منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

السيارة الحمراء (قصة قصيرة)

مجيد فلوح

1

تذكرني صورة الطفلة في غزة في فلسطين، صورة الفتاة التي تركب السيارة تحت الركام، البُنَية التي تزف عيناها الفرح، وابتسامتها تنبض بالسرور، تلك الجميلة التي لم تستطع قنابل المحتل أن تنال من سعادتها، ولم يمنعها الركام والغبار من صناعة ألعابها، ولم يتسرب الخوف إلى فؤادها..
يذكرني ذلك الوجه الملائكي بالطفولة التي كنا نقلد فيها الكبار..
الطفولة التي كنا نعيش لحظاتها بمعزل عن الماضي وباستقلالية عن المستقبل، كنا نعيش الدقيقة بالدقيقة والثانية بأختها، نفرح لأقل سبب، ثم نحزن الساعة التي تليها لسبب مماثل..
كانت تستشكل علىي العقد النفسية التي تميز الكبار، الآن أقترح أن يدرج في حقل العلاج النفسي جلسات الحوار مع الطفولة، مع البراءة، مع الاستقلالية التي يعيشها الطفل عن التدخلات الموضوعية..
خرجت في صباحات الطفولة أراقص الفراشات، كسوتي فستان أبيض عليه ألوان الصيف، وزهور الربيع، وثوبه كريش خفيف على جناح طير الحسون الجميل، وحذائي الصيفي بتموجات الحناء الجميلة..
لم تكن امتحانات المدرسة آنذاك تدخل علينا الهم كما تفعل الآن، والنجاحات كانت تدخل علينا سرورا خالصا، أقصد سرورا بالنجاح نفسه لا بالأبواب التي سيفتحها في المستقبل، أو بما سيذره علينا من أرباح، فرح خالص بالنجاح..
أعماني الفرح بفستاني الجديد، والفرح بالنجاح عن العالم من حولي، عن الشارع الكبير الذي أجتازه يوميا للوصول إلى المدرسة، عن قطار السيارات التي لا تتوقف والذي يحذرني والديَّ في كل خروج من البيت من غدره..
تفلتت اليقظة من بين يدي عقلي الصغير، وبقيت تلك العادة المتجذرة في خبايا الطفولة الغامضة، عادة تقليد الكبار..
أخذ أبي بيدي أكثر من مرة، يعلمني كيف أراود ثعبان الطريق الكبير، كيف أناوره، غرس فيَّ كل أدوات الاستشعار..
لكنها انطفأت في لحظة، وقررت تقليد ذلك الرجل الكبير الذي كان يعزم على اجتياز الطريق، لم أعد ألتفت يمنة ويسرة، فقط أنتظر أن أجتاز في اللحظة التي يجتاز من أقلده..
لم ألتفت أيضا إلى المسافة الكبيرة التي كانت تفرق بيني بينه، انطلق ثم انطلقت من بعده، ثم وقع المحذور..
وقفت على رجليَّ بسرعة، ثم أخذت أشكل المشهد، وأضع أجزاء الفسيفساء في أماكنها، حتى تكتمل الصورة..
أَقبل الناس عليَّ كما تقبل أفواج النمل على حبات السكر، كنت أستبقل كلماتهم كما يستقبل الراديو الذبذبات المشوشة، بعضها يحثني على البقاء في موضعي لا أتحرك، وبعضها يسألني عن حالي، وبعضها يهجم على رجل خمسيني على وجهه لحية خفيفة يتخللها بياض الشيب الوقور، تَلَوَّنَ وجهه بالصفرة، وتصبب جبينه بالعرق، وامتص وجهه حذقات عينيه من الفزع..
أدركتُ أنه سائق سيارة الأجرة الحمراء التي ضربتني على حين غرة..
وأخيرا ظهر وجه مألوف، جارتنا العزيزة نوال، التي أطلت على الحادثة من شرفتها، وخرجت مسرعة تحمل قلبها على كفها، وهمُّها همَّين، همُّ إصابتي وهم والدتي..
والدتي المريضة؛ التي لا تحملها رجلها، التي أنهكها المرض إلى الحد الذي لم يبق لها متسع لمزيد..
كانت خالتي نوال كما كنت أناديها أم صديقاتي اللواتي كنا نعتز بصحبة بعضنا لبعض، ولذلك كان لي في قلبها مكان معتبر، وكذلك كنت في قلب خالتي أمينة جارتنا الثانية التي خرجت وفي يدها العجين، وبعض الدراهم للاستعمال عند الحاجة..
لم تستطع كل من نوال وأمينة إخبار والدتي، اتصلوا بأزواجهم لإخبار والدي..
وصل الخبر إلى والدتي من جارة ثالثة، جعلها تتدحرج من الفزع فوق دروج العمارة، استعملت كل مقدراتها..
وصل في لحظة واحدة أمي وأبي والشرطة، انتزعت يدي من يد الشرطي، وانطلقت أركض إلى حضن الوالد لأشعر بالاطمئنان..
غادر الهم الذي كان يسكن الجيران إلى والدي، كأنهم تحملوا ثقلا وحان وقت وضعه..
أخبرني أبي أن كثيرا من الجيران اتصلوا به، وأنهم أخبروه أنني تعرضت لحادثة مميتة، وأن ضربة السيارة رمتني في السماء، وفعلت بي كما يفعل لاعبوا الجمباز بأنفسهم، غير أني وقعت على ظهري بدل أن أقف على رجلي..
تركني الناس واجتمعوا على والدي، وتركهم وأقبل عليَّ، وأخذ يفتش كل جزء مني، كل ذرة من بدني، بل كل نفس يصدر من رئتي..
أخبرني أن رؤيتي نزلت على قلبه بردا وسلاما، وأعادته إلى موضعه بعدما ظن أنه فقده إلى الأبد..
جاءه سائق الأجرة يعتذر ويعتذر ويعتذر، حملني إلى المستشفى، وبعدما صرحت الصور بالسلامة، رفع والدي عن السائق الملامة..
وأغربُ ما في القصة، ومحفِّز الحكي فيها هو أنني كنت منتشيةً بذلك الاهتمام الذي اخْتُصِصْتُ به، بذلك العرش الذي أجلسني عليه الجميع..
واليوم أيضا تصاحب تلك النشوة هذه الذكريات..
ويذكرني ذلك الإحساس بجمال الطفولة..

تعليق 1
  1. م.بوغابة يقول

    زادكم الله من عطاءه وفضله سيدي عبد المجيد امتعتنا بالقصة الجميلة المعبرة بارك الله فيكم و سدد خطاكم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.