منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

البداية حفظ القرآن.. هكذا كان الناس

البداية حفظ القرآن.. هكذا كان الناس/ حسن القرشي

0

البداية حفظ القرآن.. هكذا كان الناس

بقلم: حسن القرشي

 

القرآن كلام الله عز وجل، وفضله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه، وهو منبع العلوم، ومنه تنبو وإليه تعود، وإن المستقرئ لسير وكتب العلماء الأعلام، ممن يتعبد الله بأقوالهم ويجوز اتباعهم أو تقليدهم أو الأخذ عنهم، يقف على تقديمهم حفظ القرآن  على سائر العلوم، ويحثون من بَعدهم على البدء بما لا تصح العبادة إلا به، وبما كان الناس يبدؤون به، قال  صلى الله عليه وسلم قال” ما تقرَّبَ عبدٌ إلى اللَّهِ  عزَّ وجلَّ  بأفضلَ ممَّا خرجَ منْهُ  يعني القرآنَ”[1].

لا اختلاف في أنه على “الحفظ والتحفظ كَانَ الصدر الأول ومن بعدهم، فربما قرأ الأكبر منهم عَلَى الأصغر منه سناً وسابقة، فلم يكن الفقهاء منهم ولا المحدثون والوعاظ يتخلفون عَن حفظ القرآن والاجتهاد عَلَى استظهاره، ولا المقربون منهم عَن العلم بما لم يسعهم جهله منه، غير أنهم نسبوا إلى ما غلب عليهم من المعرفة بحروفه أو العلم بغيرها”[2].

والأمثلة في ذلك تعز عن الإحصاء والاستقصاء، لكن أورد طرفاً مما ذكره الإمام الذهبي في سيره:

فعن ابن جريج، قال: أتيت عطاء، وأنا أريد هذا الشأن (أي الحديث)، وعنده عبد الله بن عبيد بن عمير، فقال لي ابن عمير: قرأت القرآن؟ قلت: لا. قال: فاذهب، فاقرأه، ثم اطلب العلم”[3].

وعن أبو العيناء قال: أتيت عبد الله بن داود (الخريبي عبد الله بن داود بن عامر بن ربيع شيخ علي بن المديني)، فقال: ما جاء بك؟ قلت: الحديث، قال: اذهب، فاحفظ القرآن، قلت: قد حفظت القرآن،

قال: اقرأ:{واتل عليهم نبأ نوح…}، فقرأت العشر حتى أنفذته[4].

وهذا  عبدالرحمن بن أبي حاتم الرازي  يقول : (لم يدعني أبي أشتغل في الحديث، حتى قرأت القرآن على الفضل بن شاذان الرازي، ثم كتبت الحديث”[5].

أما الإمام ابن خزيمة فيقول: استأذنت أبي في الخروج إلى قتيبة، فقال اقرأ القرآن أولاً حتى آذن لك. فاستظهرتُ القرآن. فقال لي: امكث حتى تصلي بالختمة، ففعلت. فلما عيّدنا، أَذِن لي[6].

إنه لمن دواعي العجب تداول دعوات، حتى داخل منتديات طلبة العلم الشرعي، للشروع رأساً بدراسة الفقه والحديث، والأدهى بأصول الفقه، قبل حفظ القرآن، أو الاكتفاء بحفظ  بعض آيات الأحكام أو على الأقل معرفة مظانها داخل المصاحف، وحجتهم ما كتبه الأصوليون في كتبهم تنظيراً[7]، وهي دعوات ليست خاصة بزماننا ولكنها قديمة، ذكر نظيرها الرازي المقرئ في كتابه  “فضائل القرآن وتلاوته”، فقال رحمه الله ” قد بلينا فِي الموقف بقوم من نشئة لا يعبئون بكتاب الله ولا بحفظه، فلا يعبأ الله بهم، قاصرين عَنْهُ، حاجزين، مفترين غيرهم، مزهدين فِيهِ، ملقبين حملته بالقراء عَلَى النبز والازدراء دون المدح والإطراء ما بين المترسمين بالعلم والمتوسمين بالنسك، جلَّ كلامهم: أن حفظ القرآن يصلح للمعلمين والصبيان، ولم يقرأ إلَّا عَند المرضى وفي المقابر، وأكثر فتياهم أَنَّهُ يكفي من القرآن ما يسقط بِهِ الفرض”[8].

البدء بالقرآن هو ما كان عليه الناس وجلة العلماء، حيث تركوا لنا وصاياهم خالدة تالدة، حتى نقتفي أثرهم فهل من مدكر، من ذلك وصية حافظ المشرق والمغرب الإمام ابن عيد البر في  ” باب رتب الطلب وكشف المذهب” قال ” طلب العلم درجات ومناقل ورتب لا ينبغي تعديها ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف رحمهم الله ومن تعدى سبيلهم عامدا ضل ، ومن تعداه مجتهدا زل فأول العلم حفظ كتاب الله عز وجل وتفهمه وكل ما يعين على فهمه فواجب طلبه معه”[9].

ثم الإمام النووي” وأول ما يبتدأ به حفظ القرآن العزيز فهو أهم العلوم ، وكان السلف لا يعلمون الحديث والفقه إلا لمن حفظ القران[10].

ومن المتأخرين الإمام الحسن اليوسي “ينبغي أن يبتدئ أولا بتحصيل القرآن حفظا واتقانا وفهما، لأنه أم العلوم وأهمها، ولرجاء بركته وتنوير القلب به، ولأنه أولى التقديم من كل وجه، ولا يزال يتعهده على مرور الأيام تلاوة وتدبرا وعملا بما فيه، فذلك أساس الخيرات وليحذر من نسيانه والغفلة عنه، فذلك مفتاح الشر”[11].

القرآن! القرآن! القرآن! بداية ووسطا وآخراً، فهما وسلوكا، ومعه اتقان كل ذي فن لفنه، كلٌ في  مجال تخصصه، طلباً للإحسان في عمله وخدمة لأمته، فما أروع أن يشد المومن والمؤمنة معاقد العزم ليحفظ القرآن ويجمعه ويحافظ عليه…وليصبر على الهوان والضعة والضياع من لا يحرك همته قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:” يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في دار الدنيا فإننا منزلك عند آخر آية تقرأ بها”، حسبه يومئذ من الخيبة والخسران أن يحملق في القراء العالمين العاملين وهم إلى صعد وهو بمستقر انحطاطه[12].


[1] مسند الإمام أحمد، أحمد بن حنبل، تحقيق شعيب الأرنؤوط عادل مرشد، مؤسسة الرسالة، ط1، 1421 هـ  2001 م، مسند الأنصار، حديث أبي أمامة الباهلي الصدي بن عجلان بن عمرو ويقال: ابن وهب الباهلي

[2] فضائل القرآن وتلاوته، أبو الفضل عبد الرحمن الرازي المقرئ، تحقيق عامر حسن صبري، دار البشائر الإسلامية، ط1، 1415 هـ 1994 م، ص 30

[3] سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (تحقيق شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، ط3، 1405 هـ 1985 م، ج6 ص 327

[4] سير أعلام النبلاء، الذهبي، ج9 ص 351

[5] سير أعلام النبلاء، الذهبي، ج13 ص 265

[6] سير أعلام النبلاء، الذهبي، ج 14 ص371

[7] للمثال فقط انظر شروط الاجتهاد، كتاب الوجيز في أصول الفقه الإسلامي، محمد مصطفى الزحيلي، دار الخير دمشق، ط2، 1427 هـ 2006م، ص287

[8] فضائل القرآن وتلاوته، أبو الفضل عبد الرحمن الرازي المقرئ، ص 30

[9] جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، أبو الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي الدمام، 1414ه 1994م، ج3 ص434

[10] المجموع شرح المهذب، يحيى بن شرف النووي، دار الفكر الاسلامي الحديث، ج1 ص38

[11] القانون في أحكام العلم وأحكام العالم وأحكام المتعلم، الحسن اليوسي، تحقيق حميد حماني، مطبعة شالة الرباط، ط1، 1419ه 1998م، ص392

[12] الرسالة العلمية عبد السلام ياسين، مطبوعات الهلال وجدة، ط1، 2001م، ص5

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.