منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

جدلية العلاقة بين تدريس اللغة العربية والتدريس بها

جدلية العلاقة بين تدريس اللغة العربية والتدريس بها/ أ.د. عائشة عبيزة

0

جدلية العلاقة بين تدريس اللغة العربية والتدريس بها

 أ.د. عائشة عبيزة [1]

 

نشر بمجلة النداء التربوي، العدد 25-26، السنة الثالثة والعشرون 1441 هـ – 2020م،

الصفحات من 138 إلى 145

 

توطئة:

تقوم فكرة هذا البحث على كيفية التعامل مع اللغة وذلك باعتبارها هدفا يسعى المتعلم في طور الدراسة إلى اكتسابه والتمكن من استعماله في جميع تعاملاته، وفي نفس الوقت هي وسيلة لفهم النصوص التعليمية في جميع مواد الدراسة، وتتمثل نقطة التحول في مسار التعامل مع اللغة في “متى تتم عملية الاكتساب؟ ومتى تبدأ مرحلة الانتقال إلى مكانة الوسيلة الأساسية في نقل المعارف والأفكار والتعبير عن المشاعر والانشغالات؟ ” .                                                                    

لقد تعددت آراء الباحثين في نظرتهم للغة من الناحية العلمية والتعليمية وذلك بتعدد الأسس والمنطلقات المعرفية، فاللغة مرآة الفكر وهي تعكس نظرة مستعمليها للحياة بكل تفاصيلها ومستوياتها، لذلك كان العلماء والمفكرون يتعاملون مع اللغة على أنها تعكس شخصية مستعملها كما تمثل ثقافته فهذه مقولة عمر بن الخطاب _رضي الله عنه _:” أظل أهاب الرجل حتى يتكلم فإن تكلم سقط من عيني، أو رفع نفسه عندي “. هذه المقولة مثال على مكانة اللغة من صاحبها فهي التي ترفع الشخص أو تسقطه في نظر الآخرين وهذا ما يفسّر علاقة اللغة بالفكر والهوية.

فمن جهة، تعتبر اللغة مادة تسعى الهيئات المشرفة على المراكز التربوية والتعليمية لإدخالها ضمن المواد التعليمية كمادة تعلم، ومن جهة أخرى هذه المادة تكتسب كمهارات متنوعة ومتكاملة لتحقيق الهدف من تعليمها وهو التعامل من خلالها والتعبير بها، ومن ثم ينبغي معالجة هذا الطرح وفق ثنائية تتبادل قيم التأثير والتأثر في واقعها التطبيقي وتتمثل في تعليم اللغة والتعليم بها.

1.تعليم اللغة وتعلمها:

تسعى المناهج التربوية والتعليمية إلى تقديم اللغة من خلال مجموعة من الدروس المتكاملة والمتناسقة والتي تتدرج بحسب الأولويات الاستعمالية للغة فابتداء من الأصوات مرورا بالحروف والكلمات وصولا إلى التراكيب الدالة والنصوص المعبّرة كمرحلة اكتساب فعلية للغة عند التلاميذ.

هذا، وارتبطت عملية اكتساب اللغة بمفهومي التعليم والتعلم من الناحية الاصطلاحية كثيرا وذلك لأنها أصبحت مرتبطة بحيّز زماني ومكاني يرتبط بمرحلة الالتحاق بالمدرسة، إذ لا وجود لاكتسابها طبيعيا من المجتمع كما كان الشأن في عصر الفصاحة، وانطلاقا من هذا المفهوم يمكننا أن نتناول واقع اللغة في مراحل اكتسابها ومكانتها في عملية التعليم ضمن مفاهيم ارتبطت بها ويمكنها أن تسهم في تطويرها ونجاح اكتسابها.

1.1.اللغة وسيلة وغاية:

لا يمكننا وضع حد فاصل بين تعلم اللغة والتعلم بها إلا إذا فسرنا ذلك بنظرية الكم والكيف، لأن مدار المسألة كلها يقوم على ذلك، إذ إن تعلم اللغة يرتبط بالممارسة والتداول لتحصل منه عملية الاكتساب لذلك تعتبر علوم اللغة العربية تخصصات علمية تكشف أسرار اللغة وتظهر مميزاتها لكن الملكة لا تحصل من خلالها فقط، فهذا ابن خلدون يفصل بين اكتساب القواعد النحوية واكتساب اللغة بقواعدها النحوية بقوله: ” ذلك أن صناعة العربية هي معرفة قوانين هذه الملكة ومقاييسها خاصة، فهو علم بكيفية لا نفس كيفية … من هذا تعلم أن تلك الملكة هي غير صناعة العربية، وأنها مستغنية عنها بالجملة ” ([2])، ويفرق بوضوح أكثر بين معرفة قوانين اللغة وبين التمكن من استعمالها وحصولها ملكة لسانية ” وهذه الملكة كما تقدم دائما تحصل بممارسة كلام العرب وتكرره على السمع والتفطن لخواص تراكيبه، وليست تحصل بمعرفة القوانين العلمية في ذلك …. فإن هذه القوانين إنما تفيد علما بذلك اللسان ولا تفيد حصول الملكة بالفعل في محلها ([3]). وهو بذلك يتقارب مع تعريف تشومسكي للكفاية اللغوية والأداء اللغوي الفعلي، فالكفاية اللغوية عند تشومسكي هي المعرفة الضمنية بقواعد اللغة وهي بالتالي بمنزلة ملكة لا شعورية تجسد الأداء الكلامي ([4]).

تعتبر اللغة العربية في المدرسة الوسيلة الأساسية في عملية التعليم والتعلّم، فهي العامل المشترك لإجراء التعلّم في جميع المواد المقررة، وأداة فاعلة في إرساء التعلمات وإكساب الموارد الضرورية لتنمية كفاءات المواد، والكفاءات العرضية المتنامية ضمن سيرورة التعلّم ذي الملامح المشتركة المبنية على القيم الوطنية والإنسانية.

إنّ عملية التعلّم في هذه المرحلة تستهدف بالدرجة الأولى التّمكن السليم والوظيفي للغة العربية، لأنّها إحدى الوسائل في تحقيق المدرسة لوظائفها، ومن أهمّ هذه الوظائف تمكين المتعلم من التواصل اللغوي الإيجابي وفهم أنواع الخطاب، ونقله، والتفاعل معه تفاعلا يعبّر عن واقعه المعيش، وعن البيئة المحيطة به ([5]).

2.2. اللغة بين الاكتساب والملكة:

يحدد ابن خلدون حصول الملكة وفق معيارَيْ : الكمية والكيفية بقوله: «…حصول ملكة اللسان العربي إنما هو بكثرة الحفظ من كلام العرب، حتى يرتسم في خياله المنوال الذي نسجوا عليه تراكيبهم فينسج هو عليه، ويتنزل منزلة بذلك من نشأ معهم ([6])»، ثم يضيف في نفس السياق  مؤكدا على ثنائية الكم والكيف وأن لنوعية المحفوظ وكميته أثر في امتلاك اللغة، إذ كلما كان المحفوظ جيداً وكثيراً كانت الملكة أجود، وهو ما نستشفه من قوله: «وعلى قدر المحفوظ وكثرة الاستعمال تكون جودة المقول المصنوع نظماً ونثراً» ([7]) ، والدعوة إلى حفظ كلام العرب قديمة، ودليل ذلك ما جاء في كتاب «طبقات النحويين واللغويين»، حيث قال الزبيدي: «ولم تزل الأئمة من الصحابة والراشدين… يحضون على تعلم العربية وحفظها والرعاية لمعانيها…»([8]).

عندما كان المتكلم العربي ينشأ في وسط لغوي كله عربية فصحى، فلا يحتاج إلى أن يتعلمها على يد معلم، وبهذا فسّر القول الشائع  بأن اللغة العربية طبع في العرب ([9]) _ رغم ما فيه من تجاوز لمفهوم اكتساب اللغة في فكر ابن خلدون _ لكن هذه الملكة فسدت بسبب اختلاط العرب بالعجم، لذلك لم يعد السماع وسيلة كافية لتعلم اللغة الفصحى، ومن ثمّ كان اكتساب ملكة اللغة العربية في المدرسة يقوم على تعليم اللغة بكشف قوانينها المنظمة أمام ناظر المتلقي، وهذا الجانب من الاكتساب اللغوي يعتمد أساسا على ازدواج وظيفتي اللغة: الوظيفة المرجعية ووظيفة ما وراء اللغة، بحيث إن المعلم والمتعلم واعيان عند تواجدهما بأنهما يعملان على تحصيل ملكة اللغة عند فاقدها، وبذلك فهما في حوارهما يتكلمان اللغة ويتكلمان باللغة عن اللغة بكيفية متداخلة تمام التداخل([10]) .

2.3. اللغة بين الحفظ والتكرار والاستعمال:

المراحل الثلاث الأساسية لتعليم اللغة العربية وتعلمها كما حددها ابن خلدون تتمثل في “الحفظ والتكرار والاستعمال”، ويمكننا أن نستشف هذه المراحل في التعليم المدرسي بشكل واضح، إذ تقوم مناهج تدريس اللغة على اختلاف توجهاتها ومبادئها التعليمية على النصوص التي يمكن اعتبارها نموذجا للحفظ تصاحبه مجموعة من الأنشطة اللغوية كالقراءة وتحليل النصوص وشرح غوامضها، وهي بذلك تعتبر تكرارا للخبرة اللغوية المكتسبة ويكون بذلك الحفظ لتلك النماذج التي تتمتع بملاءمة مستوى المتعلم كأنماط تركيبية تشكل نظاما في ذهن المتعلم ( المنوال كما يسميه ابن خلدون) ومن خلال تسلسل محتويات الدروس في المقررات المدرسية نجد أن فعل التكرار والتعود يتم تلقائيا  نتيجة اطراد القواعد اللغوية ونظامها الشكلي والمعنوي، لتأتي أنشطة التعبير بنوعيه الشفهي والكتابي أو ما يسمى بإنتاج المنطوق والمكتوب كصورة للممارسة والاستعمال الذي يصل  إلى حصول الملكة عند المتعلم مع مراعاة أن تعليم اللغة باللغة يحتاج إلى اتخاذ وسائل تعليمية تساعد على  التعامل مع هذه الحالة المتداخلة لتعليم اللغة .

والاستعمال هنا معناه أن يستخدم المتعلم ما حفظ وفهم في أساليبه، ومن طبيعة الحال ليس المقصود هنا أن يستظهر ما حفظ، بل أن ينسج كلاماً على منوال ما حفظ وما فهم، وهو ما عبّر عنه ابن خلدون بالتصرّف، حيث قال: «… ثم يتصرف بعد ذلك في التعبير عما في ضميره على حسب عباراتهم، وتأليف كلماتهم، وما وعاه وحفظه من أساليبهم وترتيب ألفاظهم، فتحصل له هذه الملكة بهذا الحفظ والاستعمال» ([11]). إن الحفظ والفهم غير كافيين لحصول الملكة اللغوية، فالمتعلم الذي لا يستعمل ما حفظ وفهم لا يملك ملكة اللغة العربية الفصحى، وعلى هذا، فملكة اللغة العربية لا تحصل إلا بهذه الأمور الثلاثة مجتمعة، ويبقى الاستعمال أهم هذه الأمور.

وقد أكّد ابن خلدون على أهمية الاستعمال في تعليم اللغة وحصول الملكة فجعله حداً فاصلاً بين مصطلحين، هما صناعة اللغة العربية وملكة اللغة العربية، فمعنى صناعة العربية أن يمتلك المتعلم قوانين اللغة من إعراب ونحوه، وأن يحفظ كلام العرب، لكن دون تطبيق ذلك في كلامه هو، فهذه لا تسمى عنده ملكة، بل صناعة، وحين يستعمل المتعلم المحفوظ والمفهوم، فهو عندئذ يملك الملكة اللغوية، وقد أجاد ابن خلدون في شرح الفرق بين الصناعة والملكة بالتمثيل بمثال حسي، إذ اعتبر من لا يستعمل اللغة وهو يعرف قوانينها كمن يعرف قوانين الخياطة والنجارة معرفة نظرية فيصف ما ينبغي القيام به في الصناعتين، لكن إذا طُولِبَ بأن يطبق معرفته النظرية عجز ([12]) .

2.اللغة بين تعليمها والتعليم بها:

           2.1. مرحلة تعليم اللغة العربية:

تمثل هذه المرحلة السنوات أولى من التعليم الابتدائي إذ تقدم المناهج أساسيات اللغة خصوصا الأصوات والحروف العربية لتمثل بداية التعارف بين لغة المدرسة ( الفصحى) ولغة البيت والشارع( العامية) فيكون التلميذ بحاجة إلى معرفة الأصوات في شكلها المكتوب ذلك أن الصوت يبدو مألوفا ومستعملا في عاميته وإنما ما يحتاجه هو الانتقال إلى لغة تشكلت قواعدها وتناسق نظامها وشكلت النمط الذي يوحّد الشعوب العربية وتُجمع على قداسته الأمة الإسلامية، فهي لغة تمتلك من آليات التعبير والتفكير ما يجعلها لغة العلم والتعليم لذلك تركز المناهج التربوية على تعليمها إلا أنها تتعارض في كثير من الأحيان مع اللغة  الأم للطفل العربي بسبب العاميات التي يتلقاها  بصورة طبيعية .

وكما سبق وأن رأينا فإن طريقة اكتساب العربية عند ابن خلدون هي حفظ كلام العرب القديم، وجعل القرآن الكريم والحديث الشريف من أوّل ما ينبغي أن يحفظ ابتغاء هذه الملكة، ثم يأتي بعد ذلك كلام السلف عامة، ثم كلام فحول العرب، يقول ابن خلدون: «ووجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكة أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم من القرآن والحديث، وكلام السلف، ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم… حتى يتنزل لكثرة حفظه لكلامهم… منزلة من نشأ بينهم» ([13])

   2.2. مرحلة تعليم اللغة العربية والتعلم بها:

إنّ اللغة العربية في مرحلة التعليم المتوسط ليست مادة دراسية فحسب، ولكنّها وسيلة لتعلّم المواد الأخرى، ومن هذا المنطلق، فإنّ منهاج اللغة العربية ليس غاية في حدّ ذاته، وإنّما هو وسيلة لتمكين المتعلمين من القدرة على تعديل سلوكهم اللغوي، من خلال تفاعلهم مع الخبرات والأنشطة اللغوية.

وفي ضوء ما سبق ذكره ، تأخذ اللغة العربية مكانة بارزة في مرحلة التعليم المتوسط، حيث إنّها الأساس المهمّ في بناء التعلّم  فكريا ونفسيا واجتماعيا ، كما أنّها وسيلة بناء التعلمات في المواد الدراسية المختلفة، ولا يستطيع أيّ متعلّم أن ينتقل من مستوى إلى آخر أو من مرحلة إلى أخرى قبل أن يتحكم في كفاءات ميادين اللغة الأربعة: الاستماع ، والحديث ، والقراءة ، والكتابة ، ولنأخذ على سبيل المثال مهارة القراءة التي ترتبط كثيرا بالفهم والاستيعاب وفي نفس الوقت تحتاج لمعرفة لغوية لتحصيل أهدافها وتحقيق الكفاءات المرتبطة بها.

   2 . 3. مرحلة التعلم باللغة العربية:

في هذه المرحلة تصبح اللغة وسيلة لاكتساب المعارف والأفكار…. إنّ التحكم في اللغة أساس التحكم في المواد الدراسية الأخرى، التي تساعد على إثراء جوانب معرفية متنوعة لدى المتعلّمين، وتمكّن من تنمية كفاءات عرضانية في مجال الفكر والثقافة، والمنهجيات، والتواصل الاجتماعي والفردي. فعن طريق اللغة يستوعب المتعلمون المفاهيم الأساسية ويعبرون بها عمّا لديهم من أفكار في تفاعل مشترك مع المواد الدراسية المقرّرة، لأنّ العزلة بين اللغة وبقية المواد غالبا ما تؤدي إلى عدم الانسجام، ممّا يتسبب في ظهور تفاوت مشين في نوع المفردات والتراكيب المقدمة في إنتاج المتعلمين، لذا يتوجب على الأساتذة ([14]).

إنّ تحكم المتعلم في اللغة العربية نجاح، يساعده على بناء شخصيته الفكرية والنفسية والاجتماعية، ممّا يؤهله لبلوغ مراحل أخرى بيسر وثقة تعينه على فهم روح العصر والتكيف مع الحياة العملية تكيفا يمكنّه من مجابهة المشكلات التي تعترض سبيله فيجد لها الحلول المناسبة بمساعيه الذاتية أو بتعاونه مع الآخرين من أفراد المجتمع الذي ينتمي إليه أو يكون متواجدا فيه، ولا يتأتى هذا إلاّ بالتحكم في الكفاءات الأربع للّغة (الاستماع والتحدث والقراءة والكتابة) وذلك ب ([15]) ـ:

_ تنمية المتعلم لكفاءاته اللغوية ومهاراته في التواصل الكتابي والشفوي.

_ تحكمه في تقنيات التعبير والقواعد الأساسية النحوية والصرفية والإملائية والأساليب البلاغية وتوظيفها عمليا.

_ فهم المسموع والمكتوب والتفاعل معهما.

_ كتابة نصوص متنوعة ( وصفية، سردية، حوارية، توجيهية، حجاجية، تفسيرية ) في وضعيات تواصل مختلفة.

_ قراءة مقرونة بجودة النطق وحسن الأداء وتمثيل المعنى.

_ فهم المعاني المتعددة للكلمات.

_ اكتساب ثروة لغوية مناسبة.

_ مناقشة أفكار النص المقروء وإصدار الأحكام في شأنها.

_ التمييز بين الأفكار الأساسية والفرعية في النص.

_ شرح معاني النص شرحا مترابطا، منسجما.

_ تلخيص المقروء بلغة سليمة وفكر منتظم.

ومن خلال هذه الأنشطة يمكن للممارسة  اللغوية أن تصل إلى تمامها وتستوفي أركانها، إذ كل عنصر من هذه العناصر يمثل مرحلة نوعية في الممارسة اللغوية في سبيل اكتسابها والقدرة على استعمالها، فقد كان تعليم اللغات قديما يسعى إلى إكساب المتعلّم كفاءة لغويةCompétence linguistique   باستخدام الطرائق المباشرة والتقليدية في التعليم، ليستهدف اليوم الكفاءة التواصلية Compétence Communicative ، ولكنّه لا توجد قطيعة بين الاتجاهين، كتلك التي كانت توجد بين الطرائق المباشرة، والطرائق التقليدية، بحيث يستمر ” تعليم اللغة” وليس ” الحديث عن اللغة “، ولكن التفريق واضح بين النظام الذي يمثل الكفاءة اللغوية، وبين الاستعمال الذي يمثل كفاءة التواصل، وهذا يدل على أنه عندما نكون بصدد التواصل، تعرّف اللغة كممارسة اجتماعية ([16]) ، تتحدد طبيعتها انطلاقا من توظيفها في السياقات والأحوال المناسبة لها مع إدراك أبعادها التداولية .

 الخاتمة:

الغرض من تعليم اللغة هو اكتسابها والتعامل بها فهما وإنتاجا، وليس بإدراك خصائصها والحديث عنها لذاتها بصيغة الوصف والتحليل، فقاعدة الفاعل النحوية مثلا بأنه اسم وأنه مرفوع وأنه …. بكل أحكامه ليس هدفا وإنما وسيلة تعرفك بخصائصه اللفظية والمعنوية لتمكنك في النهاية من استخدامه في تعابيرك بشكل صحيح ودال في تركيب متكامل مفهوم ومفيد، وكذلك بقية القواعد الصوتية والصرفية فكل أبعادها استعمالية.

ولعل أهم ما نصف به اللغة في سياقها التعليمي أنها وسيلة للتبليغ والتواصل وفي نفس الوقت غاية يسعى المتعلم لاكتسابها لغاية أخرى تتمثل في اكتساب المعارف والأفكار على اختلاف تخصصاتها وأهدافها، وبما أن اللغة تمثل صورة متكلميها  فتعكس مستوياتهم وتخصصاتهم، ومن ثم فإنه يمكننا القول “إن النجاح في تحصيل الملكة اللغوية نجاحٌ في تحصيل المواد الدراسية التي تتخذ اللغة وسيلة للتعبير عنها”، وهو ما  ينبغي أن تؤكد عليه المناهج التربوية وتسخّر له الجهود متخذة في ذلك شعار ” النجاح في تعليم اللغة وتعلّمها سبيل التحصيل في المواد التعليمية كلها”، إذ إن المواد العلمية والرياضية _ وليس فقط الأدبية _ تقوم على مصطلحاتها وتموضع هذه الأخيرة  في سياقها اللغوي، ومن ثم  فإن الضعف في اللغة يقلّل من فرص التعامل مع محتويات هذه المواد وهذه العلوم ،  لذلك فإن تحسين وضعية تعليم اللغة العربية خصوصا في المرحلة الابتدائية (كفاءة واستعمالا) هو  الرهان الذي نكسب به تعليما ناجحا وتحصيلا  جيدا .


[1] . أستاذة باحثة في قسم اللغة والأدب العربي، جامعة الأغواط_ الجزائر، مديرة مخبر التداولية وتحليل الخطاب.

[2] . ابن خلدون عبد الرحمن: مقدمة ابن خلدون: ت: عبد الله محمد الدرويش، دار يعرب، دمشق، 2004، ج2، ص: 385.

[3] . نفسه، ج3، ص: 387.

[4] . ميشال زكريا: قضايا ألسنية تطبيقية، دراسات لغوية اجتماعية نفسية مع مقارنة تراثية، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ط1، 199، ص :62.

[5] . محمد أحمد بلالا ومحمد صدوق: حضور النص الأدبي الجزائري في الكتاب المدرسي (سنة أولى متوسط أنموذجا). مخطوط رسالة ماستر، إشراف: لوصيف لخضر، جامعة الجلفة، 2016_2017   ص: 50.

[6] .   المقدمة، ج2، ص: 386.

[7]  .  نفسه، ج2، ص: 384.

[8]  . أبو بكر بن محمد بن الحسن الزبيدي الأندلسي: ت. أبو الفضل محمد بن إبراهيم، دار المعارف، مصر، ط 2، ص :12.

[9]  . المقدمة، ج2، ص: 387.

[10] . عبد السلام المسدي: التفكير اللساني في الحضارة العربية، الدار العربية للكتاب، ط2، 1986، ص: 228.

[11] . المقدمة، ج2، ص: 384.

[12] . المقدمة، ج2، 385.

[13] المقدمة، ج2، ص: 384.

[14] .  المجموعة المتخصصة لمادة اللغة العربية، الوثيقة المرافقة لمنهج اللغة العربية مرحلة التعليم المتوسط. وزارة التربية الوطنية.2015.الجزائر، ص: 2. وينظر: محمد أحمد بلالا ومحمد صدوق: حضور النص الأدبي الجزائري في الكتاب المدرسي (سنة أولى متوسط أنموذجا). مخطوط رسالة ماستر، إشراف: لوصيف لخضر، جامعة الجلفة، 2016_2017، ص: 52.

[15] . نفسه. ص :52 ،53.

[16] _ http://cte.univ-setif.dz/coursenligne/conpetencecommunicative/co/ch%202%20grain.html

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.