منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سلطة المصطلح

محمد فاضيلي

0

تقديم:

مصطلحات ومفاهيم فرضت نفسها على الإنسانية، وأوجبت عليها الإيمان والتوقير والتقديس، وأصبح من العسير انتقادها أو مناقشتها أو مخالفتها، وصار المخالف لها يتهم بأبشع النعوت وأقبح الصفات، وباتت تشهر في وجهه سيوف التجهيل والتبديع والتطرف والتخوين..

لكن هذه الصطلحات تخفي في نفسها ما لا تبدي، وتستبطن ما لا تظهر، وتستوجب بالتالي بيان حقيقتها، وإزالة قناع القداسة عنها، حتى تتبين معالمها، ويفرز زينها عن شينها، ويميز سمينها عن غثها..فينتفع بمحاسنها، وتتجنب مساوئها..

من هذه المصطلحات:

 الديمقراطية، الحرية، حقوق الإنسان، الحداثة، الحضارة، العلمانية، العقلانية، السلفية..

الديمقراطية:

نظام سياسي، بدأ في اليونان، ومنه انتقل إلى أوربا بعد الثورة الفرنسية، ثم إلى العالم، كأفضل نظام للتداول على السلطة والتصدي للاستبداد والاستفراد بالسلطة، وذلك بآليات تنفيذية تتمركز في دستور يصوت عليه المجتمع ويتحاكم إليه، ينظم السلطات والاختصاصات والحقوق والحريات، وفصل للسلط، ومشاركة سياسية، وانتخابات رئاسية وتشريعية، وقضاء مستقل، ومجتمع مدني، وصحافة حرة، وأغلبية حاكمة وأقلية معارضة…

لكن الديمقراطية تخفي بين طياتها فلسفة اجتماعية نشأت في بيئة قامت على أنقاض الدين، وزوته في كنائس وأديرة لا تمارس منه سوى صلوات وتراتيل وعبادات بعيدة كل البعد عن المجتمع وشؤونه وقضاياه، ومن يدعو للديمقراطية في بلاد المسلمين يدرك تماما أنها ترفض الحكم الإلهي المطلق، دون تفرقة أو تمييز بين الدين الإسلامي الصحيح والأديان المنحرفة الأخرى.

الحرية:

الحرية هي أفضل قيمة إنسانية يحيى من أجلها الإنسان، ويسعى لتحقيقها في مجتمع سلبها منه مستعبدوه وسجانوه، لكن أنصار الحرية من مثقفي العصر يدركون أن الحرية تعني التحرر من كل شيء، ومنه الدين والأخلاق والقيم، والسعي نحو اللذة والمتعة مهما كانت الوسائل الموصلة إليها. وهذا ما لا يقبله مجتمع إسلامي يستمد قيمه وأخلاقه من الدين

حقوق الإنسان:

جميل أن يستمتع الإنسان بحقوقه، ويسعى لتحقيق ما سلب منه، لكن الحقوق قد تتحول أحيانا لتجريد الإنسان من إنسانيته بمطالبته بحقوق ضد الدين والعقل والقيم الاجتماعية والإنسانية المتعارف عليها، كما أن احترام الحقوق قد أصبح ذريعة للتدخل الأجنبي في شؤون الدول وفرض الوصاية عليها

الحداثة:

أصبح للحداثة سحر وسلطة وقوة بسبب تمركز دعاتها في مراكز القرار ومقرات التأثير الاجتماعي، ومنه الإعلام والتعليم، وأصبح من العسير انتقادها أو مخالفتها، لكن الحداثة كمفهوم غربي مستورد لبلاد المسلمين تعني التحرر من كل قديم، وعلى رأسه التراث والدين والتقاليد، والتدثر بكل جديد، ومنه العلم والحضارة والحرية والانحلال والإباحية والمعاملات الاقتصادية غير المشروعة..

الحضارة:

وتعني الازدهار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والعلمي والتكنولوجي والعمراني…كما تعني السكن في المدن..

وهي مطلب كل الشعوب،

لكن الحضارة قد تنبني على القتل والسفك والإبادة والنهب والسلب واستغلال ثروات الشعوب كما حدث مع حضارة الرجل الأبيض التي أبادت شعوبا بكاملها واستعمرت شعوبا أخرى، ونهبت خيراتها وثرواتها، وجزأت العالم إلى شمال متحضر متمدن يرفل في الثروة والنعيم والحريات، وجنوب فقير جاهل متخلف يعاني من الويلات والأمراض والأوبئة والاستبداد.

العلمانية:

يقصد بها المذهب الذي يؤمن بالعلم ويقدسه ويسعى لتحقيقه وتمكينه من الحياة العامة، ويحارب الجهل والخرافة والدين، ويقصيه من المجتمع، من أجل ذلك أصبح للمصطلح سلطة وسحرا يصعب مخالفته أو الدعوة لاستبعاده من الحياة، لكن يقصد بها أيضا نظام اجتماعي سياسي يفصل الحياة العامة عن الدين / أي دين ويرفض كل ماهو غيبي وإلهي وما ياتي من الأنبياء والرسل وهي مرادفة للاييكية

العقلانية:

مذهب فلسفي يقدس العقل وما يأتي من العقل، ويحتقر ويستبعد كل ما هو خارج عن العقل، وبالتالي فهو يرفض ما جاء به الدين من غيبيات وأهمها وجود الإله والحياة الأخرى والجنة والنار وغيرها، كما يرفض ما لا يقبله العقل من وجود كائنات غيبية كالجن والملائكة ومالا تراه العين أو يقره العقل رغم أنه يقر بأن عقل الإنسان قاصر ولا يستطيع إدراك كل الظواهر الكونية والاجتماعية

السلفية:

مذهب إسلامي يدعو لإحياء الدين وتجديده والعودة إلى ما كان عليه السلف الصالح واتباع مذهبهم والاستنان بسنتهم وفهم الدين ونصوصه الشرعية بفهمهم رضوان الله عليهم،

لكن السلفية تقدس التراث وتضفي عليه العصمة، وترفض كل مذهب أو رأي مخالف، وأصبحت بالتالي مذهبا متحجرا متعصبا منغلقا في وجه الاجتهاد والتجديد، وتفرض فتاوى في قضايا عصرية مستجدة بما أثله السلف في ظروف مخالفة دون نظر أو روية أو تمحيص

لكن المصطلح بدعم مادي ومعنوي من جهات سياسية نافذة أصبح يشكل سلطة تفرض نفسها على المتمثل والمعارض سواء.

خاتمة:

هكذا نرى أنه قد أصبح لبعض المصطلحات بسبب قوة المؤمنين بها وأنصارها والمدافعين عنها قداسة غير مستحقة، وبالتالي وجب بيان بواطنها وظواهرها حتى تعلم حقيقتها، ويستفاد من محاسنها ويتجنب مساوئها

والله الموفق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.