منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أزمة التدريس الرقمي في البيئات التعليمية العربية زمن كورونا

الدكتور إدريس مقبول

0

غياب التخطيط والجاهزية للأزمات وسياسة التخبط في النظام التربوي والتعليمي:

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على النبي الكريم وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

بداية الشكر موصول لفضيلة أخي الدكتور مصطفى الحكيم على هذه الدعوة الكريمة ولكل القائمين على هذا المؤتمر وعلى فكرته ورعايته وللمشاركين أيضا التحية والسلام.

أمضي مباشرة للموضوع الذي اخترت أن أتحدث فيه وهو المتعلق برصد لأزمة  التدريس الرقمي في زمن كورونا وتحديدا بالمؤسسات التعليمية العربية.

طبعا أزمة كورونا غطت على العالم، لكن سأحاول على كل حال أن أتحدث فيما يتعلق بمنطقتنا العربية. بلا شك في الوضع الحالي نحن إزاء عوالم جديدة تتشكل، وعادة العوالم الجديدة تبدأ في التشكل بتراجيديات قاسية وبأزمات أليمة كما علمنا التاريخ. تحتاج التحولات إلى خيال بلا شك حتى نواجه، تحتاج إلى نقط ارتكاز تمنع من التلاشي، تمنع من  الذوبان الكلي وتحافظ على قضية الجوهر الإنساني خصوصا إذا كانت هذه التحولات تمس الجوانب السطحية، تمس السطوح، وتحولنا مع الوقت إلى مجرد سطوح، وهذا جوهر الأزمة في اعتقادي.

في كتاب “تمهيد الطريق لعالم أكثر استدامة” لوولتر ليل، يعتبر أن من القواعد الأساسية والضرورية في إدارة الأزمات وأن التخطيط المسبق للتعامل مع كل أزمة يمكن أن تعرض للوجود الإنساني في واقع الحال يقي أو على الأقل يقلل ويحد من آثارها الكارثية إذا ما حدثت. لكن فيما يبدو أن جائحة كورونا لم تجدنا مهيئين، يعني لم تجد أي تهيئة، لم تجد أي استعداد أو حتى تفكير، فكان التخبط ودخلت أنظمتنا التربوية والتعليمية في تقطعات ودخلت في لخبطة، وصارت اللخبطة هي السمة البارزة للإدارة ولسياسة المرحلة. التخطيط للأزمات وإدارتها من المسؤوليات الأساسية للقائمين على السياسة وخصوصا السياسة التعليمية والتربوية، وتجاهل هذه المسؤولية من شأنه أن يعرض الحياة الإنسانية في شقها المادي أو الرمزي ومعها المؤسسات لأشكال من الخطر وأشكال من التهديد.

الفساد الإداري وغياب الحكامة وتداعياتهما الكارثية:

كان من المفروض أن تدار الأزمة بطريق فيه إبداعية، فيه تشاركية، فيه ديمقراطية، من خلال إشراك المعنيين الحقيقيين منذ البداية. لكن الأزمة تضاعفت بفعل ما نعرفه جميعا من الفساد الإداري وغياب الحكامة فيما يتعلق بمنظومتنا التربوية والتعليمية في وطننا العربي إذ وقع المزيد من التربح كما تفيد العديد من التقارير بسبب استغلال الوضع، بسبب صفقات مشبوهة كان موضوعها اقتناء الأدوات التقنية والرقمية، فنحن دخلنا الطور الرقمي بمزيد من الفساد الإداري والتربوي والتعليمي، أو ما سماه الباحث الهندي ساتيش كامبل: “deadlier than corona”، يعني أكثر فتكا من كورونا، تحدث في هذا الكتاب عن العدوى الاجتماعية القاسية التي أصابت المجتمعات بسبب انسحاب الفساد في ظل كورونا على قطاعات كثيرة ومنها المدرسة، علامة على غياب الحكامة في نظمنا التعليمية والتربوية. قديما أسلافنا كانوا يقولون: في عام الجيف تسمن الكلاب، وفي واقع الحال هذا ما عرفته العديد من الأوساط التربوية والتعليمية.

التعليم الرقمي بين مساوئ التنزيل وعيوب الأنظمة التعليمية والتربوية:

كورونا للأسف وهو أمر واقع علمتنا أن التعليم الرقمي يؤدي إلى تخريج تلاميذ أقل كفاءة وطلبة أقل كفاءة ويخلق المزيد من درجات الإحباط في التواصل بين الأشخاص، كما علمتنا أنه يضاعف  من حالات، يعني سوسيولوجيا على الأقل، يضاعف من حالات العزل والإقصاء الاجتماعي والاستبعاد، كما يقول الإنجليزي أنطوني بارنت. كلنا يعرف أن عقب إغلاق المؤسسات التعليمة في العديد من دولنا العربية بسبب كورونا، حاولت دول عربية كثيرة نشر تعليم عن بعد والدعوة لهذا (الأسلوب الجديد)، الذي يتفاوت بين الدول العربية لأن بعضها كان قد سبق على كل حال، بعض الدول في منطقة الخليج كانت قد سبقت إلى اعتماده، لكن العملية لم تصادف العراقيل فحسب، لكنها عرت أيضا عيوب أنظمتنا التعليمية والتربوية، لم تنجح أصلا في النموذج التقليدي القائم على الدراسة داخل الفصول، وهذا تشهد له مؤشرات ترتيبنا العالمي في منظومة التربية والتعليم، فكيف يمكن أن تنجح على كل حال أو أن نراهن على هذا الأسلوب الجديد في غياب أي تهيئة وغياب أي استعداد.

التدريس الرقمي ومعيقات النجاح:

من علامات الأزمة ما لاحظناه من شكاوى تكررت على المنصات الاجتماعية وأكبر العراقيل هو ضعف الأوضاع المعيشية لجزء كبير من منطقتنا العربية، لهذا فطبيعي أن ينتج أو أن يخرج لنا الفقر وسياسات التفقير والتدبير الأعرج، عدم وصول تغطية كافية للأنترت إلى كل المناطق في البلاد وعجز الوسائل، وسائل الإعلام الجماهيري على خلق تفاعل شبيه بما يجري في الفصول وفي الأقسام التقليديية، هذا فضلا عن مشاكل هيكلية تعاني منها الأنظمة التعليمية والتربوية التي يقبع كما ذكرت غالبيتها في أسفل السلم بمؤشرات غير سارة وغير إيجابية.

هناك مشكل حقيقي ربما تعرض له بعض الزملاء، هو أن هذا الأسلوب الجديد يطرح سؤالا أساسيا في عمليات التعليم والتعلم هو سؤال التفاعلية في التعليم، لأنه يكاد يكون غائبا في هذا الأسلوب الجديد، هذا إذا أضفنا إليه العديد من المشاكل التقنية في متابعة الدروس خاصة كما ذكرت مع ضعف الصبيب، صبيب الأنترنت في أكثر من ثمانين في المئة من الجغرافيا العربية، ضعف الصبيب، ضعف سرعة الأنترنت بالإضافة إلى الثغرات في الأدوات التي اعتمدت رقميا من لدن المؤسسات التعليمة والتربوية وليس بعيدا ما طرحه مشكل تطبيق زووم من أفكار أو من إشاعات تتعلق بعدم احترامه للخصوصية، رغم أن دول عديدة استنجدت بالقنوات الرسمية التعليمية لتعميم الدروس والحصص إلا أنه لا توجد لدينا إلى حدود الساعة أرقام حقيقية حول مدى الاستفادة من هذه القنوات التي لم تكن في واقع الحال بحسب ما رصدته بعض الدراسات المعدودة والمحدودة لم تكن تحقق أرقام متابعة كبيرة في الأيام العادية، لايزال التعامل عندنا في ثقافتنا العربية مع التلفاز يتم على أساس أنه ليس سوى جهاز للترفيه، يعني لم نرق بعد لنتواصل مع هذه الأداة باعتبارها أداة تعليمية أو يمكن أن تكون أداة تعليمية وهذا مشكل حقيقي.

الأمية الرقمية وغياب تكوين الكفاءات المستقبلية:

لا ننسى أن من مظاهر الأزمة أن المعلمين لدينا لم يهيؤوا أيضا لدخول زمن الرقمنة وقد أشار إلى ذلك بعض الزملاء في أوراق سابقة، في عملهم وأنشطتهم. هذا سؤال مطروح في واقع الحال على السياسة التربوية، على كليات التربية، على مراكز تكوين المدرسين، المدارس العليا للأساتذة التي تهتم بتأهيل الأساتذة وتهيئتهم لمهامهم ووظيفتهم، هناك أمية رقمية ضاربة في صفوف المعلمين وفي صفوف مكونيهم وحتى في صفوف أساتذة الجامعات، حولت التعليم عن بعد إلى عطلة مفتوحة في عديد من البلدان، في عديد من المؤسسات، حيث اكتفى المدرسون بوضع ملفات دروس في شكل PDF، WORD، أو في أحسن الأحوال POWERPOINT، على المنصات والمسطحات في شكل يفتح تعليمنا على موت سريري وإعلان رسمي لدفنه. من التحديات الطارئة إذن عدم إعداد المدرسين للتعليم عن بعد، هذا الأسلوب الجديد، لأنه تتوقف جل التدريبات أو التداريب ومراحل التطبيق، على الأقل فيما نعرفه نحن في المغرب داخل الفصول الدراسية التقليدية، ليس هناك برامج تتعلق بهذا الأسلوب إلى حد الساعة، تواكب هذه التحولات المفصلية، وتجعل على الأقل من معلمي المستقبل كفاءات قادرة على التعامل مع هذه الطوارئ. فعلى سبيل المثال في المغرب السنة التكوينية للأساتذة الجدد في ظل هذه السياسة، سياسة ملؤها  الارتجال، متخبطة بسبب، أصلا، مشاكل معقدة تتعلق بأسلوب التعاقد مع الأساتذة، إذا أضفنا إليها كثرة الإضرابات والتوقفات، فأساتذة المستقبل، معلمو المستقبل لم يستفيدوا في التكوين إلا من حصص معدودة لا تتجاوز عدد أصابع اليد، وتبقى دائما المادة والإطار التكويني مرتبطا بالأسلوب التقليدي، ليس هناك حضور لما تتطلبه مدرسة (المستقبل) من حضور على الأقل هذين الأسلوبين: الأسلوب الحضوري والأسلوب عن بعد في التكامل بينهم.

الفوارق الطبقية ومشكل تدبير مستلزمات التدريس الرقمي.

لا ننسى أن التعليم عن بعد في عدد من البيئات التعليمية زاد من تعرية مشكلة حقيقية، من تعرية الفوارق الطبقية، فأبناء الطبقة الميسورة الغنية يتوفرون على التجهيزات المطلوبة، باستطاعتهم حتى الاستفادة من دروس خصوصية داخل منازلهم في أوقت الحجر رغم أنه، على كل حال، عدة بلدان تمنع هذا النوع من الدروس، لكن هناك واقع الحرمان الذي يعاني منه أبناء الطبقات الفقيرة الذين لا يجدون سوى المدارس العمومية لأجل التعلم، وقد توقفت المدراس لفترة وتعثرت، وعانت ما عانت مما يعرفه الجميع، هذا إذا أضفنا إليه واقع الأطفال المتعلمين ذوي الاحتياجات الخاصة، لم يفكر فيهم بشكل كامل، ما نزال لا نجد بعد حلا تقنيا يتيح لهم الاستفادة من التعليم عن بعد خصوصا الذين يعانون من مشاكل النظر أو السمع.

التعليم بين شرط الحضور والانفتاح المعرفي:

أختم، من الدروس التي يجب استخلاصها أن التعليم، في اعتقادي، الحقيقي لا يمكن أن يكون إلا في إطار شروط الحضور واللقاء المباشر والتفاعل بين  المعلم والمتعلم، طبعا دون إغفال الانفتاح على الأفق العولمية للمعرفة، العالم المتصل بالشبكات، لكن التعليم الرقمي، أو لنقل المعرفة، ما يسميه أنطوني كاي: “المعرفة في المنزل”، “Le savoir à domicile”، لا يمكن أن يكون البديل عن التعليم الحضوري الذي يفترض أن فيه شرط المصاحبة واللقاء، لقاء إنسان مع إنسان والاتصال المباشر، لأنه يمكن أن يكون تكميليا حين تتوفر ظروفه، وإلا فإن الرهان عليه وحده سيكون رهانا على مزيد من التفكك ومن انهيار المعرفة والقيم على حد سواء. أشكركم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.