منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

البَنَّاء المجهول (قصة قصيرة)

رضا نازه

0

أشغال البناء تسير دأبًا والورش يبدو مشروع صرح باذخ. لم يكلف منصف نفسَه قراءة لوحةِ الوصف عند المدخل، استوقفه منها فقط صورة كبيرة لبناء نهائي شبه بيضاوي. لا بد أنه ورش مكتبة عامة ستُساق إليها ألوف المؤلفاتِ من كل بقاع المعمور، ومن الخلوات والسراديب السحيقة ألوفُ المخطوطاتِ والرقوق. لا يمكن إلا أن يكون ورشَ مكتبة. على أيٍّ… حسب إيقاع الأشغال سيظهر المعنى الكبير في المبنى الكبير قريباً.

كلّ صباح يلج الورشَ سربٌ من البنائين عليهم خوذات لافتة. كأنهم حيوانات منوية تهرع لتخصيب الكيان البيضاوي دفعة واحدة. ومع كل طابق ينضاف كان عددهم يتضاعف. استبشر منصف. بما أنه دائماً في الجوار، فسيكون أول من يشهد تمام البناء وأولَ من يدخل أروقته ويطلب كتابا يتنسم عبيرَ أوراقه قبل فتحه. أخيراً سيصل مع حياة المكتبات رحمًا قطعها موتُ المَكاتب. لكنْ، ريثما يصل ذلك اليوم، هل بإمكانه المساهمة في خدمة جنين المكتبة البيضاوية؟ فكر منصف مليا وحفر وفكَّك وركَّب وهدم وبنى مثل مثقف كبير لا يُشقُّ له غبار. ثم خطر له خاطر، بعيدا عن كل تلك الحِيَل العقلية. بما أن الثقافة غايتها الرفع من قيمة الانسان، فسوف يخدم انسان البناية الأول الذي تراه العين. وما ثمة إلا البَنَّاء! فكر منصف في مأدبة وإطعام وإكرام. لكن موارده بسيطة وهم جمع غفير. ثم الطعامُ مآله هضمٌ كالنسيان ونسيانٌ كالهضم. أفتاه صديقه خالد الخطاط الماهر أن يخلد ذكراهم. راقته الفكرة. اتخذ منصف دفترا وصار كلما لقي بَنَّاءً سجَّل اسمَه، دون إغفال، حتى المؤقتين العابرين منهم. سيدخر لائحتَهم، سينقشها صديقه على لوحة رخام، سيسميها “رقيم البنَّاءِ المجهول”. ما المانع؟ بل هو الواجب لو أن الواجب يعترف بالحقوق. البنايات حين تتم وتستوي لا تنسب لمن كابدها لبنة لبنة، سارية سارية، طابقا طابقا. البنايات تنسب لمن موَّلها. وفقط. كأنّ الممول هو من تصبب عرقا وتعبا بالنهار، هو من اقتات على القطاني والسردين المُصبَّر، هو من بات ليلا في عراء الورش، في حُجُراتٍ على الهامش، سقفُها ألواح من قصدير لا تقي القيظ ولا الزمهرير.

وتم البناء أخيراً، واختفى الذين كابدوه واندثروا. حضرَ مكانَهم قوم أنيقون فرحون بفخامته وقطعوا شريط بكَارته الأحمر. وجاء منصف ليدخل من أجل استعارة ذلك الكتاب كما تخيل، إلا أن رجلا يرتدي بزة ويحمل رشاشا منعه قائلا: “ألا تقرأ؟” أجابه منصف: “وهل جئت هنا يا سيدي إلا لأقرأ!”. أشار الحارس إلى اللوحة. لكن اللوحة لم يكن عليها أي شيء يُقرأ!، التفت منصف إلى الحارس مستفهما. صرخ الحارس كأنه يفتتح الجلسة: “محكمة!” ارتعد منصف وابتعد عن البناية متحسراً… محكمة؟ أحقاً هي محكمة؟ كل ذلك البذخ، كل تلك الفخامة البيضاوية تفقست عن باحة لفض المشاكل والنزاعات والخلافات التي يقي منها ذلك الكتاب، قبل أن تنبع؟ كل تلك البناية من أجل الأحكام والقضايا والأقضية؟ حضره قول بعض الصالحين: “يحدث للناس من الأقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور…”، ومن الخلافات. ومن الصراعات. ومن بيع البقرة لأجل الترافع والمُحاجَجَة على دجاجة. لقد أقام البناؤون قصرا مَشِيدا من أجل بئر معطلة وبقرات عجاف وسنابل خاوية يابسة. لقد نحتوا من حيث لا يشعرون وجه الانسان المظلم حين يضرب ويجرح ويقتل ويختلس ويأتي نهارا يبكي كإخوة يوسف. وقف منصف واجماً. مضى البناؤون وتركوه أمام معبد المشاكل والكدورات الدنيوية. لكنهم كانوا فقط منفذين مكابدين لأجل لقمةٍ بقسوة الإسمنت والرخام. تذكر الوعد الذي قطعه على نفسه. سيخلد أسماءهم رغم كل شيء حتى لا ينساهم الناس.

اصطحب منصف صديقه عند بائع الرخام. اشتريا لوحة كبيرة حملاها إلى الورشة حيث باشر خالد نقش الأسماء على رقيم البناء المجهول، وكما سمعها منصف من أصحابها. كانت أسماء فريدة، كأنها سقطت من هوامش التاريخ وأقاصي الجغرافيا، لا من المدن الكبيرة. كانت أسماء تذكر غرابتها بغرابة أسماء الأتقياء الأخفياء من رجال “التشوف إلى رجال التصوف” فهل يصح إشهارهم؟ لا بأس. حين تم العمل، حمل الصديقان الرقيم وأثبتاه على جدار المحكمة ليلاً، كي يدخل في منطق الأشياء صباحاً. ومثلَ فاعل خير لم يغادر مسرحَ فَعلتِه، حضر منصف إلى المكان من الغد. الجميع كانوا يتسمرون أمام الرقيم يقرأون أسماءه الغريبة ويتساءلون عن معناه ومن أتى به. كان المكان مكتظا كيوم شاع في المدينة أن النخيل يبكي دمًا حين اقتلعوه لأجل زحف الإسمنت اللعين. كان للرقيم في البدء مفعول المفاجأة فلم يجرؤ أن يلمسه أحد أو أن ينزعه أو حتى يجادل في ضرورته. من يتجرأ أن يلصق بجدار محكمة ما لم يؤذن به؟ لكن مفعول المفاجأة اندثر، فاقتُلِعَتِ اللوحة وتم ترميم مكانها ليعود سيرته الأولى. لا يأس! نقش خالد لصديقه منصف رقيما آخر وأتيا به في جنح الظلام على حين غرة من أهل المكان وأثبتاه في ذات الجدار. وفي الصباح انضم منصف إلى كوكبة المحملقين في الرقيم، وتهجَّى معهم أسماء البنائين الأقْصَيْن المجهولين، وصار يشرح لهم بعض المفردات. ثم اختفت اللوحة مساء. وعاد خالد لنقش رقيم آخر بأسماء البنائين وإثباته في ذات المكان في ساعة موغلة في الليل قريبةٍ من الفجر. هكذا دواليك حتى استسلم من استسلم لتلك الإرادة الملحاحة الخفية. وحضر منصف وصديقه بعد أيام. كان الرقيم في مكانه مع تغيير غيرِ كبير. بلى! إنه كبير، وضروري للظهور في لون الزمان. كانت اللوحة قد طُليَتْ بلونٍ أزرق وكتب أعلاها: “رقيم البنائين الأحرار”.

صرخ منصف:
“- تبا!
– منصف ماذا دهاك؟
– خالد! سنعود ليلا لنزع الرقيم!
– كيف؟ بعد كل هذا العناء؟ والبناؤون؟ من سيذكرهم؟ من سيعرفهم؟”
أجاب منصف صديقه: “- الله يعرفهم… الله يذكرهم…”.

المزيد من المشاركات
1 من 43
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.