منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

البِرْكَة (قصة قصيرة)

البِرْكَة (قصة قصيرة) / ذ. الحسن شعيب

2

البِرْكَة (قصة قصيرة)

هذه القصة حقيقية، وهي مهداة لروح والدي، الذي كان بطلها

ذ.الحسن شعيب

منتصبَ القامة شامخا يجرُّونه ذات ضحى، لمعاقبته بتهمة التملص الضريبي، والناس حُشروا جميعا في ذلك الميدان، الذي تتوسطه حفرة كبيرة حفرتها سلطات الاحتلال الفرنسي في تلك القرية النائية من جنوب المغرب، ثم حولتها بعدُ بِركة من الأوحال لمعاقبة العصاة والمتمردين برميهم فيها. وحين يمسك المخزني ضخمُ الجثة “عْلاَّ” (بتفخيم اللام)، بتلابيب أحدهم، ويُطَوِّح به اتجاه تلك البركة الآسنة، تمتزج قهقهات جزء من الجمهور بحوقلة وصراخ جزء آخر، حين يرون المقذوف هناك يتخبط وسط الأوحال، ويصارع للخروج من البركة، وحين يكون المقذوف به قصير القامة ضعيفا، فإن وضعه يتعقد أكثر، إذ يخرج من خياشيمه الماء الموحل بعد أن يكون قد ابتلع منه ما يفيض عن طاقة بطنه الاستعابية، وإذا حاول أن يتمسك بطرف البركة للصعود، فإن الحذاء السميك ل “علا” يمتد إليه بسرعة، ويدفعه وسط البركة ثانية.

يقوم الفرنسيس مدعومين بعملاء مغاربة بجرد ممتلكات القرويين البسطاء، فتجد في كنانيشهم مثلا خمس دجاجات، وديكا، وثلاث نعجات، وحمارا، وثلاثين نخلة، ونحو ذلك، وبسبب شطط  في استعمال السلطة وغيره من الأسباب، يتم غالبا إقحام ممتلكات ودسها على البعض إمعانا في الإذلال والقهر. وتُفرض مُكوسٌ على القرويين بناء على ما دون بسجلات السلطة الاستعمارية، وكل واحد يؤدي ما طولب به، سواء كانت له ممتلكات حقيقية أو نسبت له كذبا وزورا.

المزيد من المشاركات
1 من 46

وكان اليوم الذي يختارونه لمعاقبة المتمردين أشبه بمهرجان شعبي، أو بمقابلة لاقتتال الديكة، إذ يخرج الناس عن بكرة أبيهم لمتابعة المشهد؛ ويوضع مكتب وكرسي لقائد الجوقة الفرنسي، ويصطف الأعيان الذين معه، وحولهم جمهور من القرويين، والمتهمون في ركن آخر مُصَفَّدُون، ينتظرون ما ينطق به في حقهم. افتتحت الجلسة، ونودي على عْدِّي، وطولب بأداء مبلغ الغرامة، ولما لم يكن معه مال، أُمِر به فألقي في البركة. ألقاه “علا” المخزني البدين، ذو الشاربين الطويلين، والذي تتدلى من حزامه جهة اليمين عصا طويلة، ومن جانبه الآخر مسدس، لا يدري أحد أبه ذخيرة أم لا، وكان مفتول العضلات، قوي البنية، لا يعرف غير تنفيذ الأوامر.

نودي على حْدُّو، وأدى غرامته على مضض، وتبعه سْلِيمان الذي أدى بدوره ما حكم به عليه، وتبعهما آخرون أُلْقِيَ معظمهم في البركة، يصاحب ذلك تصفيقٌ وصفيرٌ وقهقهاتٌ في مشهد سادي رهيب. ثم نودي على آخر رجل في اللائحة: قاسم. قال رئيس الجلسة: هل حضر السيد قاسم؟، فجاءه الجواب سريعا: نعم حاضر. فدار بينهما الحوار التالي:

– أنت تملك حمارا وبقرة وثلاث نعجات و…

قاطعه الرجل وزاد متهكما:

– وخمسون دجاجة وبغلتان و…

هوى الموسيو ميشال بقبضة يده بكل قوته على الطاولة التي أمامه ليُسْكِت الرجل النحيف، وتابع قائلا:

– يمنع عليك أن تقاطعني، قلت: حمارٌ، وبقرة وثلاث نعجات، وعندك فدانٌ صالح للزراعة، قُدِّرت غلته بعشرة قناطر من القمح، ومجموع ما في ذمتك من ضرائب سبعة عشر درهما.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

قال قاسم بكل هدوء:

– أما البقرة فقد بعتها قبل ستة أشهر، لأني لا أجد ثمن علفها، وأما الحمار فقد مات في ظروف غامضة، وأما الأرض فلم تنتج القدر الذي في كُنَّاِشكم، ولهذا لستُ مدينا لكم بشيء. لن أدفع لكم فلسا.

– هل تشكك في نزاهتنا ومصداقيتنا وعدالتنا أيها المعتوه؟

– أنا من يعرف فقط ما أملك وما لا أملك…

بقي الرجلان ينظران إلى بعضهما، وعيناهما تقذفان شررا، تعجب المسيو ميشال من جرأة الرجل، وشمت في نحافته، وبحركة من رأسه لصاحب البزة الخضراء والقبعة المسطحة “علا”، تحرك هذا الأخير لينفذ الحكم. لم يضعوا على يديه أصفادا، ربما بسبب نحافته، وربما لم يكن معهم ما يكفي القرويين يومئذ من أصفاد. سيق نحو البركة منتصبا، يختال في مشيته، وقد شد سرواله الفضفاض بحبل صنعه من جريد النخل، إذ لا أحزمة لسراويل القوم يومئذٍ. وقف على حافة البركة، والمخزنيُّ بجانبه، والجمهور ينتظر الإشارة ليلقى به في البركة. قال قاسم يحدث نفسه: ليس لي حمارٌ أؤدي عنه ضريبة كما زعموا، وحكم هذه المحكمة ظالم وباطل، لكني إن بقيت مكتوف اليدين، أنظر إلى رجلٍ مثلي، مستسلما له كالميت بين يدي غاسله حتى يرميني في البركة، فسأكون حينها حمارا حقيقيا؛ وليس العيب أن يكون الواحد منا حمارا، ولكن العيب والعار أن يصبح حمارا. والفرق بين أن يكون الواحد حمارا أو يُصْبِحه كبيرا جدا…

اقترب المخزني أكثر وأحاط بالرجل النحيف الذي ما زال يحدث نفسه؛ أحاط به بيديه القويتين، كيما يحمله إلى الأعلى ويقذفه في البركة الآسنة. هناك حدث ما لم يكن بحسبان أحد، التف السيد قاسم بسرعة حول المخزني، وبحركة خفيفة سريعة دفعه إلى البركة. بشاخ !! أحدث ارتطام تلك الجثة الضخمة بالبركة صوتا قويا، وتصدقت البركة بما فيها من أوحال تطايرت بفعل الارتطام القوي، ووصل جزء منها لمكتب المسيو ميشال. لم يبق صاحبنا منتظرا متفرجا، بل ألقى نفسه خلف علا، واستفرغ جهده يدهسه برجليه وسط البركة، كأنما ينتصر لكل قروي مسكين ألقي به هناك. غرق المخزني في الأوحال، غرقت العصا، والمسدس، وبقيت القبعة الرسمية طافية على السطح. حينها انطلقت زغاريد الجمهور، وتعالت صيحات الاستهجان، وانقلب المشهد كله. كان ذلك أكثر من إهانة لموظفٍ أثناء القيام بعمله.

نَطَّ من البركة إلى الخارج تاركا خلفه الرجل البدين، وقف أمام المسيو ميشال والأوحال تقطر من ثيابه الرثة، وقال: “الآن وقد شفيت غليلي، ولم أحْنِ جبهتي لرجل مثلي، هاكم عنقي اضربوه بمنجل أو سيف أو بما شئتم، أو أفرغوا في رأسي هذا ذخيرة مسدسكم”. هرع مْخازنية آخرون ينتشلون زميلهم من البركة، بينما تهامس الرئيس مع معاونيه. أُسْقِط في يد ميشال، وأخرست المفاجأة لسانه؛ نادى على شيخ القبائل، وهمس في أذنه، حينها علا صوت الشيخ مزبدا ومرعدا يطلب من الجميع الانسحاب: “هيا تفرقوا انتهت الفرجة، ليعد كل واحد لبيته”.

وضعت الأصفاد على معصم قاسم، واقتيد إلى السجن، وخلافا لكل التوقعات، أحس المسيو ميشال نحو الرجل ببشعور غريب فيه نصيب من غضب وشيء من شفقة وكثير من احترام، إذ لم يجرؤ أحد أن يصنع مثل صنيعه أبدا، قَدَّر أن الرجل من طينة خاصة. حَكَموا عليه بشهر حبسا نافذا مع الأشغال غير الشاقة، واستفاد من ظروف تخفيف تسمح له بالمبيت في بيته مع زوجته وبناته الأربعة على أن يعود في صباح اليوم الموالي، يزاول بعض الأشغال الروتينية هناك، كإعداد براريد الشاي المنعنع، وجلب بعض الحاجيات أو أعمال التنظيف، وكان زملاء “علا” كلما أرادوا إسكاته وإخراسه، خصوصا حين يتمادى في استعراض بطولاته، كانوا ينادون بصوت واحد: “قاسم”، فيهب مسرعا نحوهم مجيبا “نْعَامَاس”، وما إن يقف أمامهم حتى ينفجر الكل ضاحكا من “علا”، وحين ينصرفُ، يقولون للمخزني البدين: “كفى تشدقا، لقد هزمك الرجل النحيف شر هزيمة”

مر الشهر المحكوم به على قاسم سريعا، ولم يكن الرجل بشهادة كل موظفي السجن خفيف الجسم فقط، بل كان خفيف الروح أيضا، وكان صاحب نكتة وحكمة معا، لذلك لقي تعاطفا من سجانيه، وصار محط محبة الجميع، بمن فيهم المسيو ميشال، وكان يعزف الناي بمهارة عالية، وكان يغني لهم من عذب أشعاره، كما يحكي لهم حكايات مسلية تنسيهم آلام العزلة التي يعانونها في تلك الأربع النائية، لكنه علمهم أيضا وبالتجربة العملية معنى قول الشاعر:

ترى الرجل النحيف فتزدريه   وفي أثوابه أسد هصور

أما البركة، فقد عمدوا إلى إزالتها بعد الحادث، وأصبحت أثرا بعد عين، وكان قاسمٌ النحيف وعلاَّ البدين آخر رجلين سبحا في بركة الأوحال سيئة الذكر تلك، والتي كانت أغرب عقاب شهدته تلك القرية الهادئة من قرى جنوب المغرب، تفتقت عنه عبقرية ثقافة سماها التاريخ “ثقافة أنوار”.

وثيقة كشف ضريبي تعود لسنة 1956، بها جرد للمتلكات، وقيمة الضريبة

 

2 تعليقات
  1. المهدي يقول

    روعة روعة روعة
    سلم يراعك

  2. قاسم صالح يقول

    رائعة !
    ننتظر التتمة سي الحسن
    مزيدا من النألق والتوفيق ان شاء الله

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.