منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المعلمة (قصة قصيرة)

مجيد فلوح

2

نشأتُ في حيٍّ شعبي، كل الجيران يعرفونني وأعرفهم، وكُلُّهم عليَّ رقيب، أَسْرَحُ من باب البيت إلى نهاية الشارع، والعائلة مطمئنة، كنت أحفظ الأزقةَ والبيوت وأبوابَها، والقلوب وملَّاكها، كل الناس عندي ملائكة..

حتى إذا جاءت عطلة الصيف، كانت لي وجهتان لا ثالث لهما، البادية، أو العاصمة..

في العاصمة الأحياءُ الشعبية مختلفة عن التي نشأتُ فيها، شُققٌ بعضها فوق بعض، ومُربعاتٌ سكَنِيَةٌ تَوأمٌ نشأت من بويضة واحدة لا تُفرق بينها..

خرجت المعلمة تبحث عني، عفوا لم تكن آنذاك معلمة، تلبس جينز وقميص مزركش الألوان من موضة السبعينات التي وصلتنا متأخرة، وشعرها مخرص ولم تكن لِتُمَيِّزَها عن شاب في مثل عمرها..

وأذكر أنها حين تزوجت كانت تبدو لي مع زوجها، كما كانت تبدو لي تلك المربعات السكنية في الحي الشعبي الرباطي..

المزيد من المشاركات
1 من 46

المختصر؛ خرجت لألعب أمام البيت، كما كنت أفعل دائما، فأذهلني عدد الأطفال الذين في عمري، وكنت أرمقهم بعيني، ولا يراودني لساني على محادثتهم، وأنتقل من مجموعة إلى أخرى، ولكل مجموعة ألعوبة خاصة، كنت كأَلِيسْ في مدينة العجائب..

وعندما استيقظت، وجدت نفسي محاطا بملاعب كثيرة لكرة القدم، وبلاعبين لا أَعُدُّهُم، فانطلق لساني يسأل الجميع:

– أرجوكَ عمي؛ أين تقع شُقة رقم كذا..

– أرجوكِ خالتي؛ خُذِيني إلى بيتي إلى خالتي فلانة ..

وأرمق من بعيد تلك المربعات السكنية التي خرجت منها حتى إذا بَلَغْتُها كنت كمن يبلغ السَّراب يحسبه ماءً..

كانت عيني جافَّة، مع أن قلبي الصغير لم يكن يتحمَّلُ ذلك الهَلَعَ الذي نزل به، أما عقلي فقد كان يدور في حَلَقَةٍ مفرغة كما يدور حمار الرَّحى..

لم يكن وجه المعلمة بأحسن حال من وجهي، كان ذلك ظاهرا عليه، يختلط فيه الغضب والخوف، كَتَمَ فيَّ كلَّ الفرحِ الذي كُنتُ أَذَّخِره حين كنتُ أَعِدُ نفسي وأُأَمِّلُها بالنَّجَاةِ..

مقالات أخرى للكاتب
1 من 7

بعد بضع سنوات، انتقلتِ المعلمة مع زوجها المعلم إلى جبال الأطلس لأداء الواجب الوطني وحملوني مع حقائبهم وكنت ابنهم الأول..

وفي تلك الجبال البعيدة، كانت الزوجة التي تقوم بدورها أحسن قيام، وتُعِدُّ من الأطباق ما لذ، “تاكل معاها صبعانك” كما يقول المغاربة في لسانهم الدَّارج..

وعلى ذكر الطعام، وممَّا لم تنسه ذاكرتي الصغيرة، أننا اشتقنا في تلك الجبال إلى ” البْقُّولَة” وخرجنا نبحث عنها ولم نجدها، وبعدها بأيام قليلة أحضر أحد التلاميذ طبقا منها، فأكلنا حتى شبعنا، وطلبت المعلمة من زوجها أن يسأل عن مكان تواجد ” البْقُّولَة”، وكان جواب التلميذ أن تلك الوجبة التي ملأنا بها بطوننا لم تكن “البْقُّولَة”، وإنما “الفْصَّة”..

وكانت الطالبة التي تتابع دراستها الجامعية عن بعد، في زمان كنتَ إذا أردت إجراء مكالمة هاتفية، أو إرسال برقية بريدية، عليك أن تنتقل لِكيلومتراتٍ على وسائل نقل متعددة تبدأ بالحمير والبغال في أحسن الأحوال..

ولا بد حين أذكر البغال، أن أحكي لكم قصة..

كانت عناية الله حاضرة في تلك الجبال البعيدة الباردة المثلجة، استقبَلنا فيها ليلةَ قُدومنا شيخ وقور، رأته المعلمة وزوجُها، لأكثر من مرة، ولكن في عالم الغيب، يأمرهما كما يأمر الأبُ أبناءه وينصحهم..

استجابا لطلبه بعدما ألحَّ عليهما واتفقت رؤاهُما..

وكان معي في القسم، تلميذٌ جميلٌ أبيضَ اللون عليه حُمرة، ذكي مجتهد، لم يكن ينافسه في الدراسة إلا أَنَا القادم من المدينة، وكان يلقب بـ “ولد الشريف” وكان يقيم مع جده في الزاوية الإدريسية القريبة من المدرسة التي كنا نسكن فيها..

وكنَّا إذا أردنا الخروج من القبيلة والسفر إلى المدينة يحضر لنا ذلك البَغلَ الذي تَحسِبه جوادا من عَظَمَتِه..

كان ذلك البغلُ هو الصِّلَة الوحيدة التي بيننا وبين الزاوية، فرغم أن المعلمة وزوجها طلبة في كلية الشريعة، لم يكونا ممن يحرص على زيارة الزَّوايا ولا مجالسة الشيوخ..

وفي تلك الأماكن البعيدة، كانت تلك الزاوية مأوى وملجأ ومطعما لكل غريب، وكانت تنفق أكثر مما تأخذ، لم يكن لها موسم ولا قرابين، اكتشفنا ذلك حين قدمت إلينا جدتي، ولم يكن تمةَ مَعْلَمٌ سيَّاحيٌّ إلا تلك الجبال الجميلة التي لم تكن مغريةً لتلك الجدةِ التي نشأت في البادية، والزاوية..

أخذت المعلمة أمها إلى الزاوية، وأقمنا فيها ليلةً كاملة، وكان من عادتهم الجميلة، أنهم يَخُصُّون العائلةَ الواحدةَ ببيتٍ واحدٍ لا يشاركهم فيه غريب، ويَضَعون لهم المائدة ويغادرونها لرَفْع الحَرج عن الضيف ويأكل وليس عليه رقيب..

والمفاجأة التي أذهلت المعلمَ والمعلمةَ هي لقاؤهما بالشيخ، أخذ ينظر بعضهما إلى بعض في ذهول قالا: هو هو.. يقصدان من استقبلهما في المنام..

وكانت بالنسبة لي الأم، والمعلمة، لدرجة أنني لا أتذكر المعلم الذي كان يدرسني اللغة العربية، لأنها كانت تغنيني عن الدرس..

عدت إلى المدينة بعدما قضيت عاما كاملا في تلك الجبال البعيدة، حملت ذكرياتي القليلة معي، وتركت المعلمة تكابد..

تظهر قَسوةُ تلك الأماكن المنسيَّة حين يصيبك مثلما أصاب المعلمة، تركتني مع ابنتها الأولى في حضن جدتي في المدينة، وحملت بابنتها الثانية في أحشائها، ثم في حضنها، حتى ملأت عليها المكان، وأدخلت عليه السعادة، وكانت هذه البنتُ الصغيرة أكبرَ بكثيرٍ من عمرها، لم تنتبه المعلمةُ إلى أن هذه المخلوقةَ العجيبة لم تكن من أبناء الدنيا حتى انتقلت إلى الدار الآخرة..

وكان السفر إلى الآخرة على متن حافلة لنقل المسافرين بعدما عجز عن علاجها المستوصفات القريبة الفارغة من المعدَّاتِ، ولَزِمها الانتقال إلى المدينة الكبيرة التي ينذر إليها وسائل النقل السريعة..

فقدتها وهي بين ذراعيها تأكل من قطعة خبز أخذتها من الممرضة، تحكي المعلمة أن الممرضة عرضت علينا ذلك الخبزَ الحلوَ المزيَّن بالزَنْجَلان الذي نسميه “القْراشْل” واعتذرتُ عن أخذه، فنزلت بنتي المريضة من بين يديَّ، وخطت خطواتٍ سريعة إلى الممرضة وأخذتهُ من يدها مع ابتسامة صغيرة لتأخذهُ معها إلى دارها الدائمةِ..

لم يَحْلُ المقامُ بعد ذلك في تلك الأماكنِ البعيدة، تخرَّجت من مدرسة المعلمين، والتحقت بزوجها حيث كانت دائما، وقلبها معلق بالمدينة، لا تقيم في فرعية إلاَّ إلى حينِ شُغُورِ مكان أقربَ إلى المدينة..

كانت الزوجة والأم والطالبة والمعلمة، كانت أمًّا لبناتها وللعائلة جميعا، وكان بيتها تلك الزاوية الراسخة في العائلة رسوخ الجبال الأطلسيَّة..

انتقلت بعد سنوات إلينا إلى المدينة، وكانت تلعن “قاسم أمين” الذي أخرج المرأةَ للعمل، وذلك حين تجد نفسها تقوم بالدَّورين، دور المرأة الحداثية المعاصرة التي تدافع عن حقوق النساء، ودور المرأة “التقليدي” الذي لا يَعْذِرُها المجتمع إن تركَته، وإن عذرها زوجها..

الآن وقد غادرت الأقسام، ولم يعد يربطها بالتعليمِ ورجالِه إلا تلك التجمعاتِ النقابية..

واعذرني أيها القارئ الكريم، فهذه الأحداثُ يَسْتَجْلِبُ بعضها بعضا ويَسْتَدعيه، هذه المعلمة التي أحكي لكم عنها كانت أيضا تحمل في قلبها همَّ فلسطين..

أذكر أننا كنا نعرض مسرحيةً حول القضية الفلسطينية، نطوف بها بعض المناطق، وفي دور الشباب، وكنت أحدَ أبطالها الصغار، وكان لي دور مهمٌ جدا، في مدينة صفرو تأخَّر العرضُ لأسباب لا أتذكرها، وخَلَدْت إلى النوم، وحين حان دوري لأصعدَ الخَشَبَةَ، وكنت ذلك الطفل المضطهد الذي عليه أن يَفِرَّ من ذلك المُحتلِّ الغاصِب الذي يُطارده، هذه شخصيتي في المسرحية، أما في الواقع فقد كنت ذلك الطفل المضطهد الذي حُرِمَ من نومه  يُسارعُ الخُطَى إلى فراشه، تعثرتُ بين خشبات المنصَّة المُهترئة اهتراءَ المشهد الثقافي الذي كنا نحاول ترميمه، واهتز الجمهور يصفق مع ضحكات، معتقدا أنني أصنع مشهدا فكاهيا، كما يصفق على كثيرٍ من المشاهد الاجتماعية اليومية..

اليومَ وبعد عقودٍ من التعليم يسرُّها أن تحكيَ عن بعض التجارب التربوية الناجحة، وهكذا الكبارُ بعد اختمارِهم لا يبقى من إنجازاتهم التي يَحقُّ لهم الافتخار بها إلا تلك التي صنعتِ الإنسانَ..

مما تفخر به أنها استطاعت أن تنقذ بضع تلاميذ من دوَّامة التِّيهِ، وتحكي أنه كان لها تلميذ كبير لا يجتاز مرحلة إلا برصيد مضاعف، كان في عمر ابنتها التي في الثانوي، وهو لا يزالُ في الابتدائي..

استعملتَ معه كثيرا من الطرق التربوية التقليدية والحديثة، وكانت دائما تبحث عن الشرارة التي سَتُوري زَنْدَه، وتَشْعَلُ فَتِيلَه..

نفعتها تجربتها على خشبات المسرح، وأدخلته إلى نادي المسرح، وكلَّفته بالمحافظة، فكان عليه قراءة النص، ومتابعة الأدوار، وتكرارها، ودفعته مسؤوليته الجديدة إلى حفظ نصوص المسرحيات، وكلَّفته أيضا بالإنارة، فأخرجه كل هذا إلى عالم الاجتهاد والاهتمام..

بعد سنوات تقول المعلمة اعترضني رجل شاب يناديني أستاذة أستاذة، حتى إذا استدرت إليه، شكرني شكرا، هو أحبُّ إليَّ من كل شهادات الدنيا..

اليوم أقرأ رسائلها على بعض وسائل التواصل الاجتماعي، وتستفزني تلك الصرخاتِ الغَيْرِ مُعْلنة، والمكتومة التي تتضمنها تلك الرسائل، صرخات تقول أهكذا تكافأ المعلمة؟ !

أما أنا فَأَحِّنُّ إلى تلك المعلمةِ كما يحن الرضيع إلى أمه، وأفزع إليها كلما اشتد بي شديد، وأجدها كما هي دائما؛ معلمة..

2 تعليقات
  1. عبد العزيز قريش يقول

    احتضان جميل بأجمل منه قل نظيره في زمن النسيان والتناسي.

  2. م.بوغابة يقول

    بارك الله فيكم سيدي امتعتنا بهذه القصة الرائعة و دائما تؤنسنا بخبايا القصص و معانيها القيمة حفظكم الله ورعاكم وسدد خطاكم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.