منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مفهوم العمل الخيري وخصائصه في الشريعة الإسلامية

مصطفى بوهبوه

0

يتميز العمل الخيري في الإسلام عن باقي الديانات والفلسفات بخصائص تستمد مشروعيتها من المصادر الأساسية للشريعة الإسلامية تجعله أحد المؤشرات التاريخية العريقة لهذه الأمة، لما له من آثار اجتماعية مشرقة.

فما هو مفهوم العمل الخيري؟ وما هي أهم خصائصه في الشريعة الإسلامية؟

تنزيل كتاب: “العمل الخيري التطوعي أصوله وأبعاده المقاصدية”-مصطفى بوهبوه pdf

أولا: معنى مفردات “العمل” “الخيري”.

سأبدأ أولا ببيان معنى “العمل”، ثم أثني ببيان معنى “الخيري”، وأثلث ببيان معنى” العمل الخيري”، وذلك فيما يلي:

المزيد من المشاركات
1 من 17

العمل لغة:

العمل: إن كلمة العمل مشتقة من عَمِلَ وهو من باب طَرِبَ [1]قال ابن فارس: “العين والميم واللام أصل واحد صحيح، وهو عام في كل فعل يفعل”[2]. وقيل العمل: المِهنة والفعل[3]. أما الراغب الأصفهاني فقد اعتبر أن العمل أخص من الفعل حيث يقول: “فهو أي ــ العمل ــ أخص من الفعل؛ لأن الفعل قد ينسب إلى الحيوانات التي يقع منها فعل بغير قصد، وقد ينسب إلى الجمادات، والعمل قلّما ينسب إلى ذلك، ولم يستعمل العمل في الحيوانات إلا في قولهم: البقر العواملُ[4]“، وتقول العرب: الرجل يعتمل لنفسه، ويعمل لقوم، ويستعمل غيره، ويُعْمِل رأيه أو كلامه أو رمحه، وأعمل فلان ذهنه في كذا، إذا دبّره بفهمه[5].

ونستخلص من هذه المعاني اللغوية التي سبقت أن مادة “عمل” تأتي لمعان تدور حول: فعل الشيء بقصد، سواء قام به الإنسان نفسه، أو طلبه من غيره، وسواء أكان بإعمال الجوارح أو الذهن أو بالآلة.

العمل اصطلاحا:

هو: “كل مجهود بدني أو ذهني مقصود ومنظم يبذله الإنسان؛ لإيجاد منفعة مقبولة شرعا أو زيادتها، تهدف إلى تحقيق عمارة الأرض التي استُخلف فيها والاستفادة مما سخره الله تعالى؛ لينفع نفسه وبني جنسه في تحقيق حاجاته وإشباعها”[6].

الخير: لغة

أم الخير: فهو ضد الشر، وجمعه خُيور، وقوله تعالى: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)[7]، جمع خَيْرَةٍ، وهي الفاضلة من كل شيء[8].و ” والخاء والياء والراء أصله العطف والميْل، ثم يحمل عليه. فالخير: خلاف الشر؛ لأن كل أحد يميل إليه ويعطف على صاحبه. والخيرة: الخيار. والخير الكرم، والاستخارة: أن تسأل خير الأمرين لك”[9].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 21

الخير اصطلاحا:

المعنى الاصطلاحي للخير قريب من المعنى اللغوي، فقد ورد الخير في القرآن الكريم وأريد به البر والصلاح والهُدى والمعروف والحسن…”[10].

 ثانيا ــــ معنى “العمل الخيري” مركبا:

عرف الإمام يوسف القرضاوي في كتابه أصول العمل الخيري في الإسلام العمل الخيري بقوله: “المراد بالعمل الخيري: النفع المادي أو المعنوي الذي يقدمه الإنسان لغيره، من دون أن يأخذ عليه مقابلا ماديا، ولكن ليحقق هدفا خاصا له أكبر من المقابل المادي، قد يكون عند بعض الناس الحصول على الثناء والشهرة، أو نحو ذلك من أغراض الدنيا المؤمن يفعل ذلك لأغراض تتعلق بالآخرة رجاء الثواب عند الله والدخول في جنات النعيم فضلا عما يناله في الحياة من بركة وحياة طيبة وسكينة نفسية وسعادة روحية لا تقدر بثمن عن أصحابها”[11]. ويلاحظ من خلال هذا التعريف أن الشيخ القرضاوي قد قسمه إلى قسمين: عمل خيري مادي وعمل خيري معنوي. بالإضافة إلى أن كلمة (الإنسان) تشمل كل ما أنيط به وصف الإنسانية، بغض الطرف عن انتمائه أو دينه، وكذلك قوله (لغيره) تتناول المسلم وغير المسلم.

أما الدكتور عبد الكريم بكار فقد عرّف العمل الخيري بقوله: هو ” كل مال أو جهد أو وقت يبذل من أجل نفع الناس وإسعادهم والتخفيف من معاناتهم”[12].

فمدلول الخير عند الدكتور عبد الكريم بكار اتسع ليشمل الإحساس بالآخرين والتعاطف معهم والدعاء لهم وتشجيعهم ورفع معنوياتهم ومواساتهم ومنحهم الرؤية والمنهج وإرشادهم لما فيه خير دينهم ودنياهم”[13].

يتبين من خلال هذه التعريفات أن العمل الخيري هو عمل تبرعي يقدمه الإنسان لغيره، خدمة للمحتاجين إليه بغض النظر عن دينهم أو أفكارهم، من غير طلب عوض، ومن غير مخالفة للشرع.

فالمسلم يقوم بالعمل الخيري لأهداف تتعلق بالآخرة، ابتغاء الثواب من الله، والدخول في جنات النعيم، فضلا عما يناله في الحياة الدنيا من بركة، وسكينة، وسعادة روحية تغمره هو وأهله.

ومن هذا المنطلق وضع الإسلام مجموعة من الخصائص للعمل الخيري تجعله يتميز عن العمل الخيري في باقي الديانات السماوية والفلسفات المادية فما هي هذه الخصائص؟

يتسم العمل الخيري في الشريعة الإسلامية بعدة خصائص ومن جملتها ما يلي:

الخصيصة الأولى: الإخلاص في العمل

العمل الخيري عبادة يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى، ولا يقبل الخير عند الله ما لم يكون خالصا طيبا لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “إن الله طيب لا يقبل ألا طيبا”[14]، فالنية والخلوص من أهم خصائص العمل الخيري في الميزان الأخلاقي للإسلام، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمال بالنيات. وإنما لكل امرئ ما نوى”[15]. فمن أراد أن يعمل خيراً ما فعليه أن ينوي به التقرب إلى الله تعالى عند الشروع فيه.

وفي هذا السياق يقول ابن القيم ــ رحمه الله ــ:”فأما النية فهي رأس الامر وعموده، وأساسه وأصله الذي يبنى، فإنها روح العمل وقائده وسائقه، والعمل تابع لها يبنى عليها، ويصح بصحتها، ويفسد بفسادها، وبها يستجلب التوفيق، وبعدمها يحصل الخذلان، وبحسبها تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة”[16].

الخصيصة الثانية: الشمولية في الخير والرحمة

أما شمولية الخير فتتجلى في كون أن المسلم يقدم الخير لكل من هو في حاجة إليه، سواء كان قريبا أم بعيدا، صديقا أم عدوا، مسلما أم كافرا، إنسانا أم حيوانا؛ وذلك لعموم قوله تعالى:﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ[17]. أما شمولية الرحمة فيجسدها قول النبي صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تراحموا، قالوا بلى يا رسول الله كلنا رحيم. قال: إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكن رحمة العامة”[18]، والمراد بهذا أن الرحمة في الإسلام اتسعت لتشمل جميع الخلائق دون تفريق أو خصوصية.

الخصيصة الثالثة: التنوع في أصناف الخير

من تجليات اهتمام الإسلام بالعمل الخيري، الترغيب في شتى أنواعه وصوره بأساليب متعددة؛ وذلك قصد تلبية حاجيات المعوزين والفقراء والمساكين، ومنح فرصة لكل من لديه الرغبة والقدرة في فعل الخير.

ومن صور تنوع العمل الخيري في الإسلام: مواساة الفقير والمسكين، وإدخال السرور عليهم، ومسح رأس اليتيم، وزرع الثقة والتوكل في نفوس الآخرين، وقضاء الحوائج للناس، والترغيب في العمل الخيري والتنوع فيه يؤكده قوله صلى الله عليه وسلم في قوله: “على كل مسلم صدقة، قالوا يا نبي الله فمن لم يجد؟ قال: يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق، قالوا فإن لم يجد؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف، قالوا فإن لم يجد؟ قال: فليعمل بالمعروف وليسمك عن الشر فإنها له صدقة”[19].

من خلال ما سبق يتضح أن العمل الخيري في الإسلام عبادة يتقرب بها العباد إلى الله تعالى، ومن أجل القيام بشأنه، والرفع من متطلباته خصصت له الشريعة الإسلامية مجموعة من المميزات والخصائص من جملتها: الإخلاص في العمل، والشمولية في الخير والرحمة، والتنوع في أصناف الخير.


[1] ــ مختار الصحاح، مادة (ع م ل)، ج1، ص 218.

[2] ــ معجم مقاييس اللغة، مادة (ع م ل)، ج4، ص 145.

[3] ــ الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، مادة (ع م ل)، ص 616.

[4] ــ ينظر: المفردات في غريب القرآن، الأصفهاني، ص 586.

[5] ــ مقاييس اللغة، ابن فارس، مادة “عمل”، ج4، ص 145.

[6] ــ مدخل للفكر الاقتصادي في الإسلام، سعيد مرطان، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، 1465هـ 2004م، ص 81.

[7] ــ سورة المؤمنون: الآية 61.

[8] ــ لسان العرب، ابن منظور، مادة (خ ي ر)، ج3، 264.

[9] ـــ مقاييس اللغة، ابن فارس، ج2، ص 232. مختار الصحاح، الرازي، ص 99، لسان العرب، ابن منظور، ج4، ص 264 مادة “خير”.

[10] ــ الخير ومرادفاته، نذير حمدان، دار المأمون للتراث، دمشق، ص 18.

[11] ــ أصول العمل الخيري في الإسلام، يوسف القرضاوي، دار الشروق، ط/2 2008، ص 21.

[12] ــ ثقافة العمل الخيري كيف نرسخها؟ وكيف نعممها؟، عبد الكريم بكار، ط1، دار السلام 2012. ص 12.

[13] ــ ثقافة العمل الخيري كيف نرسخها؟ وكيف نعممها؟، عبد الكريم بكار، ص 12.

[14] ــ صحيح مسلم، كتاب: الزكاة، بابا: قبول الصدقة من الكسب الطيب، رقم الحديث (1015).

[15] ــ صحيح البخاري، كتاب: بدء الوح، باب: كيف كان بدء الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم رقم الحديث (1).

[16] ــ إعلام الموقعين، ابن القيم، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية ــ بيروت ج/4، ص 255.

[17] ــ سورة البقرة: الآية 215.

[18] ــ المستدرك الحاكم، كتاب: البر والصلة، حديث عائشة رضي الله عنها، صحح إسناده ووافقه الذهبي، عن أبي موسى الأشعري.

ج/4، ص185.

[19] ــ صحيح البخاري، كتاب: الزكاة، باب: على كل مسلم صدقة، فمن لم يجد فليعمل، حديث رقم (1427).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.