منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الزاوية

محمد فاضيلي

0

 تقديم:

على امتداد تاريخ المغرب ظهرت الزوايا فاعلا أساسيا في صنع الأحداث وتوجيهها والتأثير فيها، وقامت بـأدوار كبرى دينية وعلمية واجتماعية وسياسية، ساهمت في تأطير المجتمع بتدريس العلوم الشرعية واللغوية، وتربية المريدين على سلوك شعب الإيمان ومقامات الإحسان، وإيواء المحتاجين وإطعامهم، وحل النزاعات بين القبائل والأفراد، كما لعبت دورا كبيرا في تحديد التوجهات الكبرى للخيارات السياسية في البلد، فكيف كانت النشأة، وكيف استطاعت التأثير والتأثر بمختلف الأحداث؟

تعريف الزاوية:

  • في اللغة تعني الركن، وتعني الانجماع والانقباض والانزواء1

وقد تكلم عنها أبوطالب المكي في كتاب القلوب في معاملة المحبوب

المزيد من المشاركات
1 من 23

فقال متحدثا عن أقسام العلماء:

ومنهم عالم الخاصة (…) العالم بعلم التوحيد والمعرفة، وهؤلاء أهل الزوايا” وهم المنفردون)كما أنها كانت تعني المسجد الصغير في مقابل المسجد الكبير3

وقد أورد”دوزي”أحد النصوص يصف فيها أحد الناس بأنه “كان منزويا عن الناس، هاربا منهم، ثم تزهد وانزوى، ورابط على ساحل البحر”4

  • أما المعنى الاصطلاحي، فقد عرفها ابن مرزوق بقوله:

“والظاهر أن الزوايا عندنا بالمغرب هي المواضع المعدة لإرفاق الواردين وإطعام المحتاجين من القاصدين”5

أما الحسن اليوسي فيذهب إلى أن الزاوية لا حقيقة لها شرعا، ولا ذكر لها، وإنما هي لفظة معدلة، ومعناها مركب من أمرين: أحدهما: التفرغ إلى عبادة الله، ويكون ذلك بالهرب من التشاغل بالدنيا وأسباب المعاش والانكماش في خلوة أوركن بيت أو مسجد للاشتغال بذكر الله والإقبال عليه وبهذا سميت زاوية (…) ثانيهما: إطعام الطعام، وهو في عادة المتأخرين ويرجع معناه إلى إكرام الضيف وإلى الصدقة)6

من هذه التعاريف يبدو أن الزاوية تجمع بين مجموعة من النشاطات منها الإيواء والإطعام والتعليم والتربية والتدين والجهاد.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 81

أنواع الزوايا:

 وقد قسم الأستاذ محمد بن تاويت الزوايا إلى ثلاثة أنواع:

ـ الزاوية البسيطة: وهي التي لم تبن على ضريح ولي، ولا نسبت إلى ولي، أو إلى طريقة صوفية.

ـ الزاوية ذات الولي: وهي ما أنشئت حول ضريح، وتكتسب سمعة عظيمة من أجل ذلك، وسرعان ما تتحول إلى مركز عمراني كبير.

ـ الزاوية الطرقية: وهي التي تنتسب إلى طريقة من الطرق الصوفية.7

 نشأة الزوايا:

وقد سميت في أول الأمر “بدار الكرامة” مثل الزاوية التي بناها يعقوب المنصور الموحدي بمراكش، ثم ظهر إلى الوجود زاوية بني مرين وأطلق عليها “دار الضيوف”8 ومن دلك زاوية بناها أبو عنان المريني وذكرها ابن بطوطة في رحلته، وجدد الدلائيون بناءها عندما بسطوا نفوذهم على فاس العاصمة الإدريسية فظن بعض المؤرخين أنهم هم الذين أسسوها” 9 كما أن السلطان يعقوب بن عبد الحق بنى الزوايا في الفلوات، وأوقف لها الأوقاف الكثيرة لإطعام عابري السبيل وذوي الحاجات)10

ومن أقدم الزوايا التي حملت هذا الاسم زوايا الشيخ أبي محمد صالح الماجري (1294 هـ) بآسفي، وقد تعددت زواياه حتى بلغت ستا وأربعين زاوية، وانتشرت فيما بين المغرب ومصر، إذ كان هذا الشيخ يشجع أصحابه على حج بيت الله الحرام، واستكثر من اتخاذ الزوايا في الطريق التي يسلكها ركب الحجاج ليأووا إليها في مراحل سفرهم الطويل11 

 تطور الزوايا:

في القرن الثامن الهجري، الرابع عشر الميلادي، تكاثرت الزوايا في المغرب وبنيت حولها مدارس استقر فيها طلبة العلم، الأمر الذي حدا بملوك بني مرين أن يشيدوا كذلك مدارس بجانب المراكز التعليمية الكبرى، خصوصا جامع القرويين بفاس12 

ويرى بعض الباحثين أن المعاصرين أن اهتمام المرينيين بالزوايا وإقامتهم لعدد وفير منها، يرجع إلى اهتمامهم بالتطور العلمي في المغرب، وخاصة في الميدان الروحي،| مما جعلها مراكز تعليمية هامة، إلى جانبكونها مرافق اجتماعية”13

في القرن العاشر الهجري، تقوت سلطة الزوايا أمام سلطة الدولة ممثلة في دولة بني وطاس التي كانت عاجزة أمام مشكلات المجتمع الداخلية والخارجية، فتحول دور الزوايا من مؤسسات للتعبد والتحصيل والإيواء، إلى مؤسسات للجهاد والدفاع عن الثغورالإسلامية.

    • يقول الأستاذ عبد السلام غيلان:

“تطور أمر الزوايا خلال القرن العاشر الهجري، حيث تغلب المسيحيون على المسلمين في الأندلس وساموهم سوء العذاب، ثم امتدت أطماعهم إلى احتلال الثغور المغربية، وضعفت الدولة الوطاسية عن الدفاع عن حوزة الوطن، وهناك بدأت الزوايا تتدخل في شؤون البلاد السياسية، وتدعو إلى الجهاد ومقاومة الأجنبي، ووجد الصوفية آذانا صاغية، فهب الشعب يذود عن الحمى وحمل السلاح مع رجال الدين الصوفيين فقادوه إلى النصر على البرتغال.”14 ويقول الأستاذ عبد الجواد السقاط:

على أن بعض هذه الزوايا وخاصة في الفترة الوطاسية كانت تتمرد على السلطة الحاكمة في البلاد، حيث نجد بعض العلماء كالجزولي والتباع وغيرهما يؤسس كل منهم زاويته، حيث يمارس فيها حياة حافلة بالأنشطة السياسية والدينية15

في هذا المناخ الصعب والمضطرب أصبحت الزوايا قوة سياسية لها الكلمة الحاسمة في توجيه الأحداث وتحديد النظام السياسي في البلاد. يقول الدكتور محمد حجي في كتابه الزاوية الدلائية

بأن الدلائيين هم الذين نصبوا الشريف أبا عبد الله ملكا على البلاد16

أما محمد ضريف فيقول بأن :”الجزولية هي التي رشحت السعديين لاستلام السلطة”17

    • ويقول الأستاذ السقاط:

وما إن نصل إلى العصر السعدي حتى نجد الزواية المغربية قد تعاظم شأنها وتكاثرت أعدادها، وخلدت ذكرها بمواقفها المختلفة. إن على صعيد الدين أو العلم أو السياسة، ويكفي أن نشير (…) إلى أن أرباب الزوايا هم الذين ساعدوا أبا عبد الله القائم السعدي على ولوج بيت الملك كما يقول صاحب الاستقصاء18 

إلا أن الزوايا ستعاني من انقلاب الدولة السعدية عليها، وتعرضت لكل صنوف المضايقة والاضطهاد.

    • يقول الناصري في الاستقصاء: 

لما كانت سنة 958هـ أمر السلطان أبوعبد الله الشيخ بامتحان أرباب الزوايا والمتصدرين للمشيخة خوفا على ملكه منهم لما كان للعامة فيهم من الإعتقاد والمحبة والوقوف عند إشارتهم والتعبد بما يتناولونه من عباراتهم19 

أما في العهد العلوي، فقد عرفت الزوايا انتشارا كبيرا، حيث إن بعض الشيوخ كانوا لا يكتفون بتأسيس زاوية واحدة، بل يعملون على تشييد زوايا متعددة. يقول الأستاذ المؤرخ إبراهيم حركات:

إن معظم الزوايا الكبرى (…) نشأت بالذات على مشهد من النظام العلوي (…) فالزاوية الأم التي هي الزاوية القادرية بالنسبة لمعظم الزوايا الناشئة في هذه المرحلة قد تخلت عن مكانها لكل هذه الفروع التي أنشأ كل منها أوراده وطقوسه واختط لنفسه اتجاها سياسيا معينا20

علاقة الزوايا بالمخزن:

أما عن علاقة الزوايا بالمخزن فقد تأرجحت بين الوئام والاحترام، وبين الاصطدام والصراع، وقد تحدث الدكتور ضريف في كتابه السابق عن ثلاث استراتيجيات انتهجها المخزن تجاه الزوايا: استراتيجية المواجهة ـ استراتيجية الاحتواء.ـ استراتيجية التدجين.

  • يقول الدكتور ابراهيم حركات عن الزاوية الشرقاوية:

وأسس محمد الشرقي (1601م) الزاوية الشرقاوية بأبي الجعد، وحظيت الزاوية لفترة ما بعطف المخزن حتى كان عهد محمد الثالث، وفي هذه الفترة بلغت الزاوية أوج قوتها بفضل أتباعها الكثيرين بالشاوية وتادلة (…) وحيث إن الزاوية كانت كعشرات من أمثالها تحظى بالإعفاءات الضريبية، فقد كان يأوي إليها لاجئون من الضغط الضريبي من غير أربابها، وهكذا تم تخريب منشآتها بأمر المخزن، ونقل شيخها العربي بن المعطي إلى مراكش، ثم إلى فاس، ومنها أعيد إلى أبي الجعد في عهد مولاي هشام21

وإذا أردنا تصنيف الزوايا في علاقتها بالسلطة ـ حسب رأي إبراهيم حركات ـ أمكننا تصنيفها إلى ثلاث:

أ ـ زوايا معارضة للمخزن، أهمها: الزاوية المباركية والشرادية والدرقاوية والشرقاوية والكتانية.

ب ـ زوايا معارضة للاستعمار: بالإضافة إلى الزوايا المعارضة للمخزن، هناك الزاوية الكنتية والفاضلية في الصحراء الجنوبية والقندوسية والكزازية بالصحراء الشرقية، والتيجانية بإفريقيا الغربية، والريسونية بالشمال.

ج ـ زوايا معتدلة ومحايدة: ومنها الزاوية التيجانية بالمغرب، الزاوية الفاسية، الزاوية الوزانية22

وإذا أردنا مقارنة الأحزاب الحالية بالزوايا، نجد أن الحزب يقوم بالتأطير السياسي والاجتماعي (وهو دور قامت به الزاوية) ويرث عنها طبيعة العلاقة بين القمة والقاعدة، وبينها وبين السلطة، لكنه لم يستطع أن يرث فاعليتها في الجانب التربوي/الديني، وإن كانت بداية الأحزاب في المغرب كانت بداية دينية (حزب الإستقلال، والشورى والاستقلال) لذلك فمحمد ضريف يصف الحزب بأنه:

زاوية خضعت للتدجين”23 أو “زاوية فقدت ماهيتها

خلاصة:

على ضوء ما تقدم يمكن استخلاص ثلاث خلاصات رئيسية:

ـ الزوايا المغربية كانت تجليا للتوسع الحضاري العربي الإسلامي في المغرب لما كان لها من تأثير سياسي واجتماعي وثقافي وديني.

ـ دور الزوايا لم يقتصر على الجانب الاجتماعي التربوي/الديني الذي قامت من أجله، لكنها اهتمت بكل قضايا المجتمع سياسيا / جهاديا / اجتماعيا / اقتصاديا / تربويا / دينيا… وبالتالي أمكن تصنيفها كحركات اجتماعية تغييرية إصلاحية فاعلة ومؤثرة في الحياة.

ـ الزوايا المغربية كلها حافظت على العقيدة الصحيحة وعلى ثوابت الأمة المغربية عبر تاريخ الإسلام، فلم تصنف واحدة في خانة المروق والزندقة. يقول الأستاذ عبد الجواد السقاط:

“إن هذه الزوايا قد حافظت على استمرارية المنهج السني في المغرب، والتمسك باستمرارية المذهب المالكي الذي كان المغاربة وما يزالون متشبثين به، عالمين بأحكامه وتشريعاته، وقد تجلى هذا الحفاظ في كل من الأعمال الفكرية والعلمية التي صدرت عن رجال هذه الزوايا أو درست في رحابها، وكذلك في انتهاج الطريقة الشاذلية المتصلة بالإمام أبي القاسم الجنيد.”24 

خاتمة:

تلكم أهم الملامح التي تعبر عن مكانة الزاوية المغربية علميا ودينيا واجتماعيا وسياسيا، وتبقى لكل زاوية خصوصيتها من حيث النشأة والدور والرجال، وما خلفته من آثار ومتون جديرة بالاهتمام والدراسة


الهوامش:

1- انظر تاج العروس مادة زوى

2- ‘محمد مفتاح: الخطاب الصوفي: مقاربة وظيفية ـ مكتبة الرشاد ـ ط 1 ـ ص32

3- المرجع نفسه ص37

4- المرجع نفسه ص37

5- المرجع نفسه37

6- مجلة دعوة الحق عدد264 ص50

7- المرجع نفسه الصفحة نفسها

8- عبد السلام غيلان: لمحات من تاريخ زاوية اولاد غيلان ـ مطبعة معمورة ـ القنيطرة ـ ص 2

9- م. ن ـ ص. ن2

10- دعوة الحق ـ م.س. ص 54

11- عبد السلام غيلان ـ م س ـ ص 2

12- المرجع نفسه الصفحة نفسها

13- دعوة الحق ـ العدد 264 ـ ص 54

14- المرجع نفسه الصفحة نفسها

15- مجلة دعوة الحق مرجع سابق ص54

16- عبد السلام غيلان  مرجع سابق ص2

17- د محمد ضريف: مؤسسة الزوايا بالمغرب الإسلامي ـ المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي ـ سنة1 ـ عدد الأول دجنبر 86 ص32

18- دعوة الحق مرجع سابق ص34

19- دعوة الحق ـ م. س ـ ص 55/54

ج5 ص26

20- إبراهيم حركات: التيارات السياسية والفكرية بالمغرب خلال قرنين ونصف من الحماية ـ دار الرشاد الحديثة ـ الطبعة الثانية ـ ص 57

المرجع نفسه ـ الصفحة نفسها

21-  المرجع نفسه ـ ص 59

22- م. ن ـ ص من 56 إلى 61

23-  محمد ضريف ـ م. س ـ ص 104

24- دعوة الحق ـ م. س ـ ص 58

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.