منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لا تكن كصاحب المهَرّج (خطبة)

بنسالم باهشام

0

عباد الله، فرصة هذه السنة ستنتهي بعد أيام قليلة، ورمضان لم يبق منه إلا أياما تعد على رؤوس الأصابع، وهذه آخر جمعة منه، فماذا ربحتم في هذا السوق وماذا خسرتم، حاسبوا أنفسكم بجد قبل فوات الأوان، فالفرصة باقية وسانحة، وأفيقوا من غفلتكم لتتداركوا موقفكم قبل أن ينفض السوق ويتفرق الجمع.

عباد الله، إذا كانت الأسواق تعرض فيها السلع، والرابح فيها من حقق مراده؛ إما ببيع معروضاته فيربح، أو بشراء حاجياته فيفوز، أما الخاسر، فهو الذي ضيع ماله في التفاهات، أو دخل السوق بعدما انفض، فلم يشتر ولم يبع، بل دخل السوق برأسمال، وخرج منه خالي الوفاض، والأسواق أنواع، هناك السوق الأسبوعي، وهناك السوق السنوي، الذي يعد له بشهور، وهذا مثال محسوس من الخاسرين، والكيس من اتعظ بغيره.

ذهب رجل مسكين إلى السوق ليشتري طعامًا له ولأهله؛ فلم يكن في بيته كسرة خبز واحدة! فجمع كل ما في بيته من المال، وتوجه نحو السوق، ودموعه تبلل لحيته رحمةً بأولاده وزوجه الذين كانوا يتضوَّرون جوعًا، وظل صوت صراخهم يتردد في أذنيه، يصحبه طوال مسيرِه إلى السوق!

فلما اقترب من السوق سمع على بابه صياحًا وجلبة، فنظر نحو الصوت، فإذا أناسٌ ملتفون في حلقة كبيرة حول (مهرج) قد بلغ الغاية من المهارة في تنفيذ الخدع البصرية، والألعاب البهلوانية!

فشد انتباه صاحبنا ما يصنعه المهرج، فقال في نفسه: أقف برهة أشاهد ما يشاهده الناس.

المزيد من المشاركات
1 من 14

أما المهرج، فلم يكن ينتهي من خدعة إلا ويشوّق الحضور إلى التي تليها، وهم يصيحون به ويهتفون، يريدون مزيدًا ومزيدًا!

وغلامُه يطوف بينهم بكيس له، يطلب منهم أن يضعوا فيه قليلًا من المال؛ تشجيعًا للمهرج ودعمًا له، وهذا شرطه لينفذ لهم ما أرادوا من الخدع والألعاب!

فوضع صاحبُنا في الكيس شيئًا يسيرًا من المال، وهو منتبه بجميع حواسّه للمهرج، مأخوذ بما يفعله!

مضت ساعات النهار، وأوشكت شمسه تغيب، والمهرج ماضٍ في خدعه وقفزاته..

وغلامه يطوف بكيسه على الحضور بين الحين والآخر، وصاحبنا يهتف مع الناس يطلب مزيدًا ومزيدًا ومزيدًا.. إلى أن عضَّه الجوع، وكاد يفتك به، فتذكر أهلَه الذين تركهم جوعى، فهرول يدخل السوق، فإذا به قد انفضَّ، وقد جمع البائعون متاعهم، وغادروه قبل قليل، ولن يعودوا إلا في العام القادم؛ فهذا السوق لا يقام إلا يومًا واحدًا كلَّ عام!

كم كانت صدمته قاسية! وفجيعته قاصمة! فلا هو جلب الطعام لأهله، ولا هو عاد بالمال الذي ذهب به، ولا هو أنفقه في شيء نافع، ولا يدري كيف سيعود لأهله، ولا ما يقوله لهم!

عباد الله، أتعلمون مَن يكون هذا الرجل المسكين؟! إنه أنا.. وأنت.. وهو.. وهي.. وإنما ضربتُ به المَثَل للتقريب، لأن بالمثال يتضح المقال.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 53

▪ أما السوق فإنه (رمضان) الذي جعله الله تعالى مرة في السنة.

▪ وأما الغذاء الذي في السوق فإنه غذاء القلوب والأرواح من التقوى، والإيمان، والذكر، والعمل الصالح. ومن المعروضات في هذا السوق، صلاة التراويح، التي هي قيام رمضان، وسبب لمغفرة الذنوب، وتكفير السيئات، روى البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) [رواه البخاري (37)، ومسلم (759)].

ومن المعروضات: صوم رمضان، الذي هو سبب لمغفرة الذنوب، وتكفير السيئات، روى البخاري، ومسلم،عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) [رواه البخاري (38)، ومسلم (760).].

ومن المعروضات: تكفير السيئات، فرمضان إلى رمضان مكفر لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر: روى مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر) [رواه مسلم (233).]

والصوم جزاؤه لا حد له: عن أبي هريرة رضي الله عنه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (…الصيام لي, وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها) رواه البخاري (1894)، ومسلم (1151)، ومضاعفة الأجر في شهر رمضان، ومعرفة الثواب الجزيل، يبعث في النفوس الرغبة والعزم على فعل الخيرات، وممارسة الطاعات, ويحميها من الضعف والخور والمعصية.

▪ وأما المهرج في قصتنا فإنها لصوص رمضان من البرامج والمباريات، والمسلسَلات المسلسِلات، ومواقع التواصل الاجتماعي ذات المنشورات والإعجابات والمتابعات والمحادثات، والأسمار في السهرات، والألعاب الإليكترونية، والمنازعات الفكرية، والمناقشات الجدلية التي لا طائل من ورائها ولا خير يُرتجَى منها!

▪ وأما المال، فإنه الأوقات التي ننفقها في متابعة اللصوص الذين يسرقون منا رمضان، وندفع لهم مختارين! والله تعالى يقول في محكم كتابه من سورة المائدة ﴿ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ﴾ الآية 49.

عباد الله، استفيقوا من غفلتكم، وأحسِنوا فيما بقي من رمضان، يُغفَر لكم ما قد مضى.

عباد الله، إن الله عز وجل منَّ على المسلمين بمواسم خير، كشهر رمضان، فهو سوق سنوي، معروضاته هي فعل الخيرات، يُضاعف الله في أيامه الثواب والأجر، وتُكفّر فيها السيئات والأوزار؛ فحريٌّ بنا أن نغتنم ما تبقى من أيامه ولياليه في الطاعات، وكثرة العبادة، والرجوع إلى الله.

عباد الله، إن رمضان أيامًا معدودات، يقول تعالى في سورة البقرة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) [البقرة: 183، 184]، وهذا التعبير (أياماً معدودات)، يشعرنا بسرعة رحيل تلك الأيام، ليكون في ذلك حثًا لنا على اغتنام أيام رمضان، واستغلال كل لحظة فيها في طاعة أو عبادة من صلاة وصيام وقيام وتلاوة القرآن، والأمر يحتاج إلى بصيرة، بحيث نتدرب على معرفة قيمة اللحظات، وسرعة مرورها. وتلك الأيام المعدودات تذكرة لنا بأن مكوثنا في هذه الدار الدنيا محدود بمدة وزمن إذا انقضى فلا رجوع.

عباد الله، اعمروا أوقات ما تبقى من هذا الشهر الفاضل بالذكر والقراءة والصلاة، وتعرضوا فيها لنفحات المولى بكثرة الدعوات، وكثرة الإحسان إلى الخلق والعفو عنهم، فإن الله يحب المحسنين، ويحب العفو عن المسيئين، وجودوا على الفقراء في هذا الشهر بالزكاة والصدقات، فإن الله جواد يحب الجود، ولقد كان نبينا – صلى الله عليه وسلم- أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن، فلرسول الله – صلى الله عليه وسلم- أجود بالخير من الريح المرسلة، ولا تحقرُنَّ من المعروف شيئاً، واتقوا النار ولو بشق تمرة ، فإن الرجل ليتصدق بعدل تمرة من كسب طيب، فيربيها الله له حتى تكون مثل الجبل.

عباد الله، لئن كان حفظُ الوقتِ مطلوباً في كل حين وآن، فلهو أولى وأحرى بالحفظ في الأزمنة المباركة, ولئن كان التفريطُ في الوقت وإضاعتُه قبحاً في كل زمان، فإن قبح ذلك يشتد في المواسم الفاضلة، ومن الناس مَنْ قَلَّ نصيبه من التوفيق، فلا تراه يلقي بالاً لحكمة الصوم ولا لفضله، فحقيق على هؤلاء المُفرِّطين المضيعين أوقاتَهم أن يتنبهوا لأسرار الصيام، وأن يغتنموا مدرستَه العظيمة؛ ليجنوا ثمارَه الصحيحةَ، ويستمدوا منه قوةَ الروح؛ فيكون نهارُهم نشاطاً وإنتاجاً وإتقاناً، وتعاوناً على البر والتقوى، ويكون ليلُهم تهجداً وتلاوةً لكتاب ربهم، ومحاسبةً لأنفسهم على ضوئه؛ يحببون الله إلى الناس بالنهار، ويحببون الناس إلى الله بالليل، ليخرجوا من مدرسة الصيام مفلحين فائزين.

فاللهم رُدّ بنا ردا جميلا، واجعلنا ممن يدرك ليلة القدر، واجعلنا ممن يعرف للوقت حقه، وصلى الله وسلم على من أرسلته رحمة للعالمين.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.