منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

إضاءات مفاهيمية في علم البلاغة

حنان ركيك

0

إذا كان الرسام يرسم بريشته جمال الطبيعة والكون، معتمدا على حدسه وموهبته وذوقه الفني، فإن البليغ يستطيع بفصاحة لسانه وبموسيقى أنغامه وحسن تعبيره، أن يطرق مسامع المتلقي ليصل إلى لب فؤاده ويفتح مغاليق القلوب ويلين جفاءها وفظاظتها، ويسترق الأفهام، ويستعبد الأسماع، وخير الكلام كلام الله عز وجل في محكم تنزيله المعجز في بيانه والذي قال عنه الوليد بن المغيرة لما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم: ووالله إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ حَلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً وَإِنَّهُ لَمُثْمِرٌ أَعْلَاهُ، مُغْدِقٌ أَسْفَلُهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَا، وَأَنَّهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ[1].

وعلم البلاغة من العلوم التي اهتمت بالكلام لفظا ومعنى وجمالا، فكان بذلك محط اهتمام الناقد والشاعر والناثر والخطيب. فما معنى علم البلاغة؟ وأين تكمن أهميته؟ ومن واضعه؟ وما موضوعه؟

المحور الأول: مفهوم علم البلاغة.

البلاغة لغة: كلمة “بلاغة” اسم مشتق من الفعل الثلاثي (بلغ) بمعنى أدرك الغاية أو وصل إلى النهاية. و”البليغ”، هو الشخص القادر على الإقناع والتأثير بواسطة كلامه وأدائه.

اصطلاحا: هي “التعبير عن المعنى الصحيح لما طابقه من اللفظ الرائق من غير مزِيد على المقصد ولا انتقاص عنه في البيان، فعلى هذا فَكلما ازداد الكلام في الْمطابقة للمعنى وَشرف الألفاظ ورونق الْمعاني والتجنب عن الركيك المستغث كان بلاغته أزيد.”[2] وقيل: بلوغه فِي كلامه لعبارة كنه مُراده مع إيجاز بلا إخلال، وإطالة بِلا إملال، وقيل: ملكة يقتدر بها على تأليف كلام بليغ.”[3]

المزيد من المشاركات
1 من 7

إذن في الكلام البليغ يجب أن تتوفر الأركان الأساسية التالية:

  • مطابقته لمقتضى حال المخاطب به.
  • التزامه بقواعد اللّغة وضوابطها في مفرداتها وتراكيب جملها.
  • خلُوّه من التعقيد اللّفظي، والتعقيد المعنوي.”[4]
  • الاختيار الحسن للمفردات التي تحمل الحس والجمال، والتي لها قدرة على التأثير والهيمنة على النفوس والأفكار والقلوب.

المحور الثاني: أهمية علم البلاغة.

تكمن أهمية هذا العلم في كونه إحدى الوسائل لمعرفة إعجاز القرآن الكريم وأسراره، ويساعد على فهم معانيه ومقاصده، وأحكامه العامة والخاصة. “فقد ذكر جُلُّ أهل العلم من المفسرين والمعنيين بعلوم القرآن أن تعلُّم علوم البلاغة هو من أهم ما ينبغي لطالب العلم الشرعي أن يوليه اهتمامه”.[5] فالجاحظ يقول: “أن الفقيه وإن برز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام، والواعظ وإن كان من الحسن البصري أوعظ، والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه، واللغوي وإن علك اللغات بقوة لحييه… ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق، إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن وهما: علم المعاني وعلم البيان، وتمهل في ارتيادهما آونة، وتمهل في التنقير عنهما أزمنة، وبعثته على تتبع مظانهما همة.[6]

كما أنه علم يمكن صاحبه من القدرة على اختيار الكلم الصحيح، وعلى الإحساس بعناصر الجمال الأدبي، وعلى النقد وتمييز الرديء من الحسن في القول.

المحور الثالث: واضع علم البلاغة.

الواقع أن البلاغة نتاج جهد سلسلة طويلة من العلماء تناثرت علومها في كتاباتهم في اللغة أو النقد أو التفسير… لكن بظهور “الإمام عبد القاهر الجرجاني”(ت 471) اقطفت ثمار هذه الجهود وصيغت أسس هذا الفن ووضعت نظريتي علم المعاني وعلم البيان بشكل منظم ووافٍ، ووفق أسس وقواعد محددة وذلك من خلال كتابيه: “دلائل الإعجاز”، “أسرار البلاغة”. “وبهذا يعد بحق واضع أسس البلاغة العربية والمشيد لأركانها والموضح لمشكلاتها والذي على نهجه سار المؤلفون من بعده، وأتموا البنيان الذي وضع أسسه”[7].

ونشير هنا أن علم البديع لم يكن ثمرة انجاز الإمام عبد القاهر الجرجاني بل هو ثمرة جهد “عبد الله بن المعتز” (ت 296 ه) في كتابه الذي يحمل عنوان: “البديع”.

 وهكذا تم صياغة علوم البلاغة في حلتها الثلاثية المعروفة، والتي سيقوم بتقسيمها وتبويبها وتنظيمها “السكاكي” )ت: 626هـ( في كتابه: “مفتاح العلوم” ولذلك ظن بعضهم أنه هو مؤسس هذا العلم.

المحور الرابع: موضوع علم البلاغة.

علم البيان وعلم المعاني وعلم البديع هي أصناف شكلت موضوع علم البلاغة في صورته التي انتهي إليها “السكاكي” )ت: 626هـ(  ومن ولاه وإلى يومنا هذا.

  1. علم البيان:

البيان: لغة – الكشف، والإيضاح، والظهُّور، واصطلاحا- أصول وقواعد، يعرف بها إيرادُ المعنى الواحد، بطرق يختلف بعضُها عن بعض، في وُضوح الدّلالة العقلية على نفس ذلك المعنى، فالمعنى الواحد: يُستطاع أداؤه بأساليب مُختلفة، في وضوح الدّلالة عليه.[8] ويضم:

  • التشبيه: وهو بيان شيء أو أشياء شاركت غيرها في صفة واحدة أو أكثر بأداة ملفوظة أو مقدرة، تقرب بين الشبه والمشبه به في وجه الشبه[9]، وأدوات التشبيه، هي: الكاف، كأن، مثل، شبه، وأركانه هي: المشبّه، والمشبه به، والأداة ووجه الشبه.
  • المجاز: هو أحد فروع علم البيان، وهو اللفظ الذي يستعمل في غير ما وضع له، مع وجود قرينة تمنع من إرادة المعنى، وقد تكون القرينة لفظيّة أو محليّة.
  • الكناية هي أن يُريد المتكلمُ إثباتَ معنًى من المعاني، فلا يذكُرُه باللفظ الموضوع له في اللغة، ولكنْ يَجيءُ إلى معنى هو تاليه ورِدْفُه في الوجود، فيومئ به إليه، ويجَعلُه دلياً عليه؛مثال ذلك قولهم: “هو طويل النجاد”، يريدونَ: طويلَ القامة.[10]
  • الاستعارة: هي مجاز لغوي تكون العلاقة فيه بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي المشابهة”[11]، وأصلها تشبيه حذف أحد طرفيه، وهي أنواع، منها التصريحية والمكنية والأصلية والتبعية والمرشحة والمجردة والمطلقة والتمثيلية.
  1. علم المعاني:

وهو “بيان وجوب مطابقة الكلام لحال السامعين والمواطن التي يقال فيها، والمعاني المستفادة من الكلام ضمنا بمعونة القرائن”[12].

والكلام قسمان خبر وإنشاء:

  • الأول: الخبر: ما يصح أن يقال لقائله إنه صادق فيه أو كاذب فإن كان الكلام مطابقا لواقع كان قائله صادقا، وإن كان غير مطابق له كان قائله كاذبا[13].

والأدوات التي يؤكد بها الخبر كثيرة منها: إنّ، ولام الابتداء، وأمّا الشرطية، والسين، وقد، وضمير الفصل، والقسم، ونونا التوكيد، والحروف الزائدة، وأحرف التنبيه.

ويكون الغرض من الخبر «فائدة الخبر» أو «لازم الفائدة» لا يأتي على ضرب واحد من القول. بل يأخذ في اعتباره حالة المخاطب عند إلقاء الخبر، وله ثلاث حالات[14] هي:

  1. أن يكون المخاطب خالي الذهن من الحكم أي خاليا من أدوات التوكيد ويسمى هذا الضرب من الخبر «ابتدائيا».
  2. أن يكون المخاطب مترددا في الحكم شاكا فيه، وفي هذه الحال يحسن توكيده ويسمى هذا الضرب من الخبر «طلبيا».
  3. أن يكون المخاطب منكرا لحكم الخبر، وفي هذا الحال يجب أن يؤكد له الخبر بمؤكد أو أكثر، ويسمى هذا الضرب من الخبر «إنكاريا».
  • الثاني: الإنشاء: هو الكلام الذي لا يحتمل الصدق والكذب لذاته، وذلك لأنه ليس لمدلول لفظه قبل النطق به وجود خارجي يطابقه أو لا يطابقه”[15].

والإنشاء قسمان: طلبي وغير طلبي.

أ ـ الإنشاء الطلبي: هو ما يستدعي مطلوبا غير حاصل وقت الطلب. وهو خمسة أنواع: الأمر، النهي، الاستفهام، التمني، النداء

ب ـ الإنشاء غير الطلبي: فهو ما لا يستدعي مطلوبا. وله أساليب وصيغ كثيرة منها: صيغ المدح والذم، صيغ التعجب، القسم، الرجاء، صيغ العقود.

  1. علم البديع:

هو علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة ووضوح الدلالة»، [16] وهو نوعان:

  • البديع اللفظي (المحسنات اللفظية): وهي المحسنات التي تهدف إلى تحسين اللفظ. ومن أبرز أنواعه: الجناس والسجع، والتصريع، ورد العجز على الصدر، والاقتباس والتضمين.
  • البديع المعنوي (المحسنات المعنوية): وهي المحسنات التي تهدف إلى تحسين المعنى، ومن أبرز أنواعه: الطباق، والمقابلة، والتورية، وحسن التعليل وتأكيد المدح بما يشبه الذم، وتأكيد الذم بما يشبه المدح، وأسلوب الحكيم، ومراعاة النظير، والعكس والتبديل والمذهب الكلامي.

وفي الختام نشير أن هذا العلم بعلومه الثلاثة أصيب بآفة الجمود والتقليد، وأصبح المتأخرون يجترون كلام المتقدمين من غير زيادة ولا نقصان، فبات العلم كالآية المنزلة في تبويبه وتعاريفه وأمثلته، منسوج في قوالب تابثة لا يستطيع المبتدئ البسيط ولا العالم المتضلع الخروج عنها.


المصادر والمراجع:

  • أبو البقاء الكفوي الكليات، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية بيروت 1419هـ – 1998م.
  • أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، دار الكتاب العربي الطبعة: الثالثة – 1407 – بيروت
  • أحمد بن إبراهيم بن مصطفى الهاشمي جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، ضبط وتدقيق وتوثيق: يوسف الصميلي، المكتبة العصرية، بيروت.
  • جلال الدين السيوطي، معجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم، مكتبة الآداب، الطبعة. الأولى 1424 هـ – 2004 م.القاهرة.
  • الخطيب القزوييني محمد بن عبد الرحمن، التلخيص في علوم البلاغة، دار الفكر العربي، الطبعة الأولى: 1904م.
  • عبد العزيز عتيق، علم البيان، دار الأفاق العربية، الطبعة الأولى 2006م القاهرة.
  • عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق: ياسين الأيوبي المكتبة العصرية- الدار النموذجية الطبعة: الأولى.
  • علي الجازم، مصطفى أمين، البلاغة الواضحة، البيان المعاني البديع للمدارس الثانوية.
  • نجم الدين ابن الأثير الحلبي، جوهر الكنز، تحقيق محمد السيد عثمان، دار الكتاب العلمية.

[1] رواه البيهقي في دلائل النبوة.

[2]أبو البقاء الكفوي الكليات; مؤسسة الرسالة – بيروت الطبعة الثانية – 1419هـ – 1998م. ص: 236

[3]جلال الدين السيوطي، معجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم، مكتبة الآداب – القاهرة الطبعة. الأولى 1424 هـ – 2004 م.، ص: 93

[4] نجم الدين ابن الأثير الحلبي، جوهر الكنز، تحقيق محمد السيد عثمان، دار الكتاب العلمية، ص15

[5] مناهج جامعة المدينة العالمية، البيان والبديع: الناشر: جامعة المدينة العالمية ص:10

[6] أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، دار الكتاب العربي الطبعة: الثالثة – 1407 – بيروت ـ ص:15/17

 عبد العزيز عتيق، علم البيان، دار الأفاق العربية، الطبعة الأولى 2006م، القاهرة، ص: 15[7]

[8] أحمد بن إبراهيم بن مصطفى الهاشمي جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، ضبط وتدقيق وتوثيق يوسف الصميلي، المكتبة العصرية، بيروت، ص: 216.

[9]عبد العزيز عتيق، علم البيان، دار الأفاق العربية، الطبعة الأولى 2006م، القاهرة، ص: 42

[10]عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق: ياسين الأيوبي المكتبة العصرية- الدار النموذجية الطبعة: الأولى، ص: 108

[11]عبد العزيز عتيق، علم البيان، دار الأفاق العربية، الطبعة الأولى 2006م، القاهرة، ص: 98

[12]عبد العزيز عتيق، علم البيان، دار الأفاق العربية، الطبعة الأولى 2006م، القاهرة، ص: 37

[13]علي الجازم، مصطفى أمين، البلاغة الواضحة، البيان المعاني البديع للمدارس الثانوية، ص: 139

[14] أنظر عبد العزيز عتيق، علم البيان، دار الأفاق العربية، الطبعة الأولى 2006م، القاهرة، بتصرف

[15] عبد العزيز عتيق، علم البيان، دار الأفاق العربية، الطبعة الأولى 2006م، القاهرة، ص: 69.

[16] الخطيب القزوييني محمد بن عبد الرحمن، التلخيص في علوم البلاغة، دار الفكر العربي، الطبعة الأولى: 1904م،ص:224

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.