منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(2) الطفل الذي كان

محمد أكزناي / (2) الطفل الذي كان

0

(2) الطفل الذي كان

بقلم : محمد أكزناي

تقرر أن يكون مسار أول مدرسة لعبد الله طويلا تحفه المخاوف، بدء من كلب الجيران مرورا بكلاب الحي الصغير الذي يتوسط الطريق، دون أن ينسى أولائك المجانين الذين يظهرون فجأة، وفي أوقات وأماكن غير متوقعة..
كان عبد الله يحتمي بوالده كلما حل الخوف كان رفاقه الأربعة لا يبالون بالأمر بل يستمتعون بمشاكسة الكلاب والهزء بالمجانين! فهم عكس عبد الله عاشوا حياة قروية مشاكسة منذ خطوا خطوتهم الأولى، مارسوا الرعي وطاردوا الأرانب والحجل وتجولوا في الغابة وتسلقوا الجبال، كل ذلك وهم لم يصلوا ربيعهم السابع بعد، بينما كان عبد الله ملازما البيت بين كتب والده، لا يعلم عن الخارج إلا النزر اليسير مما يراه قرب بيته أو يسمعه من والده، فضلا عن كونه أصغر من رفاقه بسنتين على الأقل.
تنطلق رحلة الدراسة كل صباح من أمام منزل عبد الله حيث يلحق الآخرون بأستاذهم وابنه، ويمر مسارها من روضة تشابكت بها شجيرات الضرو (تسمى أيضا البطمية أو البطم العدسي)، ولعل المكان كما يتذكر عبد الله – مما سمعه قديما- اتخذ في وقت ما مقبرة، ودفن به موتى بعض المعارك التي دارت بين المداشر القريبة..
هذا المكان كان في ذهن عبد الله محاطا بالرهبة لما يحكى عن تاريخه القديم، ولما يسمع عن كونه مستراحا لمهربي المخدرات خاصة ليلا..
المزيد من المشاركات
1 من 51
يتذكر عبد الله قوافلهم زمن ثمانينيات القرن العشرين قبل شق الطرق إلى القرية وقبل قدوم الكهرباء، كان يراهم كل يوم تقريبا، يبدأ مرورهم من القرية قبيل غروب الشمس بقليل، ويستمر إلى وقت متأخر من الليل. وقتها كان ينظر متوجسا إلى البغال الضخمة العالية وهي تمشي كأنها تعدو، وقد حُملت بأكياس زرقاء كبيرة، وخلفها وأمامها أصحابها وقد تسلحوا بالهراوات والسيوف، والبنادق أحيانا. كما لم يكن مستغربا أن يمر اثنان من دون بغال، وقد وضع كل منهما على ظهره كيسا أزرقا كبيرا، وهذان مألوفان لأبناء المدشر يجاذبهما بعض كبار السن الحديث، ويمازح بعضهم بعضا، وربما أخرج أحدهما من حمولته شيئا قليلا من أوراق (الطابة) وأهداها لمحدثيه أو باعها لهم..
وأوراق الطابة هاته يعرفها عبد الله جيدا فقد كانت مألوفة في مجلس المساء حين يضع عمه بين قدميه قدحا من التراب – لو كان انسانا لوصفتَه بالقزم البدين ذو الفم الواسع العريض – وقد عرف القدح في اللسان الدارج بغراف الطابة..
يضعه عمه بين قدميه ويفت فيه أوراق الطابة اليابسة ثم يفركها ويحكها بهراوة مخصصة لذلك حتى تصير مسحوقا صالحا للاستنشاق.
لم يكن في طريق المدرسة محطة استثنائية أخرى غير الروضة التي أخذت بذاكرة عبد الله لتذكر مهربي الحشيش والمخدرات، وجلسة عمه أمام (غراف الطابة) لكن مسار رحلته في ذاكرة الطفل الذي كان لا زال مستمرا…

 يتبع…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.