منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فضل الدعوة إلى الله وثمراتها

فضل الدعوة إلى الله وثمراتها / الأستاذ عثمان غفاري

0

فضل الدعوة إلى الله وثمراتها

من إعداد الأستاذ عثمان غفاري

 

توطئة:

تمثل الدعوة إلى الله لُبَّ الدين وأُسَّه بما هي وراثة للنبوة، وعمل صالح جامع مانع لكل شعب الإيمان، عمل يتعداك خيره وأجره ونوره إلى غيرك، فالدال على الخير كفاعله. فما المقصود بالدعوة إلى الله، وما الفضل الذي أعده الله تعالى للدعاة إليه؟ وكيف السبيل لتحصيل الأسباب المعينة على تحصيل ثمارها؟ واقتحام العقبات المثبطة عن خوض غمارها؟

أولا: معاني الدعوة إلى الله:

كلمة “الدعوة” مصطلح إسلامي، وهناك علاقة وثيقة بين مدلول هذا اللفظ في الأصل اللغوي، وبين استعماله كمصطلح إسلامي صرف، فقد ورد لفظ الدعوة في القرآن الكريم للدلالة على معاني متعددة منها:

1 ـ معنى الطلب: نحو قوله تعالى: “لا تدعو اليوم ثبوراً واحداً وادعوا ثبوراً كثيراً” (الفرقان: 14). بمعنى لا تطلبوا اليوم هلاكاً واحداً بل اطلبوا هلاكاً وويلاً كثيراً فإن ذلك لن ينفعكم.

2 ـ معنى النداء: نحو قوله تعالى: “ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقًا” (الكهف:52). أي فنادوهم فلم يستجيبوا لهم.

3 ـ معنى السؤال: نحو قوله تعالى حكاية عن بني إسرائيل: “قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها” (البقرة:69). أي اسأل ربّك يبين لنا ما لون البقرة التي أمرنا بذبحها.

4- معنى الحث والتحريض على فعل شيء: نحو قوله تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون: ” ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار” (غافر:41). بمعنى أنه ليس من العدل والإنصاف أن أحثّكم وأحرضكم على فعل ما من شأنه نجاتكم في الدنيا والآخرة، وأنتم تحرضونني على فعل ما من شأنه هلاكي.

5 ـ معنى الاستغاثة: نحو قوله تعالى: “قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين” (الأنعام:40) بمعنى: هل إذا أتاكم عذاب وغضب من الله وأصابتكم كارثة أو مصيبة أو أتتكم الساعة هل إذ حدث ذلك تستغيثون بغير الله؟ فإن كلمة تدعون في الآية بمعنى الاستغاثة.

6 ـ معنى الأمر: نحو قوله تعالى: “وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم” (الحديد:8). أي والرسول يأمركم أن تؤمنوا بالله ربكم.

7 ـ معنى الدعاء: نحو قوله تعالى: “ادعوا ربكم تضرُّعاً وخفية” (الأعراف:55). بمعنى توسلوا إلى الله بالدعاء وتقربوا إليه به.

فهذه معاني متعددة استُعمل لفظ الدعوة للدلالة عليها كما ورد في القرآن، وإذا نظرنا بشيء من الإمعان إلى تلك المعاني سوف نجد أنها تعود جميعها إلى أصل واحد وهو معنى “الطلب”.
– فالنداء هو طلب الحضور والمجيء سواء لأمر حسي أو معنوي، والسؤال هو طلب العلم بشيء لم يكن معلوماً لدى السائل، والتحريض والحث هو طلب إتيان فعل غير مرغوب فيه عند المخاطب، والاستغاثة طلب رفع ضرر واقع على المستغيث، والأمر طلب إتيان الفعل مطلقاً، والدعاء هو الطلب من الله سبحانه وتعالى.

أما الدعوة في لسان الشرع قد وردت فيها عدة تعاريف، اخترت لكم منها ثلاثة تعاريف لعلماء من مدارس مختلفة:

1) تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

“الدعوة إلى الله، هي الدعوة إلى الإيمان به، وبما جاءت به رسله، بتصديقهم فيما أخبروا به وطاعتهم فيما أمروا”(مجموع الفتاوى لابن تيمية ج15/ 157).

2) تعريف الدكتور السيد محمد الوكيل:

“الدعوة إلى الله هي جمع الناس إلى الخير، ودلالتهم على الرشد، بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر” (أسس الدعوة وآداب الدعاء للدكتور السيد محمد الوكيل، ص9).

3) تعريف الإمام المجدد الأستاذ عبد السلام ياسين – رحمه الله -:

“الدعوة إلى الله عز وجل هي لب الأمر كله، هي وراثة النبوة، والدعوة إلى الله غير الدعوة إلى الإسلام وإن كانت الدعوة إلى الإسلام بدايتها، وهي غير الدعوة للحل الإسلامي في الحكم والسياسة والاجتماع والاقتصاد، وإن كان الحل الإسلامي والجهاد لفرضه ونصرته بعض مهماتها، حين تكون دعوة على المنهاج النبوي، وحين يكون الدعاة ورثة جامعين، وهي غير الدعوة إلى الإيمان وحلاوته، والذكر وتلاوته، والروحانية وكرامتها، وإن كان كل ذلك بعض خصائصها”. (إمامة الأمة: ص: 132/ 133).

ثانيا: فضل الدعوة إلى الله:

  • الدعوة إلى الله قضية بناء أمة، لأنه لا يمكن على الإطلاق أن تبنى أمة من دونها، لأن الأمة أفراد كثيرة، ومجتمع هائل من البشر، فلا بد إذن من أن تصل الدعوة إلى الناس جميعا.
  • الدعوة إلى الله اتقاء لغضب الله ولعنته روى أحمد في مسنده، والترمذي رحمه الله، وقال: حديث حسن. عن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ.” رواه أحمد وابن ماجة، وابن حبان. وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرفت في وجهه أن قد حفزه شيء- أي قد همه شيء- فتوضأ، ثم خرج، فلم يكلم أحدا، فدنوت من الحجرات، فسمعته يقول:”يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: مُرُوا بِالْمَعْرَوفِ وْانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ مِنْ قَبْلَ أَنْ تَدْعُونِي فَلَا أُجِيبُكُمْ، وَتَسْأَلُونِي فَلَا أُعْطِيكُم وَتَسْتَنْصِرُونِي فَلَا أَنْصُرُكُمْ.”
  • الدعوة إلى الله تورث نيل محبة الله والقرب منه. قال تعالى في الحديث القدسي: “حقت محبتي للمتحابين فيّ، وحقت محبتي للمتواصلين فيّ، وحقت محبتي للمتناصحين فيّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ، هم على منابر من نور يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء”
  • – الدعوة إلى الله تحي القلوب الموات باستجابتها لله والرسول صلى الله عليه وسلم” يا أيها الذين آمنوا استجيبوا الله والرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون “وقال تعالى: “ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم“
  • الدعوة إلى الله تكفل للداعي إلى الله أجرا مستمرا ومثوبة دائمة.. روى مسلم وأصحاب السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً”
  • الدعوة إلى الله نوع من الجهاد الذي يحبه الله، فقبل أن يشرع الجهاد بالسنان للقتال، كان الجهاد جهاد دعوة وجهاد حجة وجهاد بيان، قال الله جل وعلا في سورة الفرقان: “فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا”[الفرقان:52] قال ابن عباس رضي الله عنهما: جاهدهم به يعني بالقرآن وهو جهاد الحجة والبيان.
  • الدعوة إلى الله سبب لانشراح الصدر؛ لأن الله كتب السعادة لكل من سعى في نفع الناس، وهذا شيء مجرب، ورأيناه ورآه غيرنا.
  • الدعوة إلى الله سبب للفوز بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم القائل: “نضر الله امرءا سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره” [صحيح الجامع 6763].
  • الدعوة إلى الله شكر للداعية المصحوب على ما أسداه لنا من معروف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من أسدى إليكم معروفا فكافؤه، فان لم تقدروا فادعوا له”

ثالثا: الدعوة إلى الله درجات ومجالات:

  الهداية هدايات، كافر يدخل الإسلام مهتديا وهذه الدعوة يصلح تسميتها بالدعوة العامة التي تهدف لنشر الإسلام وتعاليمه، ويغلب على هذا النوع العمل الفردي لكل مؤمن على حدة باغتنامه لكل فرصة متاحة لنشر قيم الإسلام وتعاليمه في العمل، أو الحي، أومن خلال التواصل الإعلامي، مع عدم استبعاد أنشطة جماعية مخطط ومبرمج لها من هيئات دعوية، ومسلم يخطو نحو الإيمان مقتفيا وهذه هي الدعوة الخاصة بتوجيه الناس للتوبة والالتحاق بركب الجهاد بأبوابه العشرة وتكثير سواد العاملين في حقل الدعوة إلى الله، ويغلب على هذا النوع العمل الجماعي المؤسسي إذ تلتقي فيه همة وإرادة كل مسلم مع حسن إدارة الهيئات العاملة في حقل الدعوة إلى  الله كل في حدود اختصاصه وعبر أنشطة متعددة ومتنوعة من قبيل:  الجولات الدعوية والأبواب المفتوحة والحفلات الدعوية وتوزيع المطويات وإنتاج البرامج الدعوية وبرمجة الملتقيات الدعوية…، ومؤمن يرتقي صحبتك مرتديا حلل القرب من الله عز وجل وهو ما يمكن تسميته بالمواساة والاحتضان بأنواعه بغية السلوك إلى الله بكل وسيلة مشروعة.

رابعا: الدعوة إلى الله اقتحام للعقبات

ولبلوغ دعوة أكمل بثمار أسمى ونتائج لا تحصى، لابد للدعاة من التحلي بصفات دافعة واقتحام عقبات مانعة هذه بعضها:

 – الصفة الأولى: الإخلاص لله تعالى والتوكل عليه والدعاء له، وفي هذا اقتحام للعقبات النفسية.

 – الصفة الثانية: القدوة الحسنة بالتحلي بالجندية، وعلو الهمة ودوام التفاؤل، فعلى الداعية أن يتمثل القدوة في نفسه، وفي هذا اقتحام للذهنية الرعوية.

 – الصفة الثالثة: العلم بحال المدعوين والحكمة عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومخاطبة الناس على قدر العقول ومراعاة التدرج في الدعوة بالولوج من باب الإحسان لا من باب العدل، وفي هذا اقتحام لعقبة الجهل.

 – الصفة الرابعة: التحلي بالأخلاق الحسنة من رفق وصبر ورحمة ولين جانب، فالدعوة تستوجب بذل الجهد والمال، وتوظيف جميع الرجال خاصة ذوي السابقة، وحسن التعامل مع الناس وحفظ قدرهم، والتآلف معهم، وإنزال الناس منازلهم، وفي ذلك اقتحام للعادات الجارفة.

– الصفة الخامسة: التخطيط والتنظيم، ومن تجلياته تسطير مشاريع دعوية قائمة على توزيع المهام والتتبع، تجنبا للارتجال والابتذال والاستعجال، مع الحرص على تنويع وتجديد الأشكال، وفي ذلك اقتحام لعقبات الواقع المفتون بأبعاد الفتنة الأربعة.

على سبيل الختم:

الدعوة إلى الله مهمة الجميع وستبقى دائمة ومستمرة غير منقطعة، تتطلب من الدعاة إلى الله  فقها وحلما ومداراة وتنويعا في أساليب التأثير، وقبل كل ذلك توكلا وتزودا بالتقوى.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.