منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مصطلح الشرق، بين جدلية المنهج وابيستيمولوجيا الدلالة المعرفية

د. مكي سعد الله

0

نشر هذا المقال بمجلة ذخائر العدد السابع

ملخص:

تروم هذه الورقة البحثية إلى تفكيك إشكالية مصطلح “الشرق” في المنظومة الفكرية الغربية ومركزيتها المعرفية، التي استندت في تشكيل صورة “الشرق ” وفق رؤى متحيِّزة ومشوَّشة، نتيجة الانتماءات الأيديولوجية المتطرفة، أو اعتمادًا على مصادر ضعيفة وغير موثوقة.

فقد أنتجت المرويات الكبرى ومصنفات الفكر الاستشراقي وأدبياته وأطروحات الرحالة الغربيين نحو “الشرق” صورًا نمطية مُتخيَّلة، لا ترتبط بالحقيقة والواقع والبحث العلمي الموضوعي، وإنما تستجيب لصورولوجيا وهمية وعاطفية تكشف عن نوازع وجدانية موجهة.

كما يكشف البحث عن مفهوم المنهج الجدلي في مقاربة الظاهرة الفكرية والمعرفية ودوره في تأويل الآثار المفتوحة والقضايا المركزية المشكلة لعلاقة الأنا بالآخر، وبصناعة المثاقفة الندية، وبناء الرؤية الموضوعية لثقافة الاختلاف والغيرية.

المزيد من المشاركات
1 من 36

الكلمات المفتاحية: الشرق – الغرب – الجدلية – الأنا والآخر – الاستشراق.

قراءة وتنزيل البحث بصيغة pdf

Abstract:

This piece of research aims to dismantle the problematic related issues to the concept “east” in the western intellectual system besides to its epistemological centrality. The western intellectual system has shaped an image of “east” regarding biased and distorted visions owing to extremist ideological affiliations and weak and unreliable sources.

Several resources such as narratives, works of orientalist thought, the ideas of western travellers towards the “east” produced imaginative stereotypes that are not related to truth, reality, and objective scientific research. Rather they respond to imaginary and emotional imagology that reveals directed sentimental impulses.

This paper also reveals the concept of the dialectical method in the approach of the intellectual and epistemological phenomena. Besides, it tackles its role in the interpretation of open effects and central issues that shape the relationship of the ego to the other. It also drives at making peer acculturation as well as building an objective view of difference’s and altruism’s culture.

Key words: east, west, controversy, ego, other, orientalism, stereotypes.

 

مدخل:

من السمات الثقافية المميزة للفكر الأوروبي عامة والمركزية الغربية خاصة ازدواجية الرؤية وثنائية التصوُّر لجدلية مفهومي الشرق والغرب، فبين أوهام النخبة وتشظي الانتلجنسيا وتطرف رجال الكهنوت تأسَّست فلسفة الصراع والصدام بين القطبين، وكانت ساحة البحوث الأكاديمية عامة والدراسات الاستشراقية خاصة أول ميادين النزال والمقارعة.

لقد تأسس مفهوم الغرب للشرق مقترنًا بالمصطلح في حاضنة أيديولوجية مركزية، منفتحة على أوعية أنثربولوجية، اختزلت المعادلة التواصلية والتفاعلية في صراع القطبيْن التصنيفييْن، المركز والهامش، فارتبط الأول بالعقلانية والإنسانية، واتُّهِم الثاني بالدونية مجسدتيْن في صفتيْن متلازمتيْن هما: الوحشية والبربرية، بحيث يتحوَّل التطرف التصنيفي إلى استغلال العلوم والبيولوجيا لتحقيق تراتبية إنثربولوجية بين الشعوب والأعراق وتحديد القوميات المُتحضِّرة ونصف المُتحضرة والمقصية من الحضارة وبقائها ضمن البربرية والوحشية، فإذا كان العرق الأبيض نوعًا بشريا لا يُثير جدلا وإشكالية حول قيادته للحضارة بحكم لونه، الذي يمنحه القوة والقدرة والكفاءة فإن « وعلى جانب هذه الحقيقة (تفوُّق الرجل الأبيض) توجد حقيقة العرق الأصفر،المُهاجم والمُنتصر القابع وسط الأمم البيضاء…وهذا ما جعله في وسط التاريخ فهو في نصف متحضر وله القابلية للتحضر، على عكس النوع الزنجي الذي فضل الانعزال   عن الأسرة المتحضرة فبقي غارقًا في عطالة عميقة »([1])

كانت فلسفة التنميط وبلاغة الصورة الذهنية المُتخيَّلة السند المركزي والجوهري للتقعيد لنظريات التفوق العرقي والإثني والثقافي والحضاري التي كرَّست بفضل المرويات الكبرى وحركات الرحلة نحو الشرق ثقافة التفوُّق المعرفي والعرقي للرجل الأبيض ومحدودية “الآخر/المُختلف” في تلقِّي الحضارة والمدنيَّة وعدم قابليته واستعداده للتعايش والمثاقفة.

إن اختراع شرق ثقافي وديني وأيديولوجي مُوازٍ يُعتبر معادلاً موضوعيًا للفلسفة الغربية والوجود الأوروبي، ويُعد أولوية وضرورة حيوية لكينونة “الأنا” الغربية، فالتواجد يتبلور ضمن وجود عدوٍّ حقيقي أو وهمي مُتخيَّل.

وتلعب أسطورة العدو الافتراضي، الذي يتهدَّد الوجود ويتوَد “الأنا” بالنهاية، ويتخذ أشكالاً متعددة يتمظهر فيها ويتجسد من خلالها، ويرسم استراتيجياته للممانعة والتصدي والمنافسة مُتجاهلا النتائج السلبية المترتبة على عمليات العداء والإقصاء والتهميش.وتُجزم البحوث والدراسات المُنجزة في حقل الاستشراق وصورة “الشرق” على أن المِخيال كان المعيار الوحيد لصناعة  التمثُّلات وبنائها، فالخطاب المفاهيمي للشرق «لا يُمثِّل الشرق، ولن يُمثِّل مطلقًا بالنسبة للغرب غيرية حقيقية، إنه مجرد إسقاط ميتافيزيقي لغرابة الغرب نفسه »([2]).

لقد مثَّل الشرق بالنسبة للسردية الغربية كتابة الرغبة (l’écriture du désir) التي تحقق لذة معرفية وروحية، تجعل من الشرق وعاءً لاحتواء الرغبات الغربية عامة والأوروبية خاصة، المادية منها والروحية، وتجلَّت المنفعية والبراغماتية المادية في الفكر الكولونيالي المُدعَّم بالقوة العسكرية، بينما انعكست المطامع المادية في حركات التبشير والحملات الصليبية والإسقاطات النفسية في تقييم الآخر/ المُختلف وتنميطه ضمن صور البربرية والوحشية والدونية وعدم القابلية للتحضُّر والتمدُّن« الشرق المتخيل هو طرف آخر، غير شرق ألف ليلة وليلة، إنه الشرق الذي أتى من الغرب وليس العكس»([3]). فكتابة الرغبة تشكيل ﻟـ “لآخر” وفق مرجعيات ذاتية مُوجَّهة ومُتحيِّزة وقد تكون مُنحرفة ومُتجاوزة لحدود وقواعد المنطق وضوابط العلم، بتوظيفها واستخدامها لآليات البحث العلمي ونتائج العلوم وتطويعها لخدمة المركزية وتكريس تمظهرات وتشكُّلات نمطية تثبت تراتبية حضارية بين “الأنا” و”الآخر” مانحة للرؤية المتعالية تسويغ استباحة هوية وثقافة “الآخر” تحت أقنعة نشر الحضارة والقيم الإنسانية السامية « ما هي الصورة؟ أي صورة غربية نريد أن نعرفها عن الشرق؟ هل هي رؤية شرقية؟ لا إنه شرق مِخيالنا الكبير، هذا الفضاء الذي تلتقي وتفترق فيه تصوراتنا الخاصة »([4]).

يسعى المتخيل الكولونيالي والمركزي والاستشراقي إلى صناعة “آخر” يتطابق مع الايدولوجيا الدافعة إلى التحيز والإقصاء، فيكون  المختلف معادلا موضوعيا لتصورات وهمية متخيلة من خلال الترويج لصور ومفاهيم وتصورات ومعتقدات ترتقي بحكم التداول والانتشار إلى مستويات الأحكام النهائية التي تترسخ في الوعي الجماعي فتصبح بديهية لا تقبل التعديل والتحوير، وتصبح مرجعا أكاديميا معتمد من الدوائر العلمية والبحثية.

لقد تمَّ توصيف العربي/البدوي مثلاً بأنه من مظاهر الخوف في القرن الثامن عشر « شعوب بدائية لا تعرف الزراعة ولا الصناعة، ولم يعرفوا أي تطور إنساني»([5]) فهم وفق النظرة الاستعلائية رمز للحيوانية والوحشية وهم بذلك يُشكِّلون مصدرًا للخوف الدائم لكل إنسان متحضِّر.

إن الصور المُعبَّر عنها في تشكيل هوية العربي /البدوي تستقي بُنيتها ومصادرها الدلالية بكل مصداقية وموثوقية من المصنفات التأسيسية للفكر الغربي القديم الذي وضع المبادئ الجوهرية لصورة “الآخر/ المختلف، فقد وصف الكونت بوفون ( الكونت دي بوفون)(Comte De Buffon)(1707-1788) البدو/ العرب سنة 1749، في كتابه الموسوم ( التاريخ الطبيعي للإنسان)( Histoire (Naturelle de l’homme في باب (أنواع الجنس الإنساني) (Variétés dans l’espèce humaine) إن البدو يشبهون قبائل الترتار المتوحشة، فهم «رجالُ عنفٍ وقساوةٍ»([6])، أما صفاتهم وأخلاقهم فهي أقرب إلى الوحشية أكثر منها إلى الإنسانية، إنهم يتصفون ب « السرقة والاختطاف واغتصاب الممتلكات، وهي ممارسات يُزكِّيها أشرافهم، ويفتخرون بالرذيلة وليس لهم احترام للفضيلة، ولا للمواثيق، إنهم لا يؤمنون إلاَّ بالعصبية والخرافة »([7]).

وترافق المظاهر السلبية صورة البدوي، فيتحول إلى رمز للعدوانية والجهل والقساوة والعصبية والنهب وما إليها من الصفات الدنيئة والمبتذلة، وتلعب إستراتيجية التحيُّز والإقصاء والاختزال في الترويج  لهذه الصور النمطية ونشرها ضمن نسق معرفي في معرفة “الآخر” وثقافة الاختلاف. وتتصدَّى في المقابل إلى تجاهل المقاربات المعاكسة،إما بالتشكيك في مصداقيتها أو بجعلها جزءا من ثقافة الهامش التي لا ترتقي إلى الأنساق الفكرية المركزية، ومن ذلك شهادة جون باتيست لابا المعروف بالأب لابا     (Jean-Baptiste Labat appelé Père Labat)  (1663-1738) حين كتب في مذكراته (Mémoires du chevalier d’Arvieux) وفي باب (أخلاق العرب) « نُخطئ خطأً جسيمًا حين نعتقد أن العرب، أشخاص غير مؤدبين، عنيفين، وحْشيين، خائنِين، ودون مشاعر»([8]).

لا يستند التصنيف بين الشرق والغرب إلى المعايير العلمية والمنطقية بقدر ما يستند إلى التوجهات البراغماتية للمؤرخين والسياسيين ومرجعياتهم العقائدية والأيديولوجية، إن صدمة المواجهة المُتخيَّلة قد سبقت في التأسيس والبناء المواجهة العسكرية الحقيقية، بتزكية وتوجيه كنسي حينًا وبدافع اقتصادي وتوسع سياسي في أحيان كثيرة، وقد وظَّفت المركزية الغربية مختلف الأجهزة لصناعة خطاب يبلور رؤيتها وأيديولوجيتها « أنتج هذا التصور الغربي للشرق في كثير من جوانبه مجموعة من البُنى المفهومية والنظرات والتصورات (التنميطية) ما زالت قائمة إلى يومنا هذا كمنطلق أساس في النظر إلى الآخر…لقد أنتج الوعي الغربي صورة نمطية سرمدية للشرق وللشرقي كونه متخلفًا ولا عقلانيًا وشهوانيًا تدفعه غرائزه للبحث عن النساء بدافع جنسي أينما حلَّ، فهو كائن ليس له مؤهلات نفسية وفكرية وثقافية « ([9]).

1- الجــــدلية: المفهوم والمنهج

اقترنَ مَفهومُ “الجَدَل” في المَعاجم العربيَّة بالمُناظرة والمُخاصمة ومُقابلة الحجَّة بالحجَّة([10]) ولا يَختلفُ المَعنى كثيرًا في الثَّقافة الغربيَّة، إذ يدلُّ مُصطلح الديالكتيك “Dialectique” عن «شكلٍ من أشكالٍ المعرفة فهو تقنيَّة للحوار أو فنُّ المناظرة »([11]) ويحمل المُصطلح معاني تبادل الكلام  والخِطاب بين طرفين أو أكثر، وَبعبارةٍ أخرى فهي « فنُّ المَنطق والبرهنة أو فنُّ الحوار وهو المعنى الأصلي للكلمة »([12]).

فالجَدَلُ والجَدَلَيَّةُ من المفاهيم والآليَّات الأكثر إثارةً وتوظيفًا وانتشارًا في الحُقول المعرفيَّة والفلسفيَّة والإنسانيَّة خاصَّةً، وقد تشبَّع المُصطلح بآراء الفلاسفة والمُفكرين وتمَّ شحنُه بمحمولاتٍ دلاليَّةٍ مختلفةٍ ومتنوعةٍ، حتى خَرَجَ عن هويَّته الأصليَّة، وشاعَ عند الباحثين للتعبير عن الصِراع الفكري والثقافي بين مُختلف الأفكار والآراء والأيديولوجيات، فهي عبارةٌ عن كلِّ فكرٍ أو رأيٍ أو طرحٍ أو تصوَّرٍ يأخذ بعين الاعتبار والاهتمام وبشكلٍ جذري الظواهر المُختلفة في مختلف تمظهراتها  وتجلياتها في حقول المعرفة المتنوِّعة، الاجتماعية والثقافيَّة والتاريخيَّة.

والاختلافُ المنهجي أرضيَّةٌ ومنهجٌ لعَرض الأطروحات المُختلفة، ومُقارعة الحُجَّة بالحُجَّة والقرينة بالقرينة بهدف الوصول إلى الحقيقة، حتى لا يكون الجَدَلُ اعتباطيًا وعديم الجدوى، فالرُّؤى والفرضيات واختلاف الطَرح يُثري الفكر والمنطق ويُوضِّح الدلالة والفكرة.

وسَوف لن نَخوض في المَعاني المُختلفة والدلالات الفلسفيَّة الكثيرة التي حمَلها المُصطلح عبر التاريخ وعبر مختلف المدارس والمذاهب والتيارات الفكريَّة والفلسفيَّة، بل سيكتفي البَحث بتوضيح دلالة استخدام المُصطلح وتوظيفه في البحث حتى نتمكن من إدراك المَفهوم في سياقه الطبيعي والعقلاني.

يُقصد بالجَدَليَّة المَنظومة الفكريَّة أو المنظومات التي احتوت المَفاهيم الأساسيَّة للبحث وحاوَلت تقديم مُختلف الرُّؤى والتَّصوُّرات في مُختلف الوضعيات والصوَّر ابتداءً من التَّقابل والتَّجانس إلى الصْدام والتَّناقض والتَّضاد، فمهما كانت الجدليَّة في روحها وقوتها فإنَّها لم تثبت عبر كلِّ مراحل التَّاريخ أنَّها أنهت صراعًا نهاية مطلقة، فهي كما ورد في أدبيات الفلسفَة اليونانيَّة؛ إنَّ ما يترتَّب على الجدليَّة هو الانتقال من مفاهيم إلى مفاهيم ومن قضايا إلى قضايا.

فأغلبُ الأفكار والإشكالات المُتجادل حَولها مازالت آثارها قائمةً إلى اليوم، ومنها مُصطلحي الأنا والآخر فهما من أكثر المفاهيم تداولاً وحضورًا في المَشهد الفكريّ المُعاصر بأبعَاده السوسيو- ثقافيَّة والأيديولوجبَّة، نظرًا لارتباطهما بالإنسان ومُكوِّناته الهوياتيَّة والوُجوديَّة.

وتطرحُ العلاقة بينهما نوعًا من الديالكتيك المتعدِّد والمتنوِّع من ناحيتيْ الشَّكل والمَوضوع، فمن ناحية الشَّكل يتجاذب المسألة حقولٌ معرفيَّةٌ متنوِّعةٌ ممَّا يفرض مقاربات عبرمناهجيَّة، تتقاطع مع ميادين فلسفيَّة وأنثربولوجيَّة وأيديولوجيَّة.

لقد كَشفت الأنساق الثَّقافيَّة وفتوحات العولمة عن آفاقٍ جديدةٍ في مسألة إشكاليَّة المغايرة والمثاقفة، ممَّا يدعو إلى الأخذ بالمعايير الجديدة في تفكيك المركزيات من أجل مشتركٍ إنسانيٍ.

وتشكَّل نظريَّة التمثيل “la représentation” أهمَّ آليَّة في رؤية الغرب للشرق أو الأنا للآخر، فحسب إدغار موران  Edgar Morin(1921) فإنَّ كلَّ تمثُّلٍ للواقع يمرُّ عبر إدراك، وهذا الإدراك هو خُلاصة مُخططات في الذاكرة (أفكارٌ ومرجعياتٌ) بالإضافة إلى أوهامٍ وتخيُّلاتٍ ذاتيَّةٍ وموضوعيَّةٍ يتمُّ إسقاطها على الواقع، فينتج تصوُّرًا جديدًا هو الواقع حسب التخيُّلات([13]).

فالشرق مُختلفٌ بيولوجيًا وثقافيًا وفضاءً جغرافيًا فيتمُّ تداوله عبر تخيُّلاتٍ وصوَّرٍ نمطيَّةٍ ومروياتٍ، تُساهم في إنتاج آخر وفيٍّ للنَّمطيَّة والتَّصوُّرات والتمثُّلاث أكثر من مطابقته للواقع.

وبحكم أنَّ الإنسان كائنٌ ثقافيٌ يستجيب للمُثيرات الذِّهنيَّة والأفكار والمَوروث، فقد يتشكَّل عن هذا التصوُّر ازدواجيَّةٌ وانفصامٌ في الرُّؤى التي تصنع وعي الذات بذاتها وبمن حولها، فالديالكتيك يَهدف إلى الكشف عن حقيقة صناعة الشرق وإبراز مُختلف المركزيات والمرجعيات المؤسسة لمختلف التصوُّرات والتمثُّلات في مرحلة أولى، ثم البحث في وظيفيَّة الخطاب التصويري.

  2- الشرق؛ إشكالية بناء المفهوم

قال الأصوليين ” لا مُشَاحَّة في الاصطلاح” ويقولُ تعالى في كتابه العَزيز: ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ  وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾([14]) وقالَ أيضًا : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾([15]).

تُشيرُ الآيتان الكريمتان وحكمة الأصوليين إلى قضيَّةٍ جوهريَّةٍ، تتعلَّق بدقّة المَفاهيم لجعل الفكرة أكثر وضوحًا وجلاءً وبُعدًا عن الالتباس وترسيخًا للتَّجانس والتَّناسق الدلالي، فالله سبحانه وتعالى فرَّق بين مفهومي الإيمان والإسلام وبين المُراعاة والنَّظر وهكذا في العديد من المُصطلحات التي حرص القرآن الكريم على تحديدها وضبطها تأصيلاً للمَعرفة وضمانًا للدَّلالة الدقيقة للمفاهيم والمُصطلحات حسب المُقتضيات والسياقات وسدًا لباب التَّأويلات والقراءات والاجتهادات الذاتيَّة.

فمَوضوع تحديد المفاهيم والمُصطلحات يُشكِّل أهمَّ الانشغالات والإشكالات المُهمة والحاسمة في مجال البحث العلمي، ذلك أنَّه إذا كانت الرُّموز والمُصطلحات في مجال العُلوم التجريبيَّة والتقنيَّة تتَّسم غالبًا بالثِّبات والحصر والوضوح والاستمراريَّة، فإنَّ الأمر يختلف تمامًا في ميدان العلوم الاجتماعيَّة والإنسانيَّة، حيث تُشحن المُصطلحات والمفاهيم بدلالاتٍ متشابهةٍ حينًا ومتباينةٍ إلى متناقضةٍ في أحيانٍ أخرى، وكثيرًا ما يتولد عن الانتشار الكبير والكثير للتعريفات فوضى واضطرابٌ والتباسٌ في تبنِّي مفهومٍ معينٍ أو تصورٍ ذهنيٍ. بالإضافة إلى الرَّصف العشوائي للمفاهيم والمُصطلحات واستنساخ بعضها من بيئات وفضاءات حضاريَّة لها خصوصياتها الحضارية المميَّزة والخاصَّة، علمًا أنَّ المَفهوم هو مُجرَّد وعاءٍ لاحتواء المضامين: «نلاحظ من هذا المُنطلق فرقًا بين المفهوم ” “la Notionوبين المُصطلحle terme” ” فالمَفهوم هو جُملة المحتويات المعرفيَّة والخصوصيات والتَّصوُّرات les Concepts”” التي يدُلُّ عليها المُصطلح وإذا كان المُصطلح بمثابة الدَّال فإن المفهوم بمثابة المدلول »([16]).

وانطلاقًا من هذه الإشكالات والتساؤلات، يوصي الكثير من الباحثين والمحللين الإبيستيمولوجيين بأهمية تحديد المصطلحات والمفاهيم بدقةٍ، تجنبًا للفوضى المعرفيَّة والمفاهميَّة فَمن مُواصفات الخطاب العلمي حسب فريج Frege””([17]) » أن تكون الأداة الاصطلاحيَّة المُوظَّفة محدَّدة البُنية، واضحة المعالم »([18]).

والمُستقرئ للتُّراث العربي يُلاحظ الاهتمام الكبير بعلم المُصطلح والبحث على تحديده تحديدًا دقيقًا تجاوزًا للغموض والالتباس خدمةً للقرآن ولُغته وللحضارة العربيَّة الإسلاميَّة، واعتُبر الاهتمام بعلم المُصطلح دراسةً وتأصيلاً من عوامل البناء الحضاري، « وليس يمكن فيما أعتقد،  أن تكون حضارةٌ مزدهرةٌ، متألقةٌ في أمةٍ من الأمم، ما لم تواكبها جنبًا إلى جنبٍ حضارةُ (المُصطلح العلمي)، الذي يكون بحدِّ ذاته الإطار العام لفكر تلك الأمَّة وعقلانيتها وتقدمها الإنساني »([19]) أمَّا العُلماء والنُّقاد والمحدِّثون فقد حرصوا واهتموا  بالبحث في علم المصطلح واعتنوا به عنايةً بالغة الأهمية حتى أنَّه يصعب تتبُّع هذا التَّطور تاريخيًا ولكن نُقدِّم بعض الشواهد كدليلٍ على اهتمامهم وعنايتهم، فالخوارزمي يُشبِّه المُصطلحات بمفاتيح العلوم ويجعلها عتبات لفهم الخطاب « حتَّى أنُّ اللُّغوي المُبرِّز في الأدب، إذ تأمَّل كتابًا من الكتب التي صُنِّفت في أبواب العلوم والحكمة ولم يكن  شدًا([20]) صدرًا من تلك الصناعة لم يفهم شيئا منه وكان كالأمي الأغتم([21]) عند نظره فيه »([22]).

ثم يقدِّم مجموعةً من الألفاظ هاجرت المُعجم اللُّغوي الذي وُضعت من أجله ودخلت حقولاً معرفيَّةً أخرى، تكون بينها علاقاتٌ فكريَّةٌ واكتسبت مدلولاتٍ جديدةٍ من ذلك مثلاً لفظة (الرَّجعة) والظاهرة ذاتها تناولها ابن حزم الظاهري الأندلسي، حيث أحصى زهاء ثمانين لفظًا ومُصطلحًا أصوليًا مشتركًا بين أهل النَّظر وطالب بتحديد المَفاهيم والمُصطلحات لأنَّها تفقد بالتَّدرج انتماءها المُعجمي العام، لتحصل على انتماءاتٍ معرفيَّةٍ جديدةٍ « هذا باب خلط فيه كثير من تكلم معانيه، وشيك بين المعاني وأوقع الأسماء على غير مسمياتها، ومزج بين الحق والباطل مُكثر لذلك الشَّغب والالتباس وعظمت المضرة وخفيت الحقائق »([23]). أمَّا أبو الوليد الباجي (تـ 474ھ) فقد ذكر في كتابه (المنهاج في تركيب الحجاج) مدلولات سبع وثمانين مُصطلحًا من الألفاظ الدائرة بيـن المُـتناظرين والتي يتمُّ توظيفها توظيفًا مـتفاوتًا بين المـُتناظرين ودعا إلى الاستخدام العلمي للمفاهيم رفعًا للغموض والتَّداخل المعرفي.

وفي هذا البحث المُتواضع لاحظنا على سبيل المثال، استخدام وتوظيف مفهوم ” الشَّرق ” l’Orient” بتفاوتٍ من باحثٍ لآخر ويحمل أكثر من مدلولٍ واحدٍ وفق للمرجعيات والمقاربات المُـختلفة، فقد وُظِّف في مرحلةٍ أوليَّةٍ مُطابقًا لصورة العرب عمومًا دون استثنـاء بكلِّ تشكيلاتهم وأعراقهم ودياناتهم وتواجدهم الجغرافي((Ricardo Diez, Hochleitner, et Daisaku Ikeda, Un dialogue entre Orient et Occident vers une révolution humaine, ((l’Harmattan 2010   وقد يقتصر في تصورٍ ثانٍ على تركيا دون غيرها، فتصبح الدَّولة العثمانية ممثلةً للعرب والمُسلمين بكلِّ أطيافهم في كلِّ بقاع العالم وهي نموذجٌ لهم في الفكر والأدب والسياسة وغيرها ((Stéphane Yerastimos, Les Turcs; Orient et Occident, Islam et laïcité; Editions Autrement 1994. )) وفي مقاربةٍ ثالثةٍ يصبح الشَّرق، مساويًا للشرق الأوسط فقط، دون بقية الدَّول العربيَّة والإسلاميَّة، خاصَّةً دول شمال إفريقيا ((Isabelle Drelants, Occident et proche Orient, contacts ((scientifiques au temps des croisades ,Brepols ,2000.، وفي صورةٍ رابعةٍ تُضاف دول المغرب العربي إلى المشرق بعد فشل محاولات المركزيات الغربية على فصل الدول العربية بعضها عن بعض وذلك  بوضع حواجز متوهَّمة، للقضاء على العناصر والعوامل الهويَّاتية المشتركة، التي تُسهم في التقارب وتُرسِّخ ثقافة الإخاء والإنتماء وتدفع نحو الخروج من مناخ التخلف والدونيَّة.

واللافت أنَّ الجزائر تُصنَّف تصنيفًا خاصًا وفقًا للمركزيَّة الفرنسيَّة، فهي ليست من الشَّرق وليست من المستعمرات ([24])؟

فالشَّرق ليس واحدًا حتى في المراجع القديمة، فهو يعني منذ القرن السادس عشر الدُّول الإسلاميَّة التي تتكلَّم اللغات الشرقية وعلى رأسها اللُّغة العربيَّة، فيذهب هربلوتHerbelot (1625-1695) في مكتبته الشرقيَّة 1697 إلى تحديد الشَّرق بالنِّسبة لفرنسا في البلدان الناطقة بالعربيَّة والفارسيَّة والتركيَّة.([25])

وبالإضافة إلى هذه التقسيمات السياسيَّة والإيديولوجيَّة يأتي التقسيم الإعتباري، الأدبي والفني والفلسفي (شرق الخيال) (شرق ألف ليلة وليلة) (شرق الحريم) (شرق الغزل العذري) وغيرها.

كما نجد ” شرقًا ” ثالثًا أسَّسه الأدباء والمفكرون: فهناك شرق دو نرفال(De Nerval) ، وشرق فولتير (Voltaire)، وشرق شاتوبريانChateaubriand) )، وشرق لامرتين (Lamartine)، وشرق ادغار كيني (Edgar Quinet)  وغيرهم .   

وفي صورةٍ أخيرةٍ تُضاف دول المَغرب العربي إلى المشرق وكأنَّه لا يوجد تكاملٌ أو تقاربٌ أو تشابهٌ بين هذه الدُّول، وكأن الأبعاد الدينيَّة واللُّغويَّة والحضاريَّة ليست عوامل مشتركة تجعل من الوطن العربي وطنًا واحدًا مع اختلافاتٍ بسيطةٍ متعلقةٍ ببعض الخصوصيات الثقافيَّة والجدول الآتي يلخص تجليات مفهوم “الشرق” في المنظومة المعرفيَّة الغربيَّة.

مُصطلح “الشرق” مفهوم مُرتحلٌ من مدلولٍ لآخرَ، حسب السِّياقات والحقول المعرفيَّة، فالشرق الرومنسي والصوفي يَختلفُ عن “الشرق” في رحلات القرن الثامن عشر، وهو بدوره يختلف عن “الشرق ” المتخيل لفيكتور هوجو وهكذا،

سنكتفي بهذه الأمثلة اختصارًا واختزالاً، فالنَّماذج كثيرةٌ، والمفاهيم تتغيَّر وتختلف باختلاف الحقل المعرفي الذي يستند إليه، فالمُصطلحات والمفاهيم يتشكَّل أغلبها في بيئاتٍ ومناخاتٍ طبيعيةٍ، ثم ترتحل إلى منظوماتٍ فكريَّةٍ وأيديولوجياتٍ ومرجعياتٍ مختلفةٍ، ممَّا يؤدي إلى تحريفها وتغيير مدلولها([26]) فالأصل في المفهوم الحياد من حيث النشأةُ ولكن بعد النشأة والتكوين تأتي الخُصوصيات المعرفيَّة والمَحمولات الدَّلاليَّة الجديدة المُنبثقة عن مُختلف المرجعيات لتعطي للمفاهيم بناءاتٍ جديدةٍ وأحيانًا انحرافاتٍ وهذا ما يُطلق عليه اصطلاحًا “التَّحيُّز” « كلُّ دالٍ متجذِّرٍ في تشكيل حضاريٍ فريدٍ، له لغته المعجميَّة والحضاريَّة الفريدة، ولذا فالدَّالُّ (وحقله الدَّلالي) مرتبطٌ بسياقٍ حضاريٍ محدَّدٍ و يُشير إلى ظواهر بعينها دون غيرها»([27]).

وبعد فتوحات العولمة في الميدان المعرفي، أصبحت المفاهيم الحضاريَّة صورةً للقيم والثقافات والعقائد والأيديولوجيات لذا فإنَّ الإنتقال المعرفي من حقل لآخر ومن منهج لغيره أدَّى إلى تحوير وتحويل وأحيانا إلى تزوير وانتحال لمضمون المفهوم وتمظهراته الفكريَّة. كما تحكَّمت أحاديَّة المعرفة والنزعة المركزيَّة والعنصريَّة العرقيَّة والتحيُّز الأيديولوجي والغايات والأطماع السياسيَّة، في تأسيس وصناعة المفاهيم ومضامينها الوظيفيَّة « هنا سنجد أنفسنا عند الفحص والتدقيق وفي كثيرٍ جدًا من الحالات وبإزاء العديد من المُصطلحات أمام ” أوعية ” عامة “أدوات” مشتركة بين الحضارات والأنساق الفكريَّة والعقائد المذهبيَّة، وفي ذات الوقت أمام مضامين “خاصَّة” و”رسائل” متميِّزة تختلف فيها وتتميَّز بها هذه “الأوعية” العامة و”الأدوات ” المشتركة لدى أهل كلِّ حضارةٍ من الحضارات » ([28]).

فمُصطلحي الشرق والغرب أصبحا مُعادليْن ومساوييْن لمصطلحي “الأنا والآخر” حيث يُحيلان في نصوصٍ كثيرةٍ غربية وعربيَّةٍ إلى إشكاليَّة اللِّقاء والصدام والصراع بين الفضاءين الثقافيين والجغرافيينواللذين ولعبت المرويات الكبرى والإستشراق والأيديولوجيات أشواطًا كبيرةً في تشكيلهما وتحديد ماهيتهما وهويتهما فأصبحا:

 

 

ويُقابل هذا التَّصور، مقاربةُ المركزيَّة الغربيَّة في النَّظر إلى المفهومين (الأنا والآخر)، وبالعودة إلى النعوت والأوصاف السابقة نلاحظ الخلط المفاهيمي بين الجغرافي، العرقي، الديني، الحضاري وغيرها، فكما أنَّ الشَّرق ليس كلُّه عربيًا ومسلمًا ومتخلفًا، فالغرب أيضًا ليس كله أوروبيًا، مسيحيًا، مُستعمرًا… وغيرها.

إن رواية التاريخ تخضع لخطاب السرد المُتخيَّل الذي يبقي الشرق أو “الآخر” ضمن المجاز الذي تتكون بُنيته من الخرافة والغرابة والأسطورة والتأمل الذاتي والرغبة الجمعية، وللمُتخيَّل وظائف متعددة ومتفاوتة مع تباين في الفاعلية والتأثير، فيكون البُعد الجمالي ثانويًا قياسًا إلى البُعديْن العجائبي والأيديولوجي، لذلك اعتبر شاتوبريان الحروب الصليبية ضرورة للمتروبول في الدفاع عن حضارته وثقافته، وهي الأحكام التي دفعت بالمفكر هشام جعيط إلى اعتبارها أحكامًا عنيفة وغير موضوعية، لأن المعايير المُعتمدة بعيدة عن الحقيقة العلمية والاستقراء المنطقي للمشاهد والمواقف التاريخية  إن « صفات مثل وحشية، طغيان، عبودية، تعصُّب، تلتصق بهذه الشعوب (الإسلامية) التي تنتمي أساسًا إلى السيف بكل بُنيتها التاريخية، إن مثل هذا التاريخ البربري ينفي الحضارة ويبرِّر الحركة الصليبية الضخمة»([29])

فمعرفة الشرق تنطلق من المعارف العلمية والتاريخية للشرق ولكن بتصرُّف من المِخيال الغربي الذي يُطوِّع المعارف لتتلاءم والظروف والملابسات السياسية والأيديولوجية لخلق صدام يتأسس على صراع الحضارات وافتقار الحضارة العربية والإسلامية للبعد الإنساني الذي يؤهلها للحوار والتعايش مع الحضارات الأخرى »يرجع الصدام غالبًا بين الشرق والغرب إلى تقييم الغرب للشرق وفق معايير العادات والقيم والخصوصيات الغربية التي تشكل مرجعيته« ([30])

وإذا كانت فلسفة وثقافة النهايات قد مسَّت التاريخ والأيدولوجيا، وفكرة الموت قد أعلنت موت الإله وموت المؤلف لكنها لم تعلن بعد عن موت النمطية استنادًا إلى المنهج العقلاني، كما لم تعتمد مبدأ المراجعات سواء من جهة المركزية الغربية كمبادرة موضوعية أو كإحساس بعقدة الذنب يعتبر تكفيرًا عن جرائم علمية معرفية اقترفتها أثناء البناء العدائي لثقافة “الآخر” أو بتبنِّيها دراسات ما بعد الكولونيالية واعتبارها صوت المقهور وخطاب المظلوم، وعدم اللجوء إلى تسفيهها وعدِّها مجرد كرنفال أكاديمي([31]).

سعت اللغة بحكم وظيفتها في أنها ليست مجرد مبانٍ وتراكيب ورموز في تشكيل الشرق/ الآخر/ المختلف وتنميطه ضمن صور سلبية مُنفِّرة، جعلت منه نموذجًا لكل ما غير إنساني، فهو غيرية مرغوبة ومقصودة لتناسب استراتيجيات ومخططات المركزية ورسالة المركز في صراعه الوجودي مع الهامش (الشرق) « يمكن القول أن ما يُؤسس مفهوم الغيرية في الفكر الأوربي ليس مطلق الاختلاف، كما هو الحال في الفكر العربي، بل الغيرية في الفكر الأوربي مقولة تؤسسها فكرة “السلب” أو النفي ﻓ “ألانا” لا يفهم إلا بوصفه سلبًا،أو نفيًا ﻟ ” الآخر”»([32]).

خاتمة:

ولتدارك الفجوة العميقة بين القطبين، وجب تجاوز الصور الذهنية والأفكار المسبقة المشكلة للنمطية صورةً وخطابًا وتراكمات ثقافية موروثة متداولة، والحرص على بناء ثقافة بديلة تكون تعويضا للخطاب العدواني الموروث، تنتهج العلمية والموضوعية منهجا ورؤية ومقاربة.

ليس من اليوتوبيا التأسيس لخطاب جديد يُذلِّل العقبات والصعوبات السوسيو- ثقافية، ويحرص على صناعة منظومة ثقافية تتبنى المثاقفة الندية التي تحترم الهويات والخصوصيات الثقافية، واعتماد معجم لغوي يتجاوز تضخيم الذات ودونية “الآخر”.

إن الأفق الاستشرافي يُبشِّر بعالم تتقلص فيه الحواجز والحدود الجغرافية والمعرفية بفضل فتوحات العولمة وثورة عالم الاتصالات، ممَّا يستوجب التأسيس لرؤية جديدة مُنفتحة على “الآخر” في اختلافه الأنثربولوجي والثقافي والعقائدي، وتكون اللبنات الأولى بتغيير المعجم اللفظي للدال والمدلول نعوتًا وأوصافًا.

 

كشاف المراجع:

أولا: المراجع باللغة العربية:

  • ابرير، بشير، علم المصطلح وممارسة البحث في اللغة والأدب، مجلة المخبر، أبحاث في اللغة والأدب الجزائري، جامعة بسكرة، العدد 2، 2005.
  • ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق، الشيخ أحمد محمد شاكر، الجزء الأول، دار الآفاق الجديدة، بيروت.
  • ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم، الإفريقي المصري، لسان العرب، ج، 11، دار صادر، بيروت، د ت.
  • آل ياسين، جعفر، الفارابي في حدوده ورسومه، المزرعة، الطبعة الأولى 1405ھ/1985، بيروت.
  • الجابري، محمد عابد، نقاش في فرنسا.. حول الهوية؟:

http://www.aljabriabed.net/france_identite.htm

  • جعيط، هشام، أوروبا والإسلام، دار الطليعة، 1978، بيروت.
  • الخوارزمي، مفاتيح العلوم، دار الكتاب العربي ، ط2، 1409ھ/1989 م، بيروت.
  • خليل، سمير، دليل مصطلحات الدراسات الثقافية والنقد الثقافي، دار الكتب العلمية، بيروت.
  • عمارة، محمد، معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام، نهضة مصر للطباعة النشر، القاهرة.
  • المسيري، عبد الوهاب، اللُّغة والمجاز، بين التوحيد ووحدة الوجود، دار الشروق، ط1، 1422ھ/ 2002م.

  ثانيا: المراجع بالفرنسية:

  • Balibar, Étienne, Macherey, Pierre, « Dialectique », Encyclopædia Universalis [en ligne]. URL: universalis.fr/encyclopedie/ dialectique. consulté le 26 décembre 2015.
  • Bayart, Jean-François, Les études postcoloniales, un carnaval académique, Karthala, 2010.
  • Berchtold, Jacques, Porret, Michel, La peur au XVIIIe siècle: discours, représentations, pratiques Librairie DROZ, S.A, Geneve, 1994.
  • Colette, Juilliard, Imaginaire et Orient; L’écriture du Désir, L’Harmattan, Paris, 1996.
  • De Gobineau, M.A., Essai sur l’inégalité des races humaines, V1, Librairie FIRMIN DIDOT frères, Paris, 1853.
  • D’herbelot, Barthelemy, bibliothèque Orientale, compagnie des librairies, Paris, 1779.
  • El-Husseini, Nassib Samir, L’Occident Imaginaire, La vision de l’autre dans la conscience politique arabe, Presses Universitaire du Québec, 1998.
  • Gadoin, Isabelle et Palmier Chatelain, Marie-Elise (sous la direction) Rêver d’Orient, connaitre l’Orient, ENS Editions, Lyon, 2008.
  • Janet, Paul, Essai sur la dialectique de Platon, Joubert, Librairie Editeur, Paris, 1848.
  • Leclerc, Georges-Louis, de Buffon, Comte, Histoire naturelle de l’homme, Oeuvres completes, Imprimerie Royale, Paris, (1774-1778), tome, V (1774).
  • Morin, Edgar, la représentation:

http://pedagopsy.eu/page22.html (12/05/2016).

  • P. Jean-Baptiste Labat (mis en ordre), Mémoires du chevalier d’Arvieux, Delespine, Paris, 1735.
  • Stengers, Isabelle, D’Une science à l’autre, Les concepts nomades, Seuil, Paris, 1987.
  • Vion-Dury, Julielle, Grassin, Jean-Marie, Westphal, Bertrand, Littérature et Espaces, actes du XXXe congrès de la société Française de littérature Générale et comparée, S.F.L.G.C, limoges, Presses Universitaires de LIMOGES, 2002.
  • (Revue de l’orient et de l’Algérie et de colonies), bulletin et actes de la Société orientale, Algérienne et colonie de France, Paris, 1855.

 

 

[1] -M.A. De Gobineau, Essai sur l’inégalité des races humaines, V1, Librairie FIRMIN DIDOT frères, Paris, 1853, p, 523.

[2] – Julielle Vion-Dury, Jean-Marie, Grassin, Bertrand Westphal, littérature et Espaces, actes du XXXe congres de la société Française de littérature Générale et comparée S.F.L.G.C, limoges, Presses Universitaires de LIMOGES, 2002, P, 307.

[3]-Colette Juilliard, Imaginaire et Orient; L’écriture du Désir, L’Harmattan, Paris, 1996, p, 18.

[4]-Nassib Samir El-Husseini, L’Occident Imaginaire, La vision de l’autre dans la conscience politique arabe, Presses Universitaire du Québec, 1998, p, 3.

[5] -Jacques Berchtold, Michel Porret, La peur au XVIIIe siècle: discours, représentations, pratiques Librairie DROZ, S.A, GENEVE, 1994, p, 200.

[6] -Georges-Louis Leclerc, comte de Buffon, Histoire naturelle de l’homme, Oeuvres completes,   Imprimerie Royale, Paris, (1774-1778), tome, V (1774), p, 30.

[7] – Ibid, pp 78-79.

[8] – R. P. Jean-Baptiste Labat  (mis en ordre par le), Mémoires du chevalier d’Arvieux, Delespine, , Paris 1735, tome. III, p, 188 (chap. XI).

[9]– سمير خليل، دليل مصطلحات الدراسات الثقافية والنقد الثقافي، دار الكتب العلمية، بيروت، ص ص 26 – 27.

[10]– أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم، ابن منظور الإفريقي المصري، لسان العرب، ج، 11، دار صادر، بيروت، د ت، ص 231.

[11] -Étienne Balibar, Pierre Macherey, « Dialectique », Encyclopædia Universalis [en ligne], consulté le 26 décembre 2015. URL: www.universalis.fr/encyclopedie/ dialectique/.

[12]–  Paul Janet, Essai sur la dialectique de Platon, Joubert, Librairie Editeur, Paris, 1848, p, 1.

[13] -Edgar Morin, la représentation, http://pedagopsy.eu/page22.html (12/05/2016).

-[14] سورة الحجرات، الآية، 14.

[15]– سورة البقرة، الآية، 104.

[16]– ابرير بشير، علم المصطلح وممارسة البحث في اللغة والأدب، مجلة المخبر، أبحاث في اللغة والأدب الجزائري، جامعة بسكرة، العدد 2، 2005، ص 2.

[17]– Gottob Frege (1848-1925) mathématicien logicien et philosophe allemand parmi ces œuvres: Concept et objet 1892–Fonction et concept 1891.

[18] -Isabelle Stengers,  D’Une science à l’autre, Les concepts nomades, Paris, Seuil, 1987, pp, 70-71.

[19]– جعفر آل ياسين، الفارابي في حدوده ورسومه، المزرعة، الطبعة الأولى 1405ھ/1985، بيروت، ص 14.

[20]– يقال شدا العلم إذا حصل منه طرفا.

[21]– الذي لم يفصح لعجمته.

[22]– الخوارزمي، مفاتيح العلوم، دار الكتاب العربي، ط2، 1409ھ/1989 م، بيروت ص ص 13 – 14.

[23]– ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق، الشيخ أحمد محمد شاكر، الجزء الأول، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ص 35.

[24] -Revue de l’orient et de l’Algérie et de colonies, bulletin et actes de la Société orientale, Algérienne et colonie de France, Paris, 1855.

[25] – Barthelemy d’herbelot, bibliothèque Orientale, compagnie des librairies, Paris, 1779.

[26] – Isabelle Stegers; D’Une Science à l’autre ; les Concepts nomades, Seuil, Paris, (couverture extérieure),1987.

[27] – عبد الوهاب المسيري، اللُّغة والمجاز، بين التوحيد ووحدة الوجود، دار الشروق، ط1، 1422ھ/2002م، ص ص 196-197.

[28] – محمد عمارة، معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام ، نهضة مصر للطباعة النشر، ص 3.

[29] – هشام جعيط، أوروبا والإسلام، دار الطليعة، بيروت، 1978، ص 24.

[30] -Isabelle Gadoin et Marie-Elise Palmier Chatelain (sous la direction) Rêver d’Orient, connaitre l’Orient, ENS Editions, 2008, Lyon, p,12.

[31]Jean-François Bayart, Les études postcoloniales, un carnaval académique, Karthala, 2010.

[32] – محمد عابد الجابري، نقاش في فرنسا ..حول الهوية ؟

http://www.aljabriabed.net/france_identite.htm

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.