منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(4) الطفل الذي كان

محمد أكزناي / (4) الطفل الذي كان

0

(4) الطفل الذي كان

محمد أكزناي

كان صباحا باردا من صباحات نونبر، رياح الشرقي فيه شديدة عاتية وباردة جدا، تجمع الجمعُ عند منزل الأستاذ استعدادا للمسير المعتاد نحو المدرسة.

خرج عبد الله تثقله الملابس التي تزن أكثرَ منه، وبجانبه والده بجلبابه الصوفي، كان الأربعة الآخرون ينتظرون، يضعون محافظهم على ظهورهم وينتعلون أحذية مطاطية طويلة تحسبا لنزول المطر. سلم الأستاذ لعلي (قفة) وضع بها حافظي الشاي والأطعمة، وانطلق الصِبْيةُ يحثون الخطى ليبتعدوا أكثر عن أستاذهم – الذي افتتح حزبا قرآنيا- كي يجدوا راحتهم في الحكي والشغب..

كان عبدُ الله يجاور سعيدا وعبدَ الرحمن الذي اختار اليوم أن يمتحنهما بالألغاز التي امتحنه بها واخوتَه والدهم في الليلة الماضية: “سالتك عگوزة مكمشة غلبت السلطان فالعشا“ ويهيم الاثنان في بحار التوقع، بحثا عن الجواب الصحيح، وعبد الرحمن يلقي لغزا تلو لغز، وهما يصران أن يتمهل قبل أن يبوح بالجواب.. و غير بعيد عن الثلاثي يمشي يوسف وعلي، يبدو بينهما كلام لا يبعث على الطمأنينة، تتعالى أصواتهما فجأة، وترتفع يداهما، وحين يبوح عبد الرحمن بحل اللغز لرفيقيه قائلا: “الفلفلة.. الفلفلة حارة” يضيع جوابه مع صدى ارتطام قوي على الأرض، لقد دفع يوسف عليا بعنف فأوقعه، وتدحرج حافظ الشاي خارج القفة، وتكسر حافظ الأطعمة بداخلها وتناثر الطعام والمرق على الأرض، وضاع على المجموعة غذاؤها..!! أسرع الأستاذ يفض الاشتباك، وفقد عبد الله وعبد الرحمن وسعيد متعتهم وابتهاجهم بحل الألغاز، وطاطأ عليٌ رأسه خجلا وحياءً من أستاذه، أما يوسف فقد أرغى وأزبد، وسب وشتم، وأطلق ساقيه للريح عائدا إلى بيته.

المزيد من المشاركات
1 من 51

يسترجع عبد الله ببسمة واضحة مثل هاته الوقائع التي تكرر حدوثها أكثر من مرة، فقد عاش يوسف حياته متنقلا من شغب إلى شغب، وواقعا في مشكلة تلو أخرى، وحكمت عليه الحياة بعدها أن يعاني مرارها وكأن أحداث الطفولة تنبأ بما سيكون عليه المرء في مستقبل أيامه.. أما علي فلم يكن تكليفه بحمل طعام الغذاء راجعا لطوله فحسب، وإنما لكبر سنه ونضجه مقارنة برفاقه، إذ التحق بالمدرسة متأخرا، لعله دخل عامه العاشر وقتها، وكان يجيد ما يجيده كبار القرية وشبابها فهو يستطيع أن يحرث الأرض ويحصد الحصاد، ويقوم بأعمال الكبار، إلا أن مشاغبات يوسف كانت تخرجه عن طوره وتوقظ الطفل داخله.

ومنذ العام الأول، منذ بدء عبد الرحمن بقص ما سمعه من حكايات والده الشعبية وألغازه، وبدء عبد الله بالكلام عن بطولات وأمجاد سمعها أيضا من والده، واصرار سعيد على مرافقتهما والانضمام إليهما بدء هذا الثلاثي في انشاء ترابط مختلف عن الذي يربط المجموعة ككل، وبدأت تتوطد روابط صداقة ممتدة في الزمن باختيار أصحابها الذين ربطتهم القرابة دون اختيار… سيتعلمون معا معنى الصداقة، ومعنى السر واخفائه، وسيعلقون بأشياء ويهربون أخرى.. سيصادقون ويخاصمون ويعشقون ويكرهون وسيتعاونون معا على كتابة أول رسالة حب بعد حين…

يتبع..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.