]

إنّ القول بنسبية الأخلاق يخالف الواقع؛ إذ توجد مجموعة من الأخلاق تفرض نفسها على الجميع فرضًا، فيوجد سلوكيات مستهجنة عند جميع المجتمعات؛ كالسرقة والكذب، والغدر والخيانة والبخل، ويوجد سلوكيات مستحسنة عند جميع المجتمعات كالصدق والعدل، والأمانة والوفاء والكرم. ومن المستحيل أن يكون الصدق فضيلة عند مجتمع معيَّن ويكون رذيلة عند مجتمع آخر ومن المستحيل أن يكون العدل فضيلة عند مجتمع معين ويكون رذيلة عند مجتمع آخر.

مع القول بنسبية الأخلاق لا يمكن التمييز بين الخير والشر؛ فليس لدينا مقياسٌ نفرِّق به بين الخير والشر، وليس لدينا معيارٌ نَحكم به أنّ هذا الخلق خير وهذا الخلق شر، وليس لدينا قيمٌ أخلاقية ثابتة مطلقة يمكن أن نحتكم إليها، وتجعل بوُسعنا الحكم والتمييز بين ما هو خير من الخلق وما هو شر، وإذا كان مع القول بنسبية الأخلاق لا يمكن التمييز بين الخير والشر – وهذا أمر باطل – فالقول بنسبية الأخلاق قول باطل؛ لأنَّ ما يلزم منه اللازم الباطلُ فهو باطل لا اعتبار له.

ونحن في الكثير من الأحيان نستطيع التَّمييز بسهولة بين ما هو خير وما هو شرٌّ، وإن كان في أحيان أخرى – لمؤثرات معينة – قد يلتبس علينا الأمر فنظن أنّ الشيء فيه خيرٌ وهو شر، أو نظن أنّ الشيء فيه شرٌّ وهو خير، وتمييزنا في كثير من الأحيان بين ما هو خير وما هو شر يدل أن لدينا معاييرَ نَحكم بها على أن هذا الخلق خير وهذا الخلق شر، وهذا يُناقض القول بنسبية الأخلاق.

ومن مساوئ القول بالنسبية الأخلاقية أنها تُساوي بين قتل عشرات الناس وبين إطعام عشرات الناس؛ فعلى النسبية الأخلاقية قتلُ عشرات الناس لا خير فيه ولا شر، وإطعام عشرات الناس لا خير فيه ولا شر!

ومِن مساوئ القول بالنسبية الأخلاقية أنها تساوي بين اغتصابِ فتاة وبين إنقاذ فتاة من خطر معين؛ فعلى النسبية الأخلاقية اغتصاب فتاة لا خير فيه ولا شر، وإنقاذ فتاة من خطر معين لا خير فيه ولا شر!

المطلب الثاني: الأخلاق، ووسائل هدمها

لما كانت الأخلاق في المجتمع الإنساني تمثل معاقد الترابط الاجتماعي بين الناس، وأسس قوانين العدل الحامية للحقوق بين الناس، كان من مهام أصحاب المذاهب المعاصرة الرامية إلى تدمير المجتمعات المتماسكة، بغية السيطرة عليها، أن يبذلوا ما يستطيعون من جهد ومكر وكيد لتدمير الأخلاق وقوانين العدل المبنية عليها، في هذه المجتمعات، من مختلف النواحي الفكرية والنفسية والتطبيقية.

يعتبر العلامة الميداني أن من وسائل من يسميهم “المضلين” لهدم أسس الأخلاق أمرين هما:

الأمر الأول: توجيه الافتراءات والأكاذيب والشتائم ضد مفاهيم الأخلاق السائدة في المجتمعات، وضد تطبيقاتها في السلوك ، وأهمها ما نجده لدى الشيوعيين، إذ يتهم منظروهم الأخلاق والقوانين المنبثقة عنها بأنّها أوهام صنعها أصحاب مصالح طبقية، ليستروا بها مصالحهم، وبأنّها نتاج أوضاع اجتماعية متغيرة، فهي غير ذات قيم حقيقية، لذلك يجب عدم الاكتراث بها، بل تجب محاربتها.

الأمر الثاني:  بث الأفكار والآراء والفلسفات المشحونة بالزيوف والمغالطات، لزلزلة أسس الأخلاق وقواعدها، وقوانين العدل المشتقة منها، أو المنبثقة عنها، ثم نسفها من جذورها.

إن أخبث ما في هذه الآراء التي روجها الماديون الملحدون وجنودهم ادعاء أنّ الأخلاق أمور اعتبارية ليس لها قيم ذاتية، فهي لا ثبات لها، لذلك فهي تختلف من شعب إلى شعب، ومن أمة إلى أمة، ومن زمان إلى زمان، فبعض الأمور تعتبر منافية لمكارم الأخلاق عند شعب آخر، أو أمة أخرى، وبعض الأمور كانت في زمان مضى أمورا منافية لمكارم الأخلاق، ثم صارت بعد ذلك أمورا غير منافية لها.

قالوا: وهذا يدل على أنّ الأخلاق مفاهيم اعتبارية تتواضع عليها الأمم والشعوب، وليس لها ثبات في حقيقتها، وليس لمقاييسها ثبات.

ويقولون أحيانا: إنّ الأخلاق أمور نسبية، ويقصدون بنسبيتها أنّ العمل الخلقي قد يكون فضيلة إذا فعله فريق من الناس، فإذا فعله فريق آخر كان رذيلة خلقية، فهو بالنسبة إلى صدوره من الفريق الأول أمر حسن وخير، وبالنسبة إلى صدوره من الفريق الثاني أمر قبيح وشر. ويضربون لذلك أمثلة مشحونة بالزيوف، ومغلفة من ظاهرها بالمغالطات.

وحين يتبصر الباحث في أقوال هؤلاء الرامية إلى تدمير أسس الأخلاق، وأبنيتها، وتطبيقاتها والقوانين والنظم المنبثقة عنها، يستطيع أن يكتشف عناصر المغالطات التي يلتجئون إليها وما في دعاواهم من زيف لا يقبل به العقلاء ذوو الإدراك السليم والانصياع للحق.

ومغالطتهم في هذا الموضوع ترجع إلى عدة أمور، أهمها:

* مد عنوان الأخلاق مدا يشمل التقاليد والعادات والآداب، وبعض الأحكام الدينية التي لا علاقة لها بموضوع الأخلاق.

* اضطراب الفكر الفلسفي في تحديد المبادئ التي يرجع إليها الأخلاق، كالقوة، والمنفعة واللذة، وغيرها.

ومن التعميم الفاسد الذي يطلقونه ويقررونه، ومن مفاهيم بعض الناس غير الصحيحة للأخلاق، ومن اضطراب الفكر الفلسفي في تحديده للمبادئ التي ترجع إليها الأخلاق، يجد المضلون أمامهم مجالا مهيأ لاستغلال أمثلة تدخل في هذه الأطر العامة الموسعة بالباطل وهذه الأمثلة تخضع للتغير والتبدل، ولا تظهر فيها قيم خلقية ثابتة، لأنّها في الحقيقة ليست من الأخلاق، وإنّما دست في الأخلاق تزييفا لنقض الأخلاق بها.[24]

وحين يتبصر الباحث بالأسس الأخلاقية، التي تمّ فيها تحديد مستوياتها، وفق المفاهيم المقتبسة من التعاليم الإسلامية، يتبين له بوضوح تساقط أقوال الذين يزعمون أن الأخلاق اعتبارية أو نسبية، وأنّها من الأمور التي تتواضع عليها الأمم، وأنها ليست ذات قيم حقيقية أو حقائق ثابتة.

فالباحث المتحرّي للحقيقة يستطيع أن يكتشف بسرعة عناصر المغالطة التي يصطنعها هؤلاء المضللون، إذ يأتون بأمثلة جزئية يزعمون أنّها من الأخلاق، ثم يثبتون أنّها أمور اعتبارية أو نسبية تتواضع عليها الأمم، وليس لها حقائق ثابتة في ذاتها، ثم ينقضون بها ثبات الأخلاق نقضا كليا، بطريقة تعميمية لا يقبل بها العلم، حتى على افتراض أنّ هذه الأمثلة هي من الأخلاق فعلا، لأنّه لا يجوز علميا الحكم على النوع كله من خلال الحكم على بعض أفراده، ما لم يثبت أن سائر الأفراد مشتركة بمثل الصفة التي كانت علة صدور الحكم على بعض الأفراد.

إن هدم الأبنية الأخلاقية، والقوانين والأنظمة المنبثقة عنها يتم حسب العلامة الميداني بالوسائل الأربعة التالية:

الوسيلة الأولى: إقناع الأجيال بأن الأخلاق أمور اعتبارية، ونسبية، وهي متغيرة متبدلة، ولا ثبات لها، وليس لها حقائق مطلقة لا تتغير.

الوسيلة الثانية: أن يستغلوا بخبث بعض الآراء والأفكار الفلسفية، التي من شأنها تقليل قيمة الأخلاق في نفوس الناس، إذ تقيمها على أسس واهنة ضعيفة، أو على شفا جرف هار.

ومتى قامت في نفوس الناس على مثل ذلك تداعت الأبنية الأخلاقية التقليدية، ثم انهارت وحلت محلها أنانيات فوضوية، تعتمد على القوة والحيلة، والإباحية المطلقة لكل شيء مستطاع، فلا خير إلا ما تدعمه القوة، ولا شر إلا ما تضعف القوة عن تحقيقه.

الوسيلة الثالثة: أن يلفقوا من عند أنفسهم آراء وأفكارا فلسفية، يطلقون عليها اسم “نظريات” تزييفا للحقيقة، ثم يخدعون بها الناس، لا سيما الناشئون منهم، ويستغلون فيهم رغبات المراهقة بالتمرد على الحق والواجب، تطلعا لمجد موهوم.

وقد تطول فترة المراهقة عند بعض الناشئين، حتى تكتسح عمر الشباب منهم، وجزءً من عمر الكهولة، وسبب ذلك الاستسلام التام لعواصف طور المراهقة، ووجود المغذيات الشيطانية الخبيثة، وضعف التربية الإسلامية، أو انعدامها.

ومتى وجدت هذه الظروف المواتية لنمو الشر، فليس من البعيد أن يصير الإنسان شيخا في سنه وجسمه، ويبقى مراهقا في عقله ونفسه.

الوسيلة الرابعة: اتخاذ الوسائل العملية التطبيقية لإفساد أخلاق الأمم، وأهمها الغمس في بيئات موبوءة بالأخلاق الفاسدة، حتى تكون الانحرافات عادات مستطابات.[25]

المبحث الثالث: العلامة الميداني وتصديه للمشاريع اللاأخلاقية

يقول العلامة الميداني بهذا الصدد مبينا خطر تكسير الترابط الاجتماعي على الفرد والمجتمع ” إنّ الأخلاق في أفراد الأمم والشعوب تمثل المعاقد الثابتة التي تعقد بها الروابط الاجتماعية  ومتى انعدمت هذه المعاقد أو انكسرت في الأفراد لم تجد الروابط الاجتماعية مكاناً تنعقد به  ومتى فقدت الروابط الاجتماعية صارت الملايين في الأمة المنحلة عن بعضها مزودة بقوة الأفراد فقط، لا بقوة الجماعة، بل ربما كانت قواها المبعثرة مضافة إلى قوة عدوها ضدها  وذلك بالتصادم الداخلي، وبالبأس الذي يقع فيما بينها”.[26]

وقد أدرك الأعداء الغزاة للإسلام والمسلمين هذه الحقيقة  فعملوا على إفساد أخلاق المسلمين وإفساد سلوكهم الاجتماعي والفردي بكل ما أوتوا من مكر وحيلة ودهاء، ووسائل مادية وشياطين ووسوسة وتضليل، ليبعثروا قواهم المتماسكة بالأخلاق الإسلامية العظيمة، والسلوك الإسلامي القويم، وليفتتوا وحدتهم التي كانت مثل الجبل الراسخ الصلب قوة، ومثل الجنة الوارفة المثمرة خضرة وبهاء، وثمراً وماءً.

لقد عرف الأعداء الغزاة أنّ الأخلاق الإسلامية في أفراد المسلمين تمثل معاقد الترابط الاجتماعي فيهم، فجندوا لغزو هذه المعاقد وكسرها جيوش الإفساد والفتنة وعرفوا أنّ النبع الأساسي الذي يزود الإنسان المسلم بالأخلاق الإسلامية العظيمة إنّما هو الإيمان بالله واليوم الآخر، وما فيه من حساب وجزاء، فصمموا على أن يكسروا مجاري هذا النبع العظيم، ويسدوا عيونه، ويقطعوا شرايينه.

يقول العلامة الميداني: ” وعرفوا أيضاً أنّ تفهم مصادر الشريعة تفهماً سليماً هو الذي يمُد نبع الإيمان بالمعرفة، فمكروا بالعلوم الإسلامية، والدراسات المتعلقة بها مكراً كُبَّاراً، ما بين حجب أو تلاعب أو تشويه أو تجميد أو مضايقة لروادها ومبلغيها، وذلك في حرب مستمرة لا تعرف كللاً، ولا تعرف مللاً. ومن العجيب أن تعمل أجنحة المكر الثلاثة: (المستعمرون والمبشرون والمستشرقون) لغزو الشعوب الإسلامية بخطط الإفساد الخلقي والسلوكي، لتفتيت كتلة المسلمين الصلبة في العالم، في حين أن شعوب هذه الأجنحة مغزوة بشكل أخطر وأكبر من قبل شياطين اليهود في العالم، وهم عن مكر اليهود بهم غافلون.

نقرأ في “بروتوكولات حكماء صهيون” فنجد معظم مخططاتهم تهدف إلى تفتيت الشعوب وتشتيتها وتقطيع أوصالها، ونشر الفساد فيها، وغرس أصول الرذيلة بين أفرادها، حتى لا تبقى لهذه الشعوب مكارم أخلاق تجمعهم وتشد أواصرهم، ولا عقائد سليمة تغذيهم بالفضائل  وغاية اليهود أن يظفروا بأن تكون لهم وحدهم القوة الجماعية المتماسكة، التي تمكنهم من بسط سلطانهم على الشعوب المختلفة، رغم قلة عددهم في العالم، وقد نفد اليهود قدراً كبيراً من مخططهم الخبيث في الشعوب النصرانية، قبل أن يتوجهوا بثقلهم الكبير إلى الشعوب الإسلامية، وقبل أن تتولى الأجنحة الثلاثة تنفيذ هذا المخطط في هذه الشعوب”.[27]

والبلهاء من غير اليهود ينفذون في أنفسهم وفي شعوبهم وفي شعوب غيرهم مخططات أعدائهم تسوقهم الخديعة الكبرى، أو تستدرجهم وعود كاذبة، أو رشوات حقيرة، أو فكرة باطلة مزخرفة، أو شعار براق خادع، أو شهوة طاغية.

وثبتت قيادات الأجنحة الثلاثة أنظارها في دائرة محاربة الأمة الإسلامية، وتهديم شعوبها غافلة عن عدوها الأكبر وعدو الإنسانية كلها، ويوم تصحو هذه القيادات لا تجد في أيديها شعوبها، إذ تكون هذه الشعوب ساقطة في حبائل المكر اليهودي.

  المطلب الأول: كشف مشروع العبث بجذور الترابط الاجتماعي

تشكل الأخلاق حسب العلامة الميداني أساسا لتحقيق الترابط الاجتماعي وتمتينه، وقد كرس الأعداء الغزاة جهوداً ضخمة لإفساد أخلاق المسلمين، بغرض العبث بهذا الترابط، إذ أن الأخلاق “تمدها -الأمة- بالقوة والأصالة والثبات، وقد توصلوا إلى كثير مما أرادوا من توهين المسلمين وإضعاف قوتهم، حينما بلغوا إلى العبث في جذور أخلاقهم الإسلامية العظيمة. وذلك لأنهم عرفوا بالخبرة التاريخية الطويلة، وبدراسة الأسباب النفسية أنّ الأخلاق في أفراد الأمم تمثل معاقد الترابط فيما بينهم وأنّ النظم الاجتماعية والتعاليم السلوكية التي جاء بها الإسلام والأديان الربانية الصحيحة تمثل الأربطة التي تشد المعاقد إلى المعاقد، فتتكون بذلك الكتلة البشرية المتماسكة القوية التي لا تهون ولا تستخذي”.[28]

وضرب العلامة الميداني على ذلك أمثلة من الأخلاق الإسلامية ومدى تأثيرها في تحقيق الترابط الاجتماعي.

المثال الأول: خلق الصدق، إنّ هذا الخلق بوصفه خلقاً ثابتاً في الفرد المسلم السوي معقد من معاقد الترابط الجماعي إذ تنعقد به ثقة المجتمع بما يحدّث ويخبر في مجال التاريخ والأخبار، أو في مجال نقل العلوم والمعارف، أو في مجال المعاملات المادية والأدبية، أو في مجال الوعود والعهود والمواثيق، وغير ذلك.

ومتى انهارت في الفرد فضيلة الصدق انكسر فيه معقد من معاقد الترابط الجماعي فانقطعت بينه وبين مجتمعه رابطة عظمى، وغدا الناس لا يصدقونه فيما يقول، ولا يثقون به فيما يحدث أو يخبر أو يعد، فلا يكلون إليه أمراً، ولا يعقدون بينهم وبينه عهداً، ولا يواسونه إذا اشتكى لهم من شدة، لأنهم يرجحون في كل ذلك كذبه، بعد أن غدت رذيلة الكذب هي الخلق الذي خبروه فيه.

المثال الثاني: خلق الأمانة، إنّ هذا الخلق بوصفه خلقاً ثابتاً في الفرد المسلم السوي معقد من معاقد الترابط الجماعي، إذ تنعقد به ثقة الناس بما يضعون بين يديه من مال أو سلطان  وبما يمنحونه من جاه أو تكريم، وبما يكلون إليه من تمثيل لهم في المجالس والمحافل والمجتمعات العامة أو الخاصة، وأشباه ذلك.

ومتى انهارت في الفرد فضيلة الأمانة انكسر فيه معقد من معاقد الترابط الجماعي فانقطعت بينه وبين مجتمعه رابطة عظمى، وغدا الناس لا يأمنونه على أي شيء ذي قيمة معتبرة لديهم، خاصاً كان أو عاماً، لأنهم يقدرون في نفوسهم أنه سيسطو عليه لنفسه، بعد أن غدت رذيلة الخيانة هي الخلق الذي خبروه فيه.

المثال الثالث: خلق العفة، إنّ هذا الخلق بوصفه خلقاً ثابتاً في الفرد المسلم السوي معقد من معاقد الترابط الجماعي، إذ تنعقد فيه ثقة الناس بما يضعون بين يديه من أعراضهم  فتأمنه الأسرة على أعراضها إذا غابت، ويأمنه الجار على عرضه إذا خرج من منزله إلى عمله وتأمنه الزوجة إذا غاب عنها من أن يختان نفسه، ونحو ذلك.

ومتى انهارت في الفرد فضيلة العفة انكسر فيه معقد من معاقد الترابط الجماعي فانقطعت بينه وبين مجتمعه رابطة عظمى، وأمسى الناس لا يأمنونه على أعراضهم، ولا يأمنونه على بلادهم ومصالحهم العامة، لأنّهم يقدرون في نفوسهم أنّ أعداءهم سوف يسهل عليهم شراؤه من مغمز عفته، فإذا اشتروه سخروه في خدمة أغراضهم.

وهكذا سائر الأخلاق الفاضلة الإسلامية، كالعدل، والجود، والوفاء بالوعد والعهد، والإحسان والعطف على الناس، والتعاون، وغير ذلك من فضائل الأخلاق، وبانهيار كل خلق منها ينكسر معقد من معاقد الترابط الجماعي، وتتقطع ما بينه وبين مجتمعه الرابطة المتصلة بهذا المعقد. وبانهيارها جميعاً تنكسر جميع معاقد الترابط الجماعي، وتنحل جميع الروابط الاجتماعية، ويمسي المجتمع مفككاً منبثاً، كحبات رمل تسفيها الرياح”.[29]

المطلب الثاني: كشف مشروع الهدم الأخلاقي

كشف العلامة الميداني عن مجموعة من الأقوال والشواهد التاريخية التي تبين بوضوح الكيد المبيت لهدم الأخلاق في المجتمعات الإسلامية، وهو مشروع مدروس يسعى إلى تحقيقه أعداء الأمة الإسلامية، لإدراكهم أهمية الأخلاق في المجتمعات الإسلامية وتأثيرها الفعال على الفرد والمجتمع.

وفيما يلي مجموعة من هذه الشواهد والأقوال:

  • جاء في خطاب “صموئيل زويمر” رئيس إرسالية التبشير في البحرين منذ أوائل القرن العشرين الميلادي، الذي خطبه في مؤتمر القدس التبشيري، الذي انعقد برئاسته سنة (1953م) ما يلي: ” ولكن مهمة التبشير التي ندبتكم دول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية ليست هي إدخال المسلمين في المسيحية، فإن في هذا هداية لهم وتكريمًا، وإنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام، ليصبح مخلوقًا لا صلة له بالله، وبالتالي فلا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها، وبذلك تكونون أنتم بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية، وهذا ما قمتم به خلال الأعوام المائة السالفة خير قيام، وهذا ما أهنئكم عليه وتهنئكم دول المسيحية والمسيحيون جميعًا كل التهنئة…!!
  • وجاء في نشرة المشرق الأعظم الماسوني الفرنسي لسنة (1923م) ما يلي: “وبغية التفريق بين الفرد وأسرته عليكم أن تنتزعوا الأخلاق من أسسها، لأنّ النفوس تميل إلى قطع روابط الأسرة والاقتراب من الأمور المحرمة، لأنّها تفضل الثرثرة في المقاهي على القيام بتبعات الأسرة…
  • وجاء في البروتوكول الثاني من المقررات اليهودية السرية ما يلي: ” إنّ الطبقات المتعلمة ستختال زهوًا أمام أنفسها بعلمها، وستأخذ جزافًا في مزاولة المعرفة التي حصلتها من العلم الذي قدمه إليها وكلاؤنا، رغبة في تربية عقولهم حسب الاتجاه الذي توخيناه. ولا تتصوروا أنّ كلماتنا جوفاء، ولاحظوا هنا أنّ نجاح “دارون” و”ماركس” و”نيتشه” والأثر غير الأخلاقي لاتجاه هذه العلوم في الفكر الأممي – أي عند غير اليهود- سيكون واضحًا لنا على التأكيد!!
  • وجاء في البيان الشيوعي الذي أصدره معلم الشيوعية الأول اليهودي “كارل ماركس” ورفيقه “انجلز” ما يلي: إنّ القوانين والقواعد الأخلاقية والأديان أوهام بورجوازية تتستر خلفها مصالح بورجوازية.[30]

خاتمة:

لم يترك أعداء الإسلام وسيلة من وسائل محاربته، ولا وسيلة من وسائل تفتيت وحدة الأمة الإسلامية، وتشويه العقيدة والثقافة الإسلامية إلا استنفذوها، ونجحوا في ذلك من خلال السيطرة على عقول الأجيال المسلمة، بالقبض على ناصية الأمة الإسلامية والتحكم بها عن بعد، لزمن ليس بالقصير، إلى أن أذن الله بظهور الصحوة الإسلامية التي كان العلامة الميداني أحد روادها، والتي كان لها الفضل في تحرير العقول الإسلامية من نير الضلالات الفكرية والبدعية التي غزتها لسنوات.

ويُعَدُّ العلامة الميداني رحمة الله عليه، بحق مدرسة علمية متميزة قائمة بذاتها في عطائها وإنتاجها وابتكارها واستنباطها، وتحليلها وربطها، وقد وفقه الله سبحانه إلى الإنتاج العلمي الغزير بما حباه الله من ذكاء وبصيرة نفاذة، وأُفق واسع، وأساس علميٍّ متين، وتمكُّن من علوم كثيرة كعلم المنطق، والأصول، واللغة، والفقه.. مع إخلاص عميق، وصلة قوية بالله عزّ وجلّ، واعتماد عليه سبحانه، واستشعار لفقره وحاجته الدائمة إلى عطائه عزّ وجلّ وعونه.

والعلامة الميداني قد هيأه الله تعالى للكشف عن زيوف المذاهب الفكرية الهدامة، والكشف عن حيل أعداء الإسلام، ووسائلهم الكثيرة، وأساليبهم الرامية إلى إخراج المسلمين عن دينهم إخراجا كليا أو جزئيا، وإبعادهم عن حصونهم الفكرية، والاعتقادية، والنفسية، والسلوكية، ومن أخطر وسائلهم هدم أسس الأخلاق وأبنيتها والاستدراج إلى الانحلال الأخلاقي..، وقد تصدى العلامة الميداني لهذه المشاريع اللاأخلاقية في إطار مشروعه الإصلاحي في الفكر الإسلامي المعاصر.


المصادر والمراجع:

  • القاموس المحيط، مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادى، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة الطبعة الثامنة 1426هـ/ 2005م.
  • مفردات ألفاظ القرآن الكريم، الراغب الأصفهاني، تحقيق: صفوان داوودي، الناشر: دار القلم – الدار الشامية، الطبعة الرابعة 1430ه/2009م
  • التعريفات، علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني المتوفى سنة 816هـ، تحقيق: ضبطه وصححه جماعة من العلماء بإشراف الناشر: دار الكتب العلمية بيروت – لبنان الطبعة الأولى 1403هـ/1983م
  • تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه المتوفى سنة 421هـ، حققه وشرح غريبه: ابن الخطيب، الناشر: مكتبة الثقافة الدينية، الطبعة الأولى 1329ه
  • التربية الأخلاقية الإسلامية، مقداد يالجين، مكتبة الخانجي للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، بدون سنة النشر
  • أجنحة المكر الثّلاثة وخوافيها، التبشير ــــ الاستشراق ـــ الاستعمار، دراسة وتحليل وتوجيه، عبد الرحمن حبنّكة الميداني، دار القلم – دمشق سوريا، الطبعة الثامنة 1420هـ/2000م
  • ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، عبد الرحمن بن محمد بن محمد، بن خلدون أبو زيد، ولي الدين الحضرمي الإشبيلي المتوفى سنة 808هـ، تحقيق: خليل شحادة الناشر: دار الفكر، بيروت الطبعة الثانية، 1408هـ-1988م، المجلد الأول
  • كواشف زيوف في المذاهب الفكرية المُعاصرة، دراسة عِلمية نقديّة تحليلية بمنظار إسلامي، لزيوف كُبريات الآراء والمذاهب الفكرية المعاصرة وأئمّتها، عبد الرحمن حبنّكة الميداني، دار القلم – دمشق، الطبعة الثانية 1412ه/1991م
  • الأخلاق الإسلامية وأسسها، عبد الرحمن حبنّكة الميداني، دار القلم، دمشق سوريا، الطبعة الخامسة 1420هـ/ 1999م الجزء الأول

[1] القاموس المحيط، مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادى، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة بإشراف: محمد نعيم العرقسُوسي، الناشر: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان، الطبعة الثامنة 1426هـ/ 2005م، ص 881، ولسان العرب، محمد بن مكرم بن علي جمال الدين ابن منظور، الناشر: دار صادر بيروت لبنان، الطبعة الثالثة 1414ه، الجزء 10، ص86.

[2] مفردات ألفاظ القرآن الكريم، الراغب الأصفهاني، تحقيق: صفوان داوودي، الناشر: دار القلم – الدار الشامية، الطبعة الرابعة 1430ه/2009م، ص 297.

[3] التعريفات، علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني المتوفى سنة 816هـ، تحقيق: ضبطه وصححه جماعة من العلماء بإشراف الناشر: دار الكتب العلمية بيروت – لبنان الطبعة الأولى 1403هـ/1983م، ص 101.

[4] تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه المتوفى سنة 421هـ، حققه وشرح غريبه: ابن الخطيب، الناشر: مكتبة الثقافة الدينية، الطبعة الأولى 1329ه، ص 41.

[5] التربية الأخلاقية الإسلامية، مقداد يالجين، مكتبة الخانجي للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، بدون سنة النشر، ص 75، كما في نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، موسوعة قيم أخلاق التربية الإسلامية، إعداد مجموعة من المختصين بإشراف: صالح بن عبد الله بن حميد، وعبدالرحمن بن محمد ملوح، دار الوسيلة للنشر والتوزيع، جدة المملكة العربية السعودية، بدون ذكر رقم الطبعة وتاريخها، ص 22.

[6] انظر: ويكيبيديا، الموسوعة الحرة، على الرابط:  https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%84%D8%A7%D8%A3%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9

[7] أجنحة المكر الثّلاثة وخوافيها، التبشير ــــ الاستشراق ـــ الاستعمار، دراسة وتحليل وتوجيه، عبد الرحمن حبنّكة الميداني،  دار القلم – دمشق سوريا، الطبعة الثامنة 1420هـ/2000م، ص 405-406.

[8] ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، عبد الرحمن بن محمد بن محمد، بن خلدون أبو زيد، ولي الدين الحضرمي الإشبيلي المتوفى سنة 808هـ، تحقيق: خليل شحادة الناشر: دار الفكر، بيروت الطبعة الثانية، 1408هـ-1988م، المجلد الأول، ص 184.

[9] انظر: أجنحة  المكر الثلاثة، عبد الرحمن حبنّكة الميداني، ص 240.

[10] كواشف زيوف في المذاهب الفكرية المُعاصرة، دراسة عِلمية نقديّة تحليلية بمنظار إسلامي، لزيوف كُبريات الآراء والمذاهب الفكرية المعاصرة وأئمّتها، عبد الرحمن حبنّكة الميداني، دار القلم – دمشق، الطبعة الثانية 1412ه/1991م، ص 199.

[11] أجنحة المكر الثلاثة، عبد الرحمن الميداني، ص 243.

[12]  أجنحة المكر الثلاثة، عبد الرحمن الميداني، ص 243.

[13]  المصدر السابق، أجنحة المكر الثلاثة، ص 202.

[14]  المصدر السابق، أجنحة المكر الثلاثة، ص 302.

[15]  أجنحة المكر الثلاثة، عبد الرحمن حبنّكة الميداني، ص 203.

[16]  انظر: أجنحة المكر الثلاثة، عبد الرحمن الميداني، ص 202-203، 209-210.

[17]  انظر: المصدر السابق، أجنحة المكر الثلاثة، ص 210-211.

[18]  المصدر السابق، أجنحة المكر الثلاثة، ص 211.

[19]  انظر: أجنحة المكر الثلاثة، ص407.

[20] انظر:  أجنحة المكر الثلاثة، ص 419.

[21]  انظر: أجنحة المكر الثلاثة، عبد الرحمن الميداني، ص 431-433.

[22]  انظر: المصدر السابق، أجنحة المكر الثلاثة، ص 439.

[23] الأخلاق الإسلامية وأسسها، عبد الرحمن حبنّكة الميداني، دار القلم، دمشق سوريا، الطبعة الخامسة 1420هـ/ 1999م  الجزء الأول، ص 102.

[24] كواشف زيوف في المذاهب الفكرية المعاصرة، عبد الرحمن الميداني، ص 203.

[25] انظر: كواشف زيوف المذاهب الفكرية المعاصرة، عبد الرحمن حبنّكة الميداني، ص 211.

[26] أجنحة المكر الثلاثة، عبد الرحمن الميداني، ص 401.

[27]  أجنحة المكر الثلاثة،  عبد الرحمن الميداني، ص 401-402.

[28]  أجنحة المكر الثلاثة، عبد الرحمن الميداني، ص 403.

[29]    انظر: أجنحة المكر الثلاثة، عبد الرحمن الميداني، ص 403-404.

[30] الأخلاق الإسلامية وأسسها، عبد الرحمن حبنكة الميداني، الجزء الأول، ص 38- 39.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.