منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

إضاءات في شعيرة الأذان

إضاءات في شعيرة الأذان/ محمد بوعنونو

0

إضاءات في شعيرة الأذان

بقلم: محمد بوعنونو

 

كان الأذان يملأ الأرجاء سكينة ورحمة، وكلماته تتدفق شلالا إيمانيا صادقا، فتنتشي أسماع المؤمنين برذاذ الأصداء المطهرة، وتتلذذ بألفاظه المتوضئة، وترتشف حقائقه رشفة رشفة.

كان وهو ينساب عبر الفجاج والأودية عقدا تناثرت لآلئه، أو إكليلا تساقطت وروده وأزهاره، فشكلت أقواسا من جمال وجداول من جلال…

فسارعت إلى تلبية النداء حتى لا أشكل نشازا في نسق هذا الكون السابح في ملكوت الله، فانقدح في ذهني وأنا أشرب من عيون الصلاة أن أكتب عن هذا النداء الإلهي ما يستحيل سراجا يكشف عن أصله وفضله، وعن كيفية أدائه وما يقول المسلم عند سماعه، فتتابعت الأفكار فكان هذا المختار.

  • أصل الأذان:

اتفقت الآثار الواردة في شأن الأذان على اختلاف ألفاظها أن أصل أمره وبدء شأنه كانت رؤيا الصحابي الجليل عبد الله بن زيد، ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد اتخاذ وسيلة لدعوة الناس إلى الصلاة، فاختلفت الآراء حول طبيعة هذه الوسيلة حسب اختلاف الروايات، فقيل أراد أن يتخذ خشبتين وقيل الناقوس وقيل غير ذلك. فلما أخبر عبد الله بن زيد النبيَّ صلى الله عليه وسلم بما رأى في منامه أقره على ذلك، وأمره أن يلقن بلالا تلك الألفاظ المباركة فكان الأذان الذي نسمعه اليوم.

  • كيفية الأذان:

اختلف أئمة الأمصار في كيفية الأذان، فذهب مالك والشافعي إلى أن الأذان مثنى مثنى، إلا أن الشافعي يقول في أول التكبير: الله أكبر أربع مرات، ومالك مرتين.

كما ذهب مالك والشافعي إلى القول بالترجيع في الأذان، والترجيع أن يتلفظ المؤذن بالشهادتين سرا بعد التكبير، ثم يعيدهما جهرا، في حين رأى أبو حنيفة وأصحابه والثوري ومن وافقهم عدم القول بالترجيع، استنادا إلى حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عبد الله بن زيد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: “رأيت في المنام كأن رجلا قام وعليه بردان أخضران على جذم حائط فأذن مثنى مثنى وأقام مثنى مثنى، فسمع ذلك بلالا ففعل مثل ما رأى عبد الله بن زيد“.1

ولعل الصواب ما ذهب إليه أحمد وإسحاق بن راهويه ومحمد بن جرير إلى إجازة القول بكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الصدد، وحملوه على الإباحة والتخيير، لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم جواز ذلك وعمل به أصحابه رضي الله عنهم أجمعين.

  • حكم الأذان:

اختلف العلماء في وجوب الأذان، فأما مالك وأصحابه فإن الأذان إنما يجب عندهم في مساجد الجماعات حيث يجتمع الناس، واختلف المتأخرون من أصحابه على قولين: أحدهما أنه سنة مؤكدة واجبة على الكفاية في المصر، والثاني أنه فرض على الكفاية، وكذلك اختلف أصحاب الشافعي، وذكر الطبري عن مالك قال: { ولا أعلم خلافا في وجوب الأذان جملة على أهل الأمصار، لأنه من العلامة الدالة المفرقة بين دار الإسلام ودار الكفر}.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية يقول لهم: { إذا سمعتم الأذان فأمسكوا، وإن لم تسمعوا الأذان فأغيروا}.2

وقال عطاء ومجاهد والأوزاعي: الأذان فرض ولم يقولوا على الكفاية.

  • ما يقول المسلم عند سماع الأذان.

ذهب بعض العلماء إلى أن الذي يسمع الأذان يقول مثل ما يقول المؤذن، وحجتهم عموم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عموم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: { إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن}.3

وقال آخرون يقول مثل ما يقول المؤذن إلا في قوله حي على الصلاة حي على الفلاح، فإنه يقول في ذلك: لا حول ولا قوة إلا بالله.

واختلف الفقهاء في المصلي يسمع الأذان وهو في نافلة أو فريضة، فقال مالك: لا يقول شيئا في المكتوبة، أما النافلة فلا بأس أن يقول مثل ما يقول المؤذن في التكبير والتشهد. وقال ابن وهب: يقول المصلي مثل ما يقول المؤذن في المكتوبة والنافلة.

وقال سحنون: لا يقول ذلك في نافلة ولا مكتوبة، وكذا قال الشافعي أيضا.

  • فضل الأذان:

ورد في فضل الأذان آثار كثيرة، منها حديث رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم: { لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة}.4

وقوله صلى الله عليه وسلم أيضا: { اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين}.5

وقالت عائشة رضي الله عنها إن قوله تعالى: { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا} أنه نزل في المؤذنين.6

وقال عمر: لو كنت أطيق الأذان مع الخلافة لأذنت.

ومما ورد في فضل الأذان أيضا أن الشيطان يفزع عند سماعه ويفرّ كما في الحديث { إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع النداء}.7

ومما يدل على فضل الأذان أنه من الأوقات التي يستجاب فيها الدعاء، فعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: { إذا نودي بالأذان فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء}.8

فهذه إضاءات بسيطة حول هذه الشعيرة الربانية ليس لي منها إلا الجمع والترتيب والتلخيص والتشذيب أقصد من ورائها تذكير نفسي أولا، والإسهام ثانيا في تقريب المعرفة للناس ممن لا وقت لهم لمطالعة أمات الكتب الفقهية والحديثية المتضمنة للشريعة وأصولها، عسى أن نبلغ مما علمنا الله ونؤدي زكاة ما تعبنا في جمعه وتحصيله أيام الطلب. فمن وجد فيه ما يفيده فهو له، وإلا فلا حاجة له به.


1 أصله في الموطأ تحت رقم 149.باب ما جاء في النداء للصلاة.

2 تفسير القرطبي سورة المائدة. { وإذا ناديتم إلى الصلاة…}.

3 صحيح مسلم رقم 383.

4 صحيح البخاري رقم 609.

5 سنن الترمذي رقم 207.

6 انظر تفسير البغوي سورة فصلت.{ ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا …}.

7 صحيح البخاري رقم 608.

8 الألباني في صحيح الجامع رقم 818.

*لمراجعة أقوال العلماء الواردة في المقال يرجع إلى كتاب شرح الزرقاني على موطأ مالك كتاب الصلاة، باب ما جاء في النداء للصلاة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.