منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(1) الطفل الذي كان

محمد أكزناي / (1) الطفل الذي كان

0

(1) الطفل الذي كان

بقلم: محمد أكزناي

الطفولة مرحلة مؤثرة من مشوار الحياة الطويل أو القصير، يستعجل الصغير أن يكبر بسرعة حتى يتجاوزها، فإذا حدث وكبر حن إليها كما لا يحن إلى سواها…
هذه حقيقة من حقائق الحياة التي تستبد بأفكار عبد الله كلما تذكر أو ذُكر، ولا يرى أن غيره يختلف عنه في هذا الجانب، خاصة من بني جيله الذين عاشوا طفولتهم في ثمانينيات القرن العشرين، وبشكل أخص أبناء البوادي…
يركب عبد الله قطار الزمن، ويتنقل عبر ذاكرته ليعيش مرة أخرى بعض الفلتات التي تجود بها الذاكرة عن الزمن الجميل…
كان والده معلما وعاشقا للكتب وحاملا لكتاب الله، وتربى عبد الله بين كتب والده ومجلاته، يقلب صفحاتها ويستمتع بمشاهدة الصور قبل اكتشاف الحرف..
وجاء موعد اكتشاف المدرسة في مطلع فصل الخريف وقد تعرت الأشجار من أوراقها، وتصاعد إلى السماء هنا وهنالك دخان من حرائق ما تبقى من القش وقد أشعله الفلاحون للتخلص منه بعد أن أكلت بهائمهم ما فيه من حبات الفول وغيرها.
مدشر عبد الله لا توجد به مدرسة وعليه ورفاقه الذين لا يجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة التنقل لما يزيد عن الكيلومترين من أجل تدشين مدرسة فرعية جديدة بنيت في مدشر مجاور..
الطريق طويل وعبد الله يستشعر الحماسة ويسبق الجميع، يتقدم المجموعة التي ترأسها والده – معلمهم الأول- ويعدو لم يلتفت وراءه حتى بدت بضع منازل أسقفها من الزنك والقش فجلس على حجر ينتظر البقية، لم يُجلسه شيء غير توقعه وجود كلاب قرب تلك البيوت، وقد كان أخوفُ ما يخافه في صباه الكلاب والمجانين..
أما الكلاب فبسبب كلب جارهم الذي يكاد يكون قاطع طريق، لا يقدر صغير أو كبير أن يمر أمام البيت دون أن يشاكسه ويناوشه، وكان لابد لعبور الطريق أن تتسلح بالعصي والحجارة، وكان هذا الكلب الشرس قاطع الطريق كلما رمي بحجر تبع الحجر حتى يقف على موضع وقوعه على الأرض ثم يعود لمطاردة الرامي، فكانوا يعمدون إلى رمي الحجارة أطول مسافة ممكنة حتى يبتعد خلفها ويطلقون سيقانهم للريح، ومع ذلك كم من شخص ختمه بأسنانه عضا أو مزق سرواله إن لم يظفر بجلده، وعبد الله نفسه لم يفلت من عضة كلب الجيران بعد أن دخل المدرسة بسنوات..
وأما المجانين فسيعرفهم بعد تنقله للدراسة في المدشر المجاور وسيرى اثنان منهم بشكل يومي، أحدهما يمضي جيئة وذهابا وهو لا يكف عن ضرب فخذه بكفه، يضرب بالكف الأيمن فخذه الأيمن، فإذا تعب ضرب فخذه الأيسر بكفه الأيسر وهكذا…
لحق الرفاق بعبد الله وتواصل المسير حتى بلغوا المدرسة، لم تكن سوى بناء من غرفة واحدة معزولة في ساحة كبيرة، علقت السبورة على حائطها وصفت فيها الطاولات، وهنالك التحق بهم – أو سبقهم وكان في انتظارهم بعبارة أدق – تلاميذ وتلميذات من مدشر المدرسة، جميعهم يلجون المدرسة لأول مرة في مدرسة تفتح أبوابها لأول مرة كذلك وقد بلغ عددهم أربعين تلميذا وتلميذة يزيدون قليلا أو ينقصون قليلا، وجلسوا وقد ضمت كل طاولة ثلاث تلاميذ…
يتبع..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.