منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

شكرا كورونا

عبد الحليم الزبير

0

يمكن الجزم أن هناك سؤالا في أعماق  كل إنسان في العالم الذي يصنف في المرتبة الثالثة، وفي القلب منه العالم الإسلامي

هذا السؤال هو: لماذا علينا أن نفزع كل هذا الفزع من جائحة كورونا؟

إن كان الفزع من أجل الأرواح التي حصدها الوباء فنحن معتادون على الموت في بلادنا بعشرات الآلاف، إن كان الحزن لأجل براءة تلك الأرواح التي فقدت دون موجب فنحن معتادون على الموت الأحمر والأسود الذي لا ناقة لنا فيه ولا جمل، إن كان الأسف لأن معظم الضحايا كبار السن لا يحملون سلاحا ولا يتخذون قرارا في الحرب ولا في السلم، فالمسنون عندنا والأطفال وعائلات بأكملها تستخرج تحت الأنقاض ليست مشاهد جديدة، بل عشنا فترة طويلة لم تعد فيها مؤلمة، إذا ما الذي يجعل الإنسان في بلادنا يحزن مجرد الحزن على أرواح تذهب الآن كما ذهبت أرواح لنا بمئات الآلاف، وعذرا على التقديرات المختلفة في عدد الضحايا عندنا فلم نطق حتى متابعة أعداد الضحايا لكنهم تجاوزوا مئات الآلاف حتما.

ليس في الأمر شماتة، ونعوذ بالله أن نشمت لأننا ذقنا غصص الشماتة، ولأن الإنسان السوي لا يمكن أن يفرح لموت إنسان مهما كانت علاقته بذلك الإنسان، فكيف إذا تعلق الأمر بجماهير من الناس لم يذنبوا في حقنا ذنبا واضحا، وأسوأ ما فعل بعضهم أنهم تفرجوا في مآسينا وانصرفوا إلى أشغالهم وقرروا أن لهم مصالح اقتصادية مع القتلة لابد من رعايتها، فألقى إلينا كثير منهم خطابا لطيفا في حقوق الإنسان وراغ إلى القتلة يستقبلهم استقبال الشرفاء، وبعضهم ليس له من خطإ سوى أنه لم يصدق حكايات الموت التي تحدثنا عنها لأن أعداد الضحايا كانت فوق المعتاد، ومناظر الموت تنغص لذة المعاش، فليس الأمر إذا تصفية حساب، ولكنها دعوة لمراجعة الذات الإنسانية التي تتساوى عواطفها في الألم واللذة، لذا رأيت أن أشكر فيروس كورونا ليس لأنه قتل في الغرب كما قتل الغرب وحلفاؤه في الشرق، ولكن لأنه وضعنا في كفة واحدة وأرجعنا إلى الحقيقة التي كدنا ننساها: أننا جميعا من ذكر واحد وأنثى واحدة.

فشكرا كورونا لأنك علمت من  نشأ في البدخ ومن نسي آلام الحرب العالمية أن الموت فظيع، وأن مواجعه أكثر مما يشاهده الناس في التلفاز – على بشاعته – لأن الموت يعني -فضلا عن ذلك المشهد المعروض على وسائل الإعلام- يتما لازما وترملا وفقدان حبيب وتعطل مصالح وانتكاسة آمال وصدمات تستمر لسنوات وأوضاع أسر تتحول من الرخاء إلى البؤس ومعانقة الوجع وظلام الذكريات.

المزيد من المشاركات
1 من 36

شكرا كورونا لأنك أغلقت الحدود في وجه المترفين في بلداننا بعدما كانوا يهرعون إلى المستشفيات الراقية في الخارج ويتركون شعوبهم يلعن بعضهم بعضا أمام مستشفيات ليس لها من أدوات الاستشفاء إلا الاسم، يتدافع الإطار الطبي مع الجمهور الغاضب الذي وسوس له الإعلام الرسمي أن الحكومة وضعت كل الإمكانات رهن إشارة المؤسسات الطبية، لكنه صرفه عن السؤال الكاشف الفاضح: ولماذا يا سادتنا وكبرائنا لا تتلقون علاجاتكم هنا في مستشفياتنا؟

شكرا لأنك أكدت لنا مفهوم المساواة الحقيقية الذي كدنا نصدق بدله المفهوم المنحرف الذي يستورده لقطاء الثقافة في بلادنا، علمتنا “أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب” البقرة:165. وعلمتنا أن الجنة ليست التي بناها الإنسان في هذه الدنيا بل التي وعدتنا بها والتي أهلها “لا يصدعون عنها ولا ينزفون” الواقعة:19.

شكرا لأنك برهنت أن ما معنا من العدة الروحية ليست أثقالا تثقلنا بل حقائق نعيش بها عيشة السعداء ونموت بها موتة الشهداء، لقد كنا أفضل حالا في الحصار الذي لا تختص به اليوم غزة وحدها ولا طرابلس ولا طهران ولا الدوحة.

شكرا لك يارب الأرباب.. وهل الفيروس إلا مخلوق من مخلوقاتك بعثته فجاس خلال الديار.. نبهتنا بالقوة التي سادت وأصبحت القناة الوحيدة التي نؤمن بها، لم تنبهنا بالزلال والنيازك والاحتباس الحراري ولكن بمخلوق ضعيف على حافة الموت، لعل من سولت له نفسه أن يبارزك بالقوة يدرك أنه: “ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده” فاطر:2.

وموجبات الشكر كثيرة وفي هذا القدر كفاية للذكرى، نسأل الله أن يرفع البلاء عن البرية أجمع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.