منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(3) الطفل الذي كان

محمد أكزناي /(3) الطفل الذي كان

0

(3) الطفل الذي كان

محمد اكزناي

المسار الطويل إلى المدرسة كان يستغرق من عبد الله ورفاقه ساعة ذهابا وساعة ايابا يقطعونها مشيا على الأقدام، لا يحول بينهم وبين ذلك مطر الثمانينات الغزير، ولا الرياح العاتية، ولا الأوحال التي تثقل أقدامهم.

كان المشوار في عامهم الأول يضم الى جانب عبد الله وأبيه أربعة رفاق، كان الأستاذ يلوذ في الطريق بالقرآن الكريم تارة يستظهره ويكرره من حفظه، وأخرى يراجعه من مصحفه الصغير الذي لا يفارقه.

عبد الله هو التلميذ الأصغر بين المجموعة ورفيقه علي ذو الشعر المجعد والعينان الخضراوان، هو الأكبر والأطول في الخماسي الذي يتشارك التنقل من قرية إلى أخرى من أجل الدراسة، وكبر علي جعله المسؤول الأول عن حمل حافظ الأطعمة وحافظ الشاي، وقد كان الأستاذ يحرص على اصطحاب وجبة غذاء كاملة لا ينقصها الشاي الذي يعد مشروبا ملازما لكل وجبة، ونقل الحمولة الغذائية بأمان اقتضى اختيار علي لحملها بسبب كبره ونضجه مقارنة بباقي زملائه.

المزيد من المشاركات
1 من 51

ومن ضمن تلاميذ المجموعة يوسف المشاكس الذي يخرج عن النص في غالب الأحيان ويثير المشاكل، فهو مستعد في كل آن للعراك واستعراض قوته الجسمانية، وكثيرا ما أدت المنازعات بينه وبين علي إلى تكسير حافظ الأطعمة وحرمان الجميع من وجبة غذاء دافئة في شتاء قاس. وقد كان شقيقه سعيد نقيضا له فهو ولد هادئ صامت. أما آخر الخمسة عبد الرحمن فكان ظريفا ماكرا وكان رفيق عبد الله في مشوار الطريق، وبعدها في مشوار الدراسة الطويل..

كان أبو عبد الرحمن – خال عبد الله – رجلا شغوفا بالحكايات والأساطير الشعبية، يقضي جزء من الليل الطويل يقص على بناته وبنيه حكاية من التراث الشعبي بسجعها وزجلها وهو لا يعرف القراءة والكتابة، ولم يكن ابنه عبد الرحمن يفوت كلمة من سرد والده الطويل، فإذا انطلق المشوار صباحا من أمام بيت عبد الله، انطلق عبد الرحمن ساردا ما حفظه من والده، وأحيانا تكون الحكاية بطول الطريق جيئة وذهابا، بلسان دارج مسجوع، مع ما فيها من الطرافة والغرابة، ومن الفكاهة والمكر..

كانت تلك الحكايات الشعبية متنوعة وثرية، وشكلت في شخصية عبد الله منذ طفولته المبكرة ميلا للسرد وشغفا بالقصة والرواية، ولم يكن يكتفي بمتعة الاستماع ويصر على والده أثناء مجالسته في البيت أن يقص عليه غرائب القصص والبطولات…

هذه الأقاصيص المتنوعة والمختلفة كانت تصاحب عبد الله، وتنتقل معه من سرد في الواقع إلى حدث في الأحلام فيبيت مسافرا على بساط الريح، أو مطاردا من الأشرار، أو غازيا في بلاد الكفار.. يتبع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.