منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سلسلة مقالات في الأقضية والشهادات -5- الشهادة والشهود

سلسلة مقالات في الأقضية والشهادات -5- الشهادة والشهود/ الدكتور أحمد الإدريـــسي

0

سلسلة مقالات في الأقضية والشهادات

5– الشهادة والشهود

بقلم: الدكتور أحمد الإدريـــسي

 

علم القضاء والأحكام “سلسلة مقالات في الأقضية والشهادات”

(2) علم الأحكام والخطط الستة| سلسلة مقالات في الأقضية والشهادات

(3) علم التوثيق| سلسلة مقالات في الأقضية والشهادات

(4) الدعوى وأحكـامها| سلسلة مقالات في الأقضية والشهادات

 

تقديم:

من الوسائل المستخدمة في الإثبات:

الكتابة: حيث عرفت منذ القدم باللوائح المنصوصة والاتفاقات الحاسمة.

الشهادة: وهي من أهم طرق الإثبات وأكثرها استعمالا، حيث تساهم في الكشف عن الوقائع، والوصول إلى النتيجة والعمل بتحريم شهادة الزور؛ لضمان الحق لأهله ومصداقية للأدلة والشروط في التشريعات الجزائية، فالشهادة تساهم بشكل كبير في إظهار مرتكب الجرم.

لكن تتميّز الشهادة عن غيرها من وسائل الإثبات، أنها تعتبر دليلا مقنعا غير ملزم، كما تتسم بأنها غير قاطعة، حيث يمكن نفيها.

أولا: الشهادة وضرورتها.

1- مفهوم الشهادة:

الشهادة في اللغة تعني البينة أو الدليل. واختلف الفقهاء في تعريفها الاصطلاحي، فقال بعضهم، هي: “إثبات حادثة معينة عما يصدر عن بعض الأشخاص من قول أو فعل بطريقة مباشرة”. وعرفها آخرون أنها؛ “تعبير شفوي يقوم به الشاهد بعد إداء اليمين أمام القاضي”. والشهادة تكون على ثلاثة أشكال: الشهادة المباشرة والشهادة السماعية والشهادة بالتسامع:

– فالشهادة المباشرة تعني أن يصرح الشاهد عما يصدر أمامه من قول أو فعل مباشرة دون الاعتماد على شهادة غيره.

– والشهادة السماعية هي أن يصرح الشاهد بها رواية عن الغير وليس منه مباشرة.

– والشهادة بالتسامع فهي أن يصرح الشاهد شهادته معتمداً على شخص سمع عن آخرين, مثال: كأن يقول شخص سمعت الناس يقولون ذلك.

2- أهمية الشهادة وضرورتها:

الشهادة هي نوع من الإفادات أو المعلومات التي يدلي بها الشاهد أمام القضاء قصد كشف الحقيقة. وتجلى أهميتها پإظهار الحقائق، وذلك في الأخذ بالقرارات المنصوص عليها، والعمل بالتشريعات الجزائية، ولها أهمية بالغة في تغيير مجرى الدعوى، لذلك تنص التشريعات في قانون الإجراءات على ضرورة سماع شهادة الشهود.

ثانيا: الشهود.

ذهب جمهور أهل العلم أنه لا ينبغي للقاضي أن يقبل إلا عدلا ثابت العدالة، لقول الله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ اَلشُّهَدَاءِ﴾( البقرة:280). إذ لا يرضى إلا من تعرف عدالته. وقد أجاز الحسن البصري والليث بن سعيد وبعض المالكية ومنهم ابن حبيب شهادة من ظاهره العدالة بالتوسم فيما يتعلق بالأسفار بين المسافرين في المعاملات والتجارات والأكرية بينهم وبين المتكارين. ولا تقبل شهادة من تعلم جرحته فشبه حصول الجرح في الشاهد يريد في علم القاضي بعدم معرفته له في عدم المقبول لأن الحاكم يعتمد على علمه في التجريح والتعديل اتفاقا.

قال ابن عبد البر: (أجمعوا أن له أن يعدل أو يجرح بعلمه وأنه إن علم ما شهد فيه الشهود على غير ما شهدوا به أنه ينفذ علمه ويرد شهادتهم بعلمه قالوا لأنه لو لم يحكم بعلمه فيهما لتسلسل وتعقب بقطعه بمشهور العدالة وبأنه كما يلزم في التجريح لصحته فمشهور العدالة)[1].

ثالثا: أداء الشهادة عند القاضي.

يقبل القاضي شهادة الشاهد ويحكم بمضمنها بشرط أن يكون معروفا لديه وأن يكون كل من المشهود له والمشهود عليه والمشهود به معروفا لديه من حيث هو كذلك وإن لم يكن شيء من ذلك معروفا فلا تقبل شهادته ولا يُعمل بمقتضاها، فقد روي عن الإمام مالك أنه قال: “لا يشهد الرجل على من لا يعرف”. وقال ابن رشد: (فإن عرف الشاهد عين المشهود عليه ولم يعرف عين المشهود له، فلا يشهد إلا أن يتبين، وأما إذا لم يعرفهما جميعا فلا يشهد… وكذلك إذا عرف المشهود له ولم يعرف المشهود عليه لا يشهد البتة)[2].

ولا يقضى بالشهادة على الخط إلا في الأحباس. ولا يشهد في الحقوق من البيوع والوكالات والهبات وغيرها –ما عدا الزواج- إلا من يعرفها بعينها واسمها ونسبها والفرق بين النكاح وغيره من الحقوق أنه يخشى إن لم يشهدوا على شهادتهم في الحقوق أن يموتوا فيشهدوا على خطوطهم فيلزم باطلا لم يشهد به على نفسه.

1- تزكية الشاهد:

يزكى الشاهد وهو غائب عن القاضي إن كان مشهورا، أما إذا غير معروف فلا يزكى إلا بحضرته. وقيل: إن كان غائبا عن مجلس القاضي وهو حاضر البلد أو قريب جدا ومن بعُدت غيبته جازت تزكيته كما يُـقضى عليه. وفي المدونة: “قلت له أيزكى الشاهد وهو غائب عن القاضي؟ قال نعم”[3]. قال ابن أبي زمنين، معلقا: (قال محمد: وهذا في الرجل الذي يعرفه القاضي وأما الذي لا يعرفه فلا تكون التزكية إلا على عينه)[4].

2- إذا كان الشاهد مجهول الحال.

إذا كان الشاهد لا يعرفه القاضي بعدالة ولا بحال فاسدة وهو ممن يشهد الصلاة في المساجد ولا يعرف بأمر قبيح لا تجوز شهادته.

وإن أقر الخصم المشهود عليه بعدالة الشاهد قضى عليه وحده بما شهد به عليه في هذا الحق فإن تضمنت شهادته هذه إثبات حق على المشهود له لم يلزم المشهود له هذا الحق، ولا يحتج عليه بأنه أخذ ما شهد له به أم لا، لأنه يقول لم التزم عدالته وهذا الفرع ينبغي أن يتناول على الخصم أقر بعدالة الشاهد بعد أدائه الشهادة أما لو أقر بعدالته قبل أدائه الشهادة ففي لزومها اختلاف؛ فقد قالوا إذا قال أحد الخصمين كل ما شهد به فلان بيننا حق، فشهد عليه فإنه لا يلزمه ما شهد به لأنه يقول ظننت أنه لا يشهد إلا بالحق ولم أقر بعدالته.

– قال ابن عبد البر، في أدب القاضي: (إن شهد عند القاضي شهود لم يعرفهم واعترف المشهود عليه بعدالتهم قضى بهم عليه إذا لم يكذبهم ولا يقضى بهم على غيره إلا بتعديل)[5].

3- الشاهد المبرز:

الشاهد: المخبر بما رآه إذ الشهادة: قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصر أو بصيرة[6]. والمبرز: من برَّز تبريزا، فاق أصحابه فضلا أو شجاعة. والمبرز: من برز أي فاق أصحابه فضلا[7].

اختلف في الشاهد المبرز في العدالة هل يسمع فيه التجريح: فقال بعضهم؛ يجرح بالعداوة دون السفه. وقيل يجرحه بالسفه والعداوة من هو فوقه ومثله ودونه. وقال بعضهم: “إن القاضي لا يمكن المطلوب من تجريحه بعداوة ولا غيرها”[8]. وقيل لا يجرحه من هو دونه إلا بالعداوة ويجرحه من هو فوقه ومثله بالسفه والعداوة.

واختلف اختلافا كبيرا في العدد الذي يكتفى به إذا لم تكن عدالة فقال ابن القاسـم العشرون إذا شهدوا يتوارثون بهم وقال سحنون لا يتوارثـون بهم. قال الإمام الونشريسي في المعيار: (وسئل عبد الحميد الصائغ عن أهل مدينة التمسوا هلال شوال ليلة الاثنين في الغيم، فلم يروه فلما أصبحوا قدمت رفقة عددهم أربعون أو أقل أو أكثر ذكروا أنهم رأوه وقد باتوا من المدينة على عشرة أميال فخرج العدول وغيرهم من المدينة يسألون الرفقة فسألوهم فأخبروهم واستفاض ذلك في المدينة فهل يحكم بهذه الشهادة في صلاة العيد والفطر أو لا؟ فأجاب بصحتها)[9].

خاتمة:

رأينا أهمية الشهادة في إثبات الحقوق وحفظها، وأنها عبارة عن رسالة يهدف الشاهد إيصالها إلى مجلس القضاء، ليحکم القاضي بمقتضاها، فيحصل کل ذي حق على حقه، وتتحقق العدالة بين أفراد المجتمع.

وفي زمان الناس هذا، ومع التطور التکنولوجي السريع، خاصة في مجال الاتصالات، أصبح بالإمکان حدوث الاتصال المباشر “المتزامن” وغير المباشر “غير المتزامن” بين شخصين أو أکثر، سواء کان نصيا أو صوتيا أو مرئيا، أو بالتواصل عن بعد، فإنه يبقى السؤال متجددا؛ هل يجوز استخدام هذه الوسائل في إيصال الشهادة إلى مجلس القضاء في الحالات التي يعجز فيها الشـاهد عن المثول بين يدي القاضي للإدلاء بشهادته؟

ومع استحضار أن سقوط أداء الشهادة لسبب من الأسباب قد يترتب عليه ضياع حق المشهود له، کما إذا لم يکن لدى المشهود له أي وسائل أخرى لإثبات حقه سوى الشهادة، أرى أنه لابد من تعميق البحث في “الحکم الشرعي لأداء الشهـادة بواسطة وسائل الاتصال الحديثة”.

والحمد لله رب العالمين.


[1]– الكافي، لابن عبد البر. (دار الكتب العلمية، بيروت). الصفحة: 465-466.

[2]– البيان والتحصيل، لابن رشد. ج: 9 / ص: 465-466.

[3]– المدونة. (دار الفكر، الطبعة الأولى: 1419-1998). ج: 5 / ص: 2265.

[4]– منتخب الأحكام، لابن أبي زمنين. دراسة وتحقيق: د.محمد حماد. ج: 1 / ص: 175.

[5]– الكافي، لابن عبد البر، الصفحة: 501.

[6]– معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية. ج: 3 / ص: 205.

[7]– معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية. ج: 2/315. والقاموس المحيط، 453 (ب ر ز).

[8]– روي هذا القول عن الإمام مالك، والشيخ سحنون.

[9]– المعيار المعرب، للإمام الونشريسي. (الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، طبعة: 1981م). ج: 10 / ص: 146-147.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.