منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مسلك نقض الشبهات التي يثيرها خصوم السنّة

مسلك نقض الشبهات التي يثيرها خصوم السنّة/ ذ. يحي زركيط

0

مسلك نقض الشبهات التي يثيرها خصوم السنّة

ذ. يحي زركيط

تعرضت السنة النبوية قديما وحديثا لحملات من الطعن والتشكيك وذلك بإثارة العديد من الشبهات. إلا أن هذه الحملات قد ازداد سعارها بداية من مطلع القرن الرابع عشر الهجري مع كتابات المستشرقين وأتباعهم من بعض المثقفين في بلاد الإسلام الذين أخذوا شبهات الأقدمين ونفخوا فيها وأعادوا طرحها بقناع يدعي ظلما وزورا المنهج العلمي في النقد.

وقد تصدى علماء الأمة لنقض هذه الشبهات واجتهدوا في هدم الأسس الواهية التي انبنت عليها حتى يتبين لكل عاقل منصف أن ما يزعمه خصوم السنّة من تبنيهم المنهج العلمي في النقد ما هو سوى تخرّصات وظنون تستند إلى الجهل واتباع الهوى.

ومن خلال استقراء كثير مما كتبه المنتصرون للسنة في هذا المسلك وقفت على جملة من القواعد والأدوات الكاشفة عن أصول الخطأ في ما يستدل به المشككون، وهي:

  • بيان المنطلقات الفكرية والعقدية لأصحاب الشبهات:

قبل البدء في نقض الشبهة وتفنيدها بالحجج والأدلة، نجد كثيرا ممن تصدوا للدفاع عن السنة النبوية يسلطون الضوء على أصحاب الشبهة، من خلال ذكر اتجاهاتهم ومدارسهم الفكرية والعقدية وبسط أصول الاستدلال التي يعتمدونها في طرح أفكارهم وآرائهم و كشف الدوافع الحقيقية وراء إثارة تلك الشبهات. وهي خطوة مهمة وضرورية تساعد في فهم الشبهة وتَبيُّنِ أصولها وجذورها ومعرفة الأدوات والوسائل الكفيلة بدحضها وتفنيدها.

افتتح الإمام السيوطي رحمه الله كتابه الذي دافع فيه عن السنة النبوية ببيان معتقد الطاعن فيها، فقال: “وأن مما فاح ريحه في هذا الزمان وكان دارسا بحمد الله تعالى منذ أزمان، وهو أن قائلا رافضيا زنديقا أكثر في كلامه أن السنة النبوية والأحاديث المروية – زادها الله علوا وشرفا – لا يحتج بها، وأن الحجة في القرآن خاصة،…وأصل هذا الرأي الفاسد أن الزنادقة وطائفة من غلاة الرافضة ذهبوا إلى إنكار الاحتجاج بالسنة والاقتصار على القرآن وهم في ذلك مختلفو المقاصد، فمنهم من كان يعتقد أن النبوة لعلي وأن جبريل عليه السلام أخطأ في نزوله إلى سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، ومنهم من أقر للنبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة ولكن قال: إن الخلافة كانت حقا لعلي فلما عدل بها الصحابة عنه إلى أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين قال هؤلاء المخذولون – لعنهم الله – كفروا حيث جاروا وعدلوا بالحق عن مستحقه، وكفروا – لعنهم الله – عليا رضي الله عنه أيضا لعدم طلبه حقه فبنوا على ذلك رد الأحاديث كلها لأنها عندهم بزعمهم من رواية قوم كفار فإنا لله وإنا إليه راجعون، وهذه آراء ما كنت أستحل حكايتها لولا ما دعت إليه الضرورة من بيان أصل هذا المذهب الفاسد الذي كان الناس في راحة منه من أعصار.”[1]

وفي عصرنا نجد الشيخ مصطفى السباعي يكشف الدوافع النفسية التي جعلت بعض المثقفين من أبناء الإسلام يهاجمون السنّة قبل الشروع في تفنيد شبهاتهم، فيقول: “ومن الملاحظ أن هؤلاء الذين ينخدعون من الـمُسْلِمِينَ بِالمُسْتَشْرِقِينَ والمؤَرِّخِينَ والكاتبين من أعداء الإسلام الغَرْبِيِّينَ، لا يوقعهم في الفخ الذي نصبه لهم هؤلاء إلا أحد أربعة أمور غالباً:

  • إما جهلهم بحقائق التراث الإسلامي وعدم اطلاعهم عليه من ينابيعه الصافية.
  • وإما انخداعهم بالأسلوب العلمي «المزعوم» الذي يَدَّعِيهِ أولئك الخصوم.
  • وإما رغبتهم في الشهرة والتظاهر بالتحرر الفكري من ربقة التقليد كما يَدَّعُونَ.
  • وإما وقوعهم تحت تأثير «أهواء» و«انحرافات» فكرية، لا يجدون مجالاً للتعبير عنها إلا بالتستر وراء أولئك المُسْتَشْرِقِينَ الكَاذِبِينَ.”[2]

إن كثيرا من الطعون الموجهة للحديث النبوي في عصرنا إنما هي امتداد لشبهات أثارتها الفرق الكلامية قديما من خوارج وشيعة ومعتزلةـ، يتم تجديدها بأساليب منمقة وعبارات مغرية كالنقد العلمي والتجديد الفكري وتنقية التراث وغيرها.

ومن تتبع الكتابات المعاصرة لخصوم السنة خصوصا المستشرقين منهم سيجد مدحا للمعتزلة وثناء على منهجهم العقلي. فهذا المستشرق جولدتسيهر يثني عليهم بقوله: “أما فيما يختص بالحديث، فإن المعتزلة كانوا يملكون تحت تصرفهم الوسيلة لرفض الأحاديث التي يلوح منها ما لا يصلح أن يقبل من تجسيم أو تشبيه، أو التي تجعل لمثل هذا مكانا، وهذه الوسيلة هي الطعن فيها بعدم الصحة، وبذلك يتحرر الإسلام من مجموعة كبيرة من الأقاصيص التي تراكمت بمساعدة الاعتقاد الشعبي الشره إلى الأساطير، بصفة خاصة فيما يتعلق بالدار الآخرة وما فيها، والتي أيدتها دينيا صيغة الحديث”[3]

هذا الارتباط الفكري بين طوائف الطاعنين في السنة قديما وحديثا يؤكده الأمين الصادق الأمين بقوله: “هكذا مجّد المستشرقون المعتزلةَ ومدحوا منهجهم العقلاني، لأنهم وجدوا فيه تحقيقا لمآربهم السيئة ونواياهم الخبيثة التي تهدف لهدم السنة وبالتالي إزالة الإسلام من على الأرض، وقد فتح لهم المعتزلة الباب على مصراعيه وأعطوهم سلاحا مضاء ليفتكوا به الأحاديث الصحيحة الثابتة، إنه سلاح الشبه العقلية التي يحكمها الهوى”[4].

  • بيان بطلان الدعاوى التي لا يسندها دليل:

الدعوى التي لا يعضدها صاحبها بالدليل لا تنفك أن تكون من قبيل الظن والخرص، فهي بذلك تحمل أسباب البطلان بين جنبيها، بل إذا كانت الأدلة المعقولة الثابتة مناقضة لفحواها، فهذا مما ينسفها من أساسها ويجعلها مركونة في سلة الشبهات المغرضة لا غير.

وكثير من شبهات الطاعنين في السنة النبوية من هذا القبيل، فهم يرسلون دعاواهم مجردة من ذكر الدليل الذي يسندها ما عدا التوهم واتباع الهوى. ومن أمثلة هذا الباب:

الطعن في منهج المحدثين بدعوى أنهم لم يهتموا بنقد المتن وأن جهودهم قد اقتصرت على نقد السند. هذه الدعوى ترددت كثيرا على ألسنة المستشرقين ومن تأثر بهم من بعض المستغربين من أبناء المسلمين.

يقول المستشرق الإيطالي كايتاني[5] في كتابه “الحوليات الإسلامية”: “كل قصد المحدثين ينحصر ويتركز في وادٍ جدب ممحل من سرد الأشخاص الذين نقلوا المروي، ولا يشغل أحد نفسه بنقد العبارة والمتن نفسه.”[6]

ويقول محمود أبو رية : ” والمحدثون لا يعنون بغلط المتون، ويقولون متى صح السند صح المتن.”[7]

نفس الكلام ردده أحمد أمين حين قال: “وفي الحق إن المحدثين عنوا عناية بالنقد الخارجي، ولم يعنوا هذه العناية بالنقد الداخلي، فقد بلغوا الغاية في نقد الحديث من ناحية رواته جرحا وتعديلا، فنقدوا رواة الحديث في أنهم ثقات أو غير ثقات، وبينوا مقدار درجتهم في الثقة، وبحثوا هل تلاقى الراوي والمروي عنه أو لم يتلاقيا؟ وقسموا الحديث باعتبار ذلك ونحوه إلى حديث صحيح وحسن وضعيف، وإلى مرسل ومنقطع، وإلى شاذ وغريب، وغير ذلك، ولكنهم لم يتوسعوا كثيرا في النقد الداخلي، فلم يعرضوا لمتن الحديث هل ينطبق على الواقع أم لا؟”[8]

هذه الدعاوى لم يكلف أصحابها أنفسهم عناء البحث عن أدلة مقنعة يثبتون بها صحتها، لهذا اعتبرها علماؤنا غير صالحة في ميدان النقد العلمي، كما قال الأمين الصادق الأمين: “والقول بأنهم لو نقدوا المتون لقضى ذلك على كثير من الأحاديث التي ثبتت صحة أسانيدها، قول يحتاج إلى ما يؤيده، بل هي دعوى جريئة صادرة من غير تعقل وروية. وأمثال هذه المجازفات في الأحكام التي لا تستند إلى دليل لا تصلح في الأمور العلمية، وخاصة إذا كان ذلك في موضع النقد، لأن صاحبها يصبح حينئذ مكشوفا أمام المنقود لتهافت زعمه وضعف قوله. مثاله هذه الدعوى التي أطلقها هؤلاء قاطعين بها من غير احتمال، وهي تعكس صورة حقيقية لضحالة علمهم وتضعضع أحكامهم، وعدم تثبتهم وتحريهم.”[9]

ولو استقصينا ما ذكره علماء الحديث من قواعد لنقد متن الحديث ومعرفة الموضوع منه، لوجدنا الأدلة الثابتة الجلية تناقض ما يدّعون وتخالف ما يزعمون[10].

يقول محمد أبو شهبة: “وكما عني المُحَدِّثُونَ بنقد الأسانيد – النقد الخارجي – عنوا بنقد المتون – النقد الداخلي – وليس أدلَّ على هذا أنهم جعلوا من أمارة الحديث الموضوع مخالفته للعقل أو المشاهدة والحس مع عدم إمكان تأويله تأويلاً قريباً محتملاً وأنهم كثيراً ما يَرُدُّونَ الحديث لمخالفته للقرآن أو السُنَّة المشهورة الصحيحة أو التاريخ المعروف مع تعذر التوفيق، وأنهم جعلوا من أقسام الحديث الضعيف المنكر والشاذ، ومُعَلَّلَ المتن ومضطرب المتن إلى غير ذلك.”[11]

  • الكشف عن بطلان الأدلة المحتج بها للطعن في السنّة:

كثيرا ما يستدل أصحاب الشبهات بأدلة نقلية لا تثبت ويحتجون بالروايات الواهية والموضوعة ليشككوا فيما هو قطعي وثابت، فيبنون عليها نتائجهم ويؤسسون عليها أباطيلهم. لكن العلماء الراسخين قد انتبهوا إلى هذه المغالطات وكشفوا بطلان ما يستدلون به من نقول من خلال أقوال الأئمة الثقات، الذين يرجع إليهم في معرفة الصحيح من الضعيف والمقبول من المردود.

المثال الأول: خبر إحراق أبي بكر الصديق رضي الله عنه لما كتبه من الأحاديث ليستدل به على امتناع كبار الصحابة عن التحديث ونهيهم عن كتابة الحديث. هذا الخبر أورده أبو رية في كتابه “أضواء على السنة المحمدية”، وقال عقبه في الهامش: “والسيد رشيد إذا أشار إلى خبر في مثل ذلك أو استشهد بحديث فثق بأنه صحيح لا ريب فيه لأنه كان من صيارفة الحديث”[12].

لكن الشيخ المعلمي في كتابه (الأنوار الكاشفة) بيّن ضعف الخبر و كشف تجنُّب أبي رية ذكر أقوال العلماء في بيان درجته، فقال: “لكن الخبر ليس بصحيح، أحال به أبو رية على تذكرة الحفاظ للذهبي وجمع الجوامع للسيوطي ولم يذكر طعنهما فيه، ففي التذكرة عقبه: (فهذا لا يصح) وفي كنز العمال وهو ترتيب جمع الجوامع ومنه أخذ أبو رية: (قال ابن كثير: هذا غريب من هذا الوجه جداً، وعلي بن صالح أحد رجال سنده لا يعرف)، أقول: وفي السند غيره ممن فيه نظر[13].

المثال الثاني: احتج منكرو حجية السنة قديما وحديثا بهذا الخبر : «مَا جَاءَكُم عَني من حَدِيث فاعرضوه على الْقُرْآن، فَإِن وجدْتُم لَهُ أصلا فَخُذُوا بِهِ وَإِلَّا فَردُّوهُ»[14].

وقد ذكر أئمة العلم عدم صحة هذا الحديث، فنقل السيوطي عن البيهقي قوله: “والحديث الذي روي في عرض الحديث على القرآن باطل لا يصح، وهو ينعكس على نفسه بالبطلان… ثم قال البيهقي: باب بيان بطلان ما يحتج به بعض من رد الأخبار من الأخبار التي رواها بعض الضعفاء في عرض السنة على القرآن. قال الشافعي: احتج على بعض من رد الأخبار بما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: “ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فأنا قلته وما خالفه فلم أقله”. فقلت له: ما روى هذا أحد يثبت حديثه في شيء صغير ولا كبير وإنما هي رواية منقطعة عن رجل مجهول، ونحن لا نقبل مثل هذه الرواية في شيء.”[15]

والأمثلة في هذا الباب كثيرة، لكنني اقتصرت على هذين المثالين ليتبين لنا حرص العلماء على كشف تهافت الشبهات المستندة إلى الأخبار الموضوعة والواهية. فأصحاب الأهواء لا يتقيدون بمنهج علمي رصين، فتجدهم يردّون الأحاديث الصحيحة بينما يتمسكون بالأخبار الضعيفة والمكذوبة.

قال إسماعيل بن محمد الأصبهاني: “قيل: من احتج بحديث ضعيف في معارضة حديث صحيح، أو حديث مرسل في معارضة حديث مسند، أو احتج بقول تابعي في معارضة قول النبي – صلى الله عليه وسلم -‌‌ لا يتساويان. فإن من اتبع قول الرسول – صلى الله عليه وسلم – فقد استمسك بما هو الحجة قطعا، ومن احتج بالثابت القوي أحسن حالا ممن احتج بالواهي الضعيف، وبهذا استبان الاتباع من غيره، لأن صاحب السنة لا يتبع إلا ما هو الأقوى وأصحاب الأهواء وصاحب الهوى يتبع ما يهوى.”[16]

  • بيان تحريف معاني الأدلة النقلية المحتج بها من لدن خصوم السنّة:

قد يكون الدليل النقلي الذي يستند إليه الطاعنون في السنة النبوية صحيحا من جهة ثبوته، إلا أنهم يحرفون دلالته أو يؤولونه تأويلا  غير مستساغ، فيعمل المنتصر للسنة على كشف مواطن الزلل التي جعلتهم يقعون في تلك الأغلاط الفاحشة.

وقد يكون التحريف في دلالات الألفاظ أو بسبب عدم فهمه في ضوء السياق أو غيرها من الأسباب الموقعة في الفهم السطحي والساذج لكثير من النقول. وهذه بعض الأمثلة التي انتبه إليها العلماء في ردّهم على خصوم السنة:

المثال الأول: يستدل الطاعنون في السنة النبوية بأحاديث صحيحة فهموا منها وجود التنافي بينها وبين قول المحدثين بعدالة جميع الصحابة. منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تُحْشَرُونَ ‌حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ الأنبياء: 104، فَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ يُؤْخَذُ بِرِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِي ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ..»[17].

استنادا إلى هذا الحديث وأمثاله نجد أبا رية يزعم في كتابه أضواء على السنة أن: ” القول بعدالة جميع الصحابة، وتقديس كتب الحديث يرجع إليهما كل ما أصاب الإسلام من طعنات أعدائه، وضيق صدور ذوي الفكر من أوليائه. ذلك بأن عدالة جميع الصحابة تستلزم ولا ريب الثقة بما يروون، وما رووه قد حملته كتب الحديث بما فيه من غثاء- وهذا الغثاء هو مبعث الضرر وأصل الداء.”[18]

والخطأ الذي وقع فيه خصوم السنة النبوية في فهم هذا الحديث ظاهر من وجهين:

الأول: عدم فهمهم لما يقصده المحدثون من قولهم “عدالة الصحابة”، لأن المراد بذلك عندهم ” أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لما اتصفوا به من قوة الإيمان والتزام التقوى والمروءة وَسُمُوِّ الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصي أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم”[19].

والثاني: أن الذين ارتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لا يشملهم تعريف الصحابي عند أهل الحديث، لأنهم يشترطون فيه أن يلقى النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ويموت على الإسلام[20].

يقول الأمين الصادق الأمين: ” والمراد بهم- أي المذكورون في حديث الحوض- من ارتد عن الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء لا يعدون من صحابته صلى الله عليه سلم. وقد جاء في روايات الحديث ما يؤيد ذلك، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «فيقال إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم»[21] وقوله صلى الله عليه وسلم: «إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى»[22] وقال الخطابي[23]: لم يرتد من الصحابة أحد وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب ممن لا نصرة له في الدين، وذلك لا يوجب قدحا في الصحابة المشهورين، ويدل قوله (أصيحابي)[24] بالتصغير على قلة عددهم”[25].

وذهب محمد محمد أبو زهو إلى أن المراد بهم في حديث الحوض هم نفر من المنافقين، حيث قال: “النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد بالأقوام في الحديث أصحابه، الذين صدقوا في الإيمان، وإنما أراد بهم نفرا قليلا كانوا من المنافقين الذين لم يخلصوا الإيمان، وفيهم يقول الله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ التوبة: 102، وهؤلاء كانوا يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد، ويحضرون معه المغازي لا لإعلاء كلمة الله بل لأغراض أخرى كطلب الغنيمة، أو تثبيطهم المؤمنين، أو نحو ذلك فكانوا في الظاهر معدودين من الصحابة، وهم في الواقع كفار وقد أظهروا ما كانوا يضمرون بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكفر، والعداوة للمؤمنين وارتدوا عن الإسلام، وأما الأصحاب الصادقون فلم يكن من أحد منهم ردة أصلا، وجميعهم مات على الإيمان والحمد لله.”[26]

المثال الثاني: لقد بالغ المشككون في السنة النبوية في الطعن في الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه لكونه من أكثر الصحابة رواية للحديث، فأوردوا أحاديث صحيحة اتخذوها حجة للطعن في عدالته، كالحديث الذي رواه الشيخان عن عبد الرحمن الأعرج قال: أخبرني أبو هريرة قال: «إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهُ المَوْعِدُ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا، أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ‌مِلْءِ ‌بَطْنِي)[27]، ورواية مسلم فيها (أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ‌مِلْءِ ‌بَطْنِي»[28].

قال أبو رية: ” كان أبو هريرة صريحاً صادقاً في الإبانة عن سبب صحبته للنبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كما كان صريحاً صادقاً في الكشف عن حقيقة نشأته. فلم يقل: إنه صَاحَبَهُ للمحبة والهداية، كما كان يصاحبه غيره من سائر المسلمينَ، وإنما قال: إنه صاحبه على ملء بطنه”[29].

يقول السباعي في رده على هذا الفهم السقيم لهذا الحديث: “هذا كلام لا يقوله إلا موتور! ولا يفهم معنى كلام أبي هريرة على هذا إلا من في عقله خلل، أو في صدره دغل، وإلا فكيف يسوغ لعاقل أن يفهم أن أبا هريرة يترك بلاده وقبيلته وأرضه التي نشأ فيها ويترك ذلك كله بعيداً ليأتي إلى رسول الله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ليأكل ويشرب فقط؟”[30].

ثم يضيف مبينا المعنى الصحيح لهذا الحديث: “ولم يكن ذلك في صدد الباعث له على صحبة النَّبِيّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كما زعم «أَبُو رَيَّةَ» بل في صدد السبب الذي من أجله كان أكثر الصحابة حَدِيثًا. لقد كان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق في التجارة، وكان الأنصار أصحاب زرع تشغلهم زراعتهم، في حين أنه هو كان يلازم النَّبِيّ ويخدمه أينما ذهب، فأين يأتي زعم «أَبِي رَيَّةَ» بأنه كان صريحاً صادقاً في كشف سبب صُحْبَتِهِ للنبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟”[31]

  • بيان تحريف الطاعنين بفصلهم الدليل المحتج به عن باقي أدلة الباب:

من الضوابط الأساسية التي قررها أئمة العلم لفهم نصوص الوحي قرآنا وسنة، أن تستقصى وتجمع كل النصوص التي تتعلق بموضوع محدد، حتى يقارن بينها ويفهم تأثير بعضها على بعض من حيث الدلالة، ويدفع ما قد يبدو تعارضا ظاهريا بالجمع بينها أو الترجيح أو بيان النسخ، ثم يستنبط الناظر فيها حكما أو يبني على أساسها فهما و تصورا، لأن فهم النصوص وتحليلها يكون بالنظر الكلي الذي يتحقق به التكامل الدلالي بينها.

وكثير من الشبهات التي أثيرت حول السنة النبوية مردها إلى النظرة التجزيئية المعتمدة على انتقاء النصوص التي يراها أصحاب الشبهات تخدم أهدافهم وتحقق أغراضهم.

يقول الدكتور القرضاوي: “إن بعض الناس يكفيه أن يجد نصا واحدا، غالبا ما يكون متشابها- أعني محتمل الدلالة – معرِضا عن النصوص الأخرى التي تعارضه، وربما تنقضه من أساسه. ويحدث هذا- في الأغلب -بالنسبة إلى السنة النبوية. فقد يقرأ أحدهم حديثا مفردا لعله ورد في مناسبة خاصة، وفي قضية بعينها، قد تكون لها ظروفها وملابساتها التي لا تمتد إلى غيرها، فيتشبث بهذا الحديث ويعض عليه بالنواجذ، ولا يربطه بغيره من الأحاديث في موضوعه.”[32]

إن المنكرين لحجية السنة النبوية تجدهم يتمسكون بحديث أبي سعيد الخدري أَنَّ رَسُولَ اللهَّ صَلَّى اللهُّ عَلَيهِ وَسَلَّم قَالَ: «لَا تَكْتبُوُا عَنيِّ وَمَن كَتبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنَ فلْيمَحُهُ وَحَدِّثُوا عَنيِّ وَلَاَ حرَج وَمَن كَذَب علَّيَّ متعَمِّدًا فَليَتبَوَّأ مَقْعَدَه مِن الناَّرِ»[33].

ففهموا من النهي الوارد في هذا الحديث أن السنة ليست حجة في التشريع، بينما نجدهم يغضون الطرف عن باقي الأحاديث الصحيحة الصريحة التي أذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم بالكتابة.

وقد بين أئمة العلم حقيقة النهي عن الكتابة بالجمع بين الأحاديث التي ورد فيها النهي وتلك التي دلت على إباحة الكتابة، ومنها:

ما ذكره الخطابي: ” يشبه أن يكون النهي متقدماً وآخر الأمرين الإباحة، وقد قيل أنه إنما نهى أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط به ويشتبه على القارئ، فأما أن يكون نفس الكتاب محظوراً وتقييد العلم بالخط منهياً عنه فلا. وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته بالتبليغ وقال ليبلغ الشاهد الغائب فإذا لم يقيدوا ما يسمعونه منه تعذر التبليغ ولم يؤمن ذهاب العلم وأن يسقط أكثر الحديث فلا يبلغ آخر القرون من الأمة، والنسيان من طبع أكثر البشر والحفظ غير مأمون عليه الغلط، وقد قال صلى الله عليه وسلم لرجل شكى إليه سوء الحفظ استعن بيمينك، وقال اكتبوها لأبي شاه خطبة خطبها فاستكتبها وقد كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتباً في الصدقات والمعاقل والديات أو كتبت عنه فعمل بها الأمة وتناقلتها الرواة ولم ينكرها أحد من علماء السلف والخلف فدل ذلك على جواز كتابة الحديث والعلم والله أعلم.”[34]

ويزيد الإمام النووي هذا الأمر توضيحا بقوله: “واختلفوا في المراد بهذا الحديث الوارد في النهي، فقيل هو في حق من يوثق بحفظه ويخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب، وتحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على من لا يوثق بحفظه كحديث اكتبوا لأبي شاه وحديث صحيفة علي رضي الله عنه وحديث كتاب عمرو بن حزم الذي فيه الفرائض والسنن والديات وحديث كتاب الصدقة ونصب الزكاة الذي بعث به أبو بكر رضي الله عنه أنسا رضي الله عنه حين وجهه إلى البحرين وحديث أبي هريرة أن ابن عمرو بن العاص كان يكتب ولا أكتب وغير ذلك من الأحاديث، وقيل إن حديث النهي منسوخ بهذه الأحاديث وكان النهي حين خيف اختلاطه بالقرآن فلما أمن ذلك أذن في الكتابة، وقيل إنما نهى عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط فيشتبه على القارئ في صحيفة واحدة والله أعلم”[35].

فتبين لكل منصف بعد إيراد هذه النقول بُعدَ الطاعنين في السنة عن المنهج العلمي لتعمدهم انتقاء الأحاديث وترك فهمها بالجمع بين النصوص الواردة في الموضوع الواحد، وبذلك تبطل الشبهة التي أقاموا بنيانها على فهم مجتزئ للنصوص، بل من العجب أن يجمعوا بين إنكار حجية السنة والاستدلال بما دوّن منها من أحاديث، فهذا من التناقض الصارخ في منهجهم.

  • تفنيد الشبهة بعرضها على حقائق التاريخ:

يلجأ خصوم السنة النبوية إلى التشكيك في ما يعتقده المسلم أمرا مسلّمًا به بإطلاق الدعاوى التي تتعارض مع ما هو ثابت ويقين. لكن بعرض تلك الدعاوى على حقائق التاريخ يتبيّن بطلانها وينكشف عوارها وينمحي عارها.

ومثال ذلك: اتهام ابن شهاب الزهري[36] بوضع الحديث إرضاء لحكام الأمويين وتثبيتا لملكهم. هذا الاتهام الذي اختلقه بعض أدعياء الشيعة وتلقفه المستشرقون ومن سار على دربهم من المثقفين، الغرض منه ليس فقط التشكيك في مكانة علَم بارز من أعلام التابعين الذين اشتهروا بخدمة الحديث النبوي، بل التشكيك في صحيح السنة النبوية وهدم جزء مهم من الجانب التشريعي في الإسلام.

فكان مما ادعاه المشككون[37]: أن عبد الملك بن مروان منع أهل الشام من الحج، وبنى قبة الصخرة في المسجد الأقصى ليحج الناس إليها ويطوفوا حولها بدلاً من الكعبة، و أنه حملهم على الحج إليها بعقيدة دينية، فطلب من ابن شهاب الزهري الذي كان صديقًا له وكان يتردد عليه، أن يضع لهم أحاديث في فضل بيت المقدس منها حديث: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَاّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ»[38].

يحكي الشيخ مصطفى السباعي عن حديث دار بينه وبين المستشرق شاخت حول بعض السقطات العلمية التي بنى عليها سلفه جولدتسيهر شبهاته فيقول: “فانتقلت إلى بحث تحليله لموقف ‌الزُّهْرِي من عبد الملك بن مروان، وذكرت له من الحقائق التاريخية ما ينفي ما زعمه جولدتسيهر – وقد ذكرت ذلك في هذا الكتاب – وبعد مناقشة في هذا الموضوع قال: وهذا خطأ أيضاً من جولدتسيهر، ألَا يخطئ العلماء؟ قلتُ له: إن جولدتسيهر هو مؤسس المدرسة الاستشراقية التي تبني حُكمها في التشريع الإسلامي على وقائع التاريخ نفسه، فلماذا لم يستعمل مبدأه هنا حين تكلم عن ‌الزُّهْرِي؟ وكيف جاز له أن يحكم على ‌الزُّهْرِي بأنه وضع حديث فضل المسجد الأقصى إرضاء لعبد الملك ضد ابن الزبير، مع أن ‌الزُّهْرِي لم يلق عبد الملك إلا بعد سبع سنوات من مقتل ابن الزبير؟ وهنا اصفرَّ وجه «شَاخْتْ» وأخذ يفرك يداً بيد. وبدا عليه الغيظ والاضطراب، فأنهيت الحديث معه بأن قلت له: لقد كانت مثل هذه «الأخطاء» كما تسميها أنت، تشتهر في القرن الماضي، ويتناقلها مستشرق منكم عن آخر على أنها حقائق علمية”[39].

مثال آخر وقف عنده الأعظمي ليكشف تخبّط المستشرق “شاخت” في ادعاءاته بعرضها على حقائق التاريخ. هذا المستشرق طعن في صحة الكلام المنقول عن محمد بن سيرين بخصوص بداية المطالبة بالإسناد بعد وقوع الفتنة[40]، ليصل إلى نتيجة مفادها تأخر المطالبة بالإسناد إلى القرن الثاني الهجري. واستدل شاخت في رفضه فكرة بداية المطالبة بالإسناد قبل القرن الثاني الهجري، بأن الفتنة بدأت بمقتل الوليد بن يزيد سنة 126ه على مقربة من نهاية الدولة الأموية و أن تاريخ وفاة ابن سيرين كانت سنة 110ه، وبالتالي فنسبة ذلك الكلام إلى ابن سيرين غير صحيحة وأن الأثر موضوع.[41]

يردّ  الأعظمي على هذه المغالطة قائلا: “ومن الواضح الآن أن كل مناقشته مبنية على تفسيره لكلمة فتنة وهو تفسير تابع لهواه. وفي الحقيقة أنه لم يُذكر في التاريخ الإسلامي أن عام 126ه يعتبر نقطة تحول ونهاية الأيام القديمة الجميلة، وإذا كان هناك عصر يعتبره المسلمون بهذا الوصف فهو عصر الخلفاء الراشدين لا غير. ومن الناحية الثانية كانت هناك فتن عديدة في تاريخ الإسلام قبل هذا التاريخ…ولذا نقول بأي مبرر يجب تفسير هذه الفتنة بفتنة مقتل الوليد بن يزيد. وإذا كان للمرء أن يفسر الأحداث تبعا لهوى في النفس ضاربا بكافة الحقائق التاريخية عرض الحائط فيمكن إذن أن نفسر الفتنة بفتنة هولاكو أو التتار. وهكذا نرى شاخت يأخذ الحادثة ويفسرها حسبما يشتهي لإثبات نظريات تحقق الغرض الذي يرمي إليه مع تجاهل تام لكافة الحقائق التاريخية.”[42]

  • إبطال الشبهات التي لم يلتزم أصحابها الأمانة العلمية في إثارتها:

إن من أساسيات البحث العلمي الجاد، أن يلتزم الباحث الأمانة العلمية التي تقتضي منه أن ينقل الأقوال كاملة دون بتر مفسد للمعنى أو تقطيع مخل به، وأن يحرص على توثيق النصوص بنسبتها إلى قائليها، حتى يكون لما يستخلصه من أحكام ونتائج مصداقية وموثوقية معتبرتين.

إلا أن كتابات المشككين في السنة تجدها حافلة بالأخطاء المرتبطة بالأمانة العلمية، من حيث تعمّد بتر النصوص عن سياقاتها، وتقطيعها بما يخدم أفكارهم المسبقة، أو تحريف العبارات بالتغيير والتبديل، أو نسبة الأقوال إلى غير قائليها أو ذكر بعضها بدون توثيق لمصادرها وغيرها من السقطات التي تجعل ما يزعمونه من “بحث علمي” محل شك وريبة.

وقد عمل المنتصرون للسنّة على فضح هذه الأخطاء التي بنى عليها الطاعنون في السنة كثيرا من شبهاتهم وأباطيلهم، وبينوا خطورة ما قد يترتب عليها من قلب للحقائق وتحريف للوقائع. وهذه بعض الأمثلة:

ذكر أبو رية مثالا للإدراج في آخر الحديث ليبرهن على أن من الأحاديث الصحيحة ما هو موضوع، فقال: “أما الإدراج الذي في آخر الحديث، فقد جاء في حديث الكسوف – وهو في الصحيح: أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة. قال الغزالي إن هذه الزيادة لم يصح نقلها فيجب تكذيب قائلها.”[43]

ردّ عليه المعلمي قائلا: “تحصل من كلامه أن (فإذا رأيتم إلخ) طعن فيها العراقي  وقال ما قال. وهذا من تخليط أبي رية إنما الكلام في زيادة أخرى وقعت عند ابن ماجة لفظها (فإن الله إذا تجلى لشيء خشع له) والطاعن فيها هو الغزالي لا العراقي[44]– راجع توجيه النظر ص182 وفتح الباري 2/445. وبهذا وغيره يتبين أن أبا رية غير موثوق بنقله.[45]

والسقطة التي وقع فيها أبو رية ثابتة من وجهين:

أما الأول فهو الطعن في حديث صحيح بادعاء وجود كلام مدرج فيه ونسبة ذلك الطعن إلى العلماء، بينما الإدراج الذي أشار إليه أهل العلم فمتعلق بعبارة أخرى غير واردة في الروايات الصحيحة.

وأما الثاني فهو الخلط بين الإدراج والوضع في الحديث، فجعلهما واحدا، وهذا ما لم يقل به أحد من علماء الحديث. فالإدراج سببه الالتباس على الراوي والتوهم أما الوضع فخاص بما تعمّد فيه الراوي وقصده[46].

ومثال آخر من كشف تحريف خصوم السنّة للكلام المنقول، ما ذكره الدكتور السباعي رحمه الله عن تعمد المستشرق جولدتسيهر قلب المعاني ليطعن في رواة الحديث النبوي، فقال: “زعم جولدتسيهر أَنَّ الزُّهْرِيَّ اعترف اعترافاً خطيراً في قوله الذي رواه عنه معمر: «إِنَّ ‌هَؤُلَاءِ ‌الأُمَرَاءِ أَكْرَهُونَا عَلَى كِتَابَةِ أَحَادِيثَ» وأن ذلك يفهم استعداد الزُّهْرِيِّ لأَنْ يَكْسُوَ رَغَبَاتِ الحكومة باسمه المعترف به عند الأمة الإسلامية”[47].

ثم وضح المغالطات التي حاول هذا المستشرق أن يبني عليها طعونه، فقال: “أما هذا النص الذي نقله ففيه تحريف مُتَعَمَّدٌ يقلب المعنى رأساً على عقب، وأصله كما في ابن عساكر وابن سعد: أن الزُّهْرِي كان يمتنع عن كتابة الأحاديث للناس – ويظهر أنه كان يفعل ذلك ليعتمدوا على ذاكرتهم، وَلَا يَتَّكِلُوا على الكتب كما ذكرنا من قبل – فلما طلب منه هشام وَأَصَرَّ عَلَيْهِ أَنْ يمليَ على ولده ليمتحن حفظه كما تقدم، وأملى عليه أربعمائة حديث، خرج من عند هشام وقال بأعلى صوته: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا كُنَّا مَنَعْنَاكُمْ أَمْرًا قَدْ بَذَلْنَاهُ الآنَ لِهَؤُلَاءِ، وَإِنَّ ‌هَؤُلَاءِ ‌الأُمَرَاء أَكْرَهُونَا عَلَى كِتَابَةِ (الأَحَادِيثِ) فَتَعَالَوْا حَتَّى أُحَدِّثَكُمْ بِهَا فَحَدَّثَهُمْ بِالأَرْبَعِمِائَةَ الحَدِيث». هذا هو النص التاريخي لقول الزُّهْرِي، وقد رواه الخطيب بلفظ آخر وهو: «كُنَّا نَكْرَهُ كِتَابَ العِلْمِ – أَيْ كِتَابَتَهُ – حَتَّى أَكْرَهَنَا عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ الأُمَرَاءُ فَرَأَيْنَا أَنْ لَا نَمْنَعَهُ أَحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ». فانظر كم الفرق بين أن يكون قول الزُّهْرِيِّ كما روى جولدتسيهر: «أَكْرَهُونَا عَلَى كِتَابَةِ أَحَادِيثَ» وبين أن يكون قوله كَمَا رَوَاهُ المُؤَرِّخُونَ: «أَكْرَهُونَا عَلَى كِتَابَةِ الأَحَادِيثِ» أو كما رواه الخطيب: «عَلَى كِتَابَةِ العِلْمِ» ثم انظر إلى هذه الأمانة العلمية حذف «الـ» من «الأحاديث» فقلبت الفضيلة رذيلة .. حيث كان النص الأصلي يدل على أمانة الزُّهْرِي وإخلاصه في نشر العلم، فلم يرض أن يبذل للأمراء ما منعه عن عامة الناس إلا أن يبذله للناس جميعاً، فإذا أمانة هذا المستشرق تجعله ينسب للزهري أنه وضع للأمراء أحاديث أكرهوه عليها، فأين هذا من ذاك؟؟.”[48]

  • افتراض صحة الشبهة يؤدي إلى نتائج غير منطقية:

من أهم الوسائل التي اعتمدها العلماء في مواجهة شبهات المخالفين هي الافتراض الجدلي، ومعناه أن نسلّم جدلا بصحة الشبهة ثم يتبيّن أن نتائج هذا التسليم تكون مناقضة للواقع. فمقدمات الشبهة لا تفيد النتائج التي تدعيها وتريد الوصول إليها.

ومن أمثلة هذه الطريقة في المحاججة وإثبات بطلان رأي المخالف افتراض الشيخ السباعي صحة ما زعمه المستشرق جولدتسيهر من استغلال الأمويين للإمام الزهري في وضع الأحاديث الموافقة لأهوائهم، ثم أتبع هذا الافتراض بجملة من الأسئلة المنطقية التي تنسف الشبهة من أصلها.

يقول الشيخ السباعي: “ونحن نعلم أن الزُّهْرِي نشأ بالمدينة وأخذ عن شيوخها، جلس إلى سعيد بن المسيب حتى مات سعيد، وأخذ عنه مالك في كل مَرَّةٍ يأتي بها إلى المدينة، وظل يتردد بين المدينة والشام – كما قال الزُّهْرِي – خمساً وثلاثين سَنَةٍ، فلماذا لم يبغضه علماؤها؟ لماذا لم يُكَذِّبُوهُ لو صح أنه كَذَبَ للأمويين؟ لماذا لم يتبرأ منه شيخه سعيد وهو الذي لم يبال بعبد الملك في سطوته وجبروته؟ ما الذي دعاهم إلى السكوت عنه؟ أهو الخوف؟ لم يكونوا يعرفون خوفاً في نقد الرجال، من الخليفة إلى أقل رجل في المجتمع، وَهَبْ أَنَّهُمْ خَافُوهُ، فلماذا لم ينقده العلماء في دولة بني العباس؟ لماذا لم يهاجمه أنصار بني العباس، كما هاجموا خلفاء بني أمية وأمراءهم وأعوانهم؟ لماذا سكت عنه علماء الجرح والتعديل: من أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والبخاري ومسلم وابن أبي حاتم وأضرابهم مِمَّنْ كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فكيف إذا كان النقد لرجل من أكبر رجال الدولة الأموية وأعظمهم شهرة؟ أليس في سكوت علماء المدينة وشيوخها وفي مقدمتهم شيخه سعيد، ثم في أخذهم عنه وأخذ العلماء عنه من كل فج، وفي توثيق علماء الجرح والتعديل له في العصر العباسي – رغماً عن صلته بالخلفاء الأُمَوِيِّينَ. أكبر دليل على أَنَّ الرجل كان فوق متناول الشُبَهِ وأرفع من أَنْ تعلق به أَلْسِنَةُ السُّوءِ، وأكرم من أَنْ يُوصَفَ بِكَذِبٍ، أو وضع، أو ممالأة لأهل الظلم والباطل؟”[49].

  • استبعاد ما لا تحكمه علاقة اللزوم بين الدليل والمدلول:

نظر العلماء في كثير من الأدلة التي يسوقها خصوم السنة النبوية لدعم آرائهم وشبهاتهم، فتبيّن لهم انعدام التلازم بينها وبين ما يستدلون عليه، فلم يفوتوا الفرصة لكشف هذا الخطأ الجسيم في الاستدلال، والذي تنتقض به الشبهة وتبطل الدعوى لكونه مجرد مغالطات لا تنطلي على أولي الأفهام السليمة.

ومثاله استدلال أبي رية في كتابه أضواء على السنة المحمدية ليستنقص من قيمة الصحيحين، بوجود استشكالات للنووي وابن حجر في شرحيهما على كثير من أحاديث الصحيحين و بتأليف المستخرجات عليهما، فيقول:

“وكذلك نجد في شرح ابن حجر للبخاري والنووي لمسلم استشكالات كثيرة[50] وأُلّف عليهما مستخرجات متعددة، فإذا كان البخاري ومسلم وهما الصحيحان – كما يسمونهما – يحملان كل هذه العلل والانتقادات وقيل فيهما كل هذا الكلام، دع ما وراء ذلك من تسرب الإسرائيليات وخطأ النقل بالمعنى وغير ذلك في روايتهما، فترى ما يكون الأمر في غير البخاري ومسلم من كتب الأحاديث”[51].

وقد بيّن العلماء بطلان هذا الاستدلال لعدم وجود التلازم بين الدليل والمدلول، منهم الأمين الصادق الأمين الذي قال: “إن استشكال بعض الأحاديث الصحيحة لا يدل على بطلانها، إذ الناس تختلف مداركهم وأفهامهم وخاصة إذا كان المستشكل يتعلق بأمر غيبي لقصور الناس في جانب علم الله تعالى وحكمته…وهل ما استشكله النووي أو الحافظ ابن حجر حكما عليه بالضعف وعدم الصحة حتى يتخذ ذلك وسيلة للطعن في الصحيحين؟ أم هو الادعاء الباطل الذي لا يمت إلى الحقيقة بصلة؟ وقد رأينا كيف دافع النووي وابن حجر عن أحاديث الصحيحين بحيث لم يدعا لطاعن فيهما مجالا.”[52]

أما بخصوص المستخرجات فيقول: “وجود المستخرجات على الصحيحين لا يؤدي إلى طعن فيهما، ولا قدح في أحاديثهما. وقد هدف مؤلفوها إلى تقديم خدمات جليلة للصحيحين، لما تحويه المستخرجات من فوائد جمة ومنافع عدة…فلا أدري كيف اعتبر أبو رية وجود المستخرجات على الصحيحين عللا تقدح في أحاديثهما وتطعن في صحتهما؟ فلعله جهل موضوع المستخرجات أو فهمه فهما خاطئا، ولذلك جاءت عبارته منافية للحق، مجافية للصواب، دالة على ضحالة علم صاحبها وقلة معرفته.”[53]

  • بيان خروج المشككين في السنة عن قواعد المنهج العلمي الموضوعي فيما يدعونه بحوثا علمية:

إن أبرز ما يتشدق به المشككون في السنة النبوية في العصر الحديث هو زعمهم التمسك بالمنهج العلمي الدقيق في بحوثهم، إلا أن المنتصرين للسنّة وقفوا على كثير من التجاوزات لأصول وقواعد المنهج العلمي المتعارف عليها في البحوث والدراسات الموضوعية، وبيّنوا العديد من العيوب المنهجية التي تطعن في سلامة وصحة ما توصلوا إليه من أحكام ونتائج حول السنة النبوية.

وهذه بعض الأمثلة الواضحة لتلك العيوب[54] التي تنزع عن أبحاثهم كل قيمة علمية:

  • إصدار أحكام عامة بناء على حالات شاذة وليس على الاستقراء:

إن الباحث الموضوعي هو الذي لا يصدر حكما ولا ينتهي إلى نتيجة إلا بعد استقراء النصوص وجمع الأدلة الكافية. فهذا يُعدّ من مسلمات البحث العلمي العاصمة من الوقوع في التعميمات الفاسدة والأحكام الخاطئة.

وقد وقف علماؤنا على كثير من السقطات التي وقع فيها الطاعنون في السنة النبوية جراء اكتفائهم بنص واحد أو حالة شاذة ثم يجعلون منها ظاهرة وحكما عامًّا.

يدّعي المستشرق شاخت أن وجود راو مشترك عليه مدار الإسناد دليل قاطع على أن هذا الراوي هو من وضع الحديث واختلقه، بل جعل ذلك معيارا لمعرفة تاريخ اختلاق الحديث، ومن أجل تأكيد نظريته العامة عن الوضع في السنة النبوية، لم يسُق سوى حديثا واحدا من رواية عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن المطلب عن جابر رضي الله عنه مرفوعاً: «لحم الصيد حلال لكم في الإحرام، ما لم تصيدوه»[55].

وقد ردّ عليه الأعظمي مبيناً أخطاءه في الاستدلال بذلك الحديث فقال: “يُلاحظ أن “شاخت” لإثبات نظريته جاء بمثال واحد فقط، مع ادعائه أن هذه ظاهرة عامة في الأحاديث … ولا يبدو إطلاقاً أن “شاخت” بذل وقتاً كافياً في بحث أسانيد أكثر الأحاديث الفقهية، الأمر اللازم لتكوين نظرية ما من هذا النوع، فضلاً عن دراسة لظاهرة كافة أسانيد الأحاديث الفقهية. وإلا فتكوين نظرية وإعطاؤها صبغة الوقوع الغالبي والاعتيادي بناءً على هذه الدراسة الضئيلة الهزيلة ليس ذا قيمة في مجال البحث العلمي.”[56]

  • الإفراط في الشك والإنكار بدون قرائن مقبولة علميا:

يكون الشك مشروعاً ومطلوباً في البحث العلمي بوصفه مرحلة أولى قصدُها هو التثبت في الأمر والتحقق من المعلومة إذا خضع لمعايير موضوعية علمية بعيدة عن الذاتية والتحيز. أما إذا كان الشك فيه إفراط وإنكار ونفي من دون بينة أو قرينة مقبولة، فسيتحول إلى سفسطة تنفي الحقائق وتنقض اليقينيات.

إن الشبهات التي أثارها خصوم السنّة النبوية تجاوزت الشك المنهجي العلمي وأفرطت في استعماله ولو بدون أدلة علمية وقرائن مقبولة مما حدا بهم إلى إنكار ورفض الحقائق. هذا العيب تفطّن له المدافعون عن السنّة وبيّنوا بطلان النتائج التي توصلوا إليها وبعدها عن الاستدلال العلمي الموضوعي.

ينكر المستشرق “وليم موير” وجود أيّ مجموعات كتابية للسنّة يمكن التأكّد منها قبل منتصف القرن الثاني الهجري[57].

هذا الإنكار الذي ليس سوى نتيجة للإفراط في الشك قد انتقده الدكتور حاكم عبيسان المطيري قائلا: “لا ينبغي أن يكون عدم وجود أصول هذه الكتب سببا للشك فيما ذكرَتْه المصادر التاريخية أو الشك فيما اقتبسته منها الكتب الأخرى.”[58]

ومما يقوي رفض التشكيك الذي أثاره “موير” أنه على فرض احتمال عدم وجود شيء من كتب تلك المرحلة بين المخطوطات الموجودة الآن، فإن ذلك لا يصلح دليلا على نفي وجود تلك الكتب في القرن الأول والثاني لاحتمال تعرضها للضياع مع مرور الزمن. بل بالرجوع إلى المصادر التاريخية التي ذكرت هذه الكتب وكذلك تلك التي اقتبست منها أو استوعبتها ونقلت جميع ما فيها من مادة علمية سنجد حديثاً عن كتب ورسائل عديدة تعود إلى القرنين الأولين، ومنها الكتب التي ألفها العلماء في النصف الأول من القرن الثاني ووصلتنا بعض مؤلفاتهم ك(الجامع) للإمام معمر بن راشد (ت152ه) وموطأ مالك (ت179ه)، وهذا كافٍ من الناحية التاريخية في إثبات وجود كتب حديثية أُلفت في القرن الأول”[59].

  • استقاء المعلومات من مصادر غير متخصصة في موضوع البحث:

هذا العيب وقع فيه كثير من المستشرقين أبرزهم شاخت في كتابه “أصول الفقه المحمدي” حيث وصل إلى نتيجة ادعى فيها وقوع تطوير الأسانيد بشكل تدريجي من خلال التزوير والوضع، وبالتالي لا يمكن الحكم بصحة أي حديث من أحاديث الأحكام المروية بالسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والسبب الرئيس الذي أوصله إلى هذه الأخطاء الجسيمة في دراسة الأسانيد برأي الشيخ الأعظمي هو سوء اختياره للمصادر البحثية، حيث اكتفى بكتب الفقه ولم يعتمد مصادر الحديث الأساسية.

يقول الشيخ الأعظمي: “لقد قام البروفسور شاخت بدراسة كتاب الموطأ للإمام مالك، والموطأ للإمام محمد الشيباني، وكتاب الأم للإمام الشافعي، وغني عن القول أن هذه الكتب أقرب ما تكون إلى الفقه من كتب الحديث، وعلى الرغم من ذلك فقد عمم نتيجته التي وصل إليها في دراسته لتلك الكتب، وفرضها على كافة كتب الحديث، وكأنه ليست هناك كتب خاصة بالأحاديث النبوية، وكأنه ليس هناك فرق بين طبيعة كتب الفقه وكتب الحديث، ويبدو أنه لم يتنبه إلى أسلوب الكتب الفقهية لأنه من المعلوم أن المفتي أو المحامي أو القاضي عندما يحكم في قضية أو يفتي في مسألة لا يكون مضطرا لأن يعطي للسائل كافة حيثيات الحكم أو الفتوى مع ذكر كافة الوثائق التي تعضده.”[60]

وبعدما شرح الشيخ الأعظمي طريقة الفقهاء في نقل الأحاديث في كتبهم واختلافها عن طريقة المحدثين، لخّص نتيجة بحثه قائلا: “إن كتب السيرة وكتب الفقه ليستا مكانا ومصدرا مناسبا لدراسة ظاهرة الأسانيد ونشأتها وتطورها…ولذلك كان من الخطأ العلمي الجسيم أن تدرس الأحاديث النبوية في الكتب الفقهية، ولذا فأيُّ دراسة أو نتيجة يصل إليها الباحث فيما يتعلق بالأحاديث النبوية أو الأسانيد في غير مصدرها الأصيل محكوم عليها بالإخفاق والعقم، لأنها لن توصل إلى النتيجة السليمة والمنطقية بل ستكون مخالفة للواقع.”[61]


[1]  مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة ص4-5.

[2]  السنة ومكانتها في التشريع ص3-4.

[3]  العقيدة والشريعة في الإسلام، إجنست جولدتسيهر ص97-98.

[4]  موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية، الأمين الصادق الأمين، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع الرياض، ط. الأولى 1418ه/ 1998م، ج1/436.

[5]  ‌‌الأمير كايتاني Leone Caetani ( 1869- 1926),ولد في رومة وتخرج من جامعتها وتعلم سبع لغات منها الفارسية والعربية، وتقلد سفارة إيطاليا في واشنطن. رحل إلى الهند وإيران ومصر وسوريا ولبنان وجمع مكتبة شرقية زاخرة بالمخطوطات النفيسة، وقد عد الأمير بمؤلفاته أكبر مستشرق في التاريخ العربي. من مؤلفاته: تاريخ البحر الأبيض المتوسط والشرق الإسلامي من 133 إلى 144 هـ، في 334 صفحة وحوليات الإسلام وانتشار الإسلام وتطور الحضارة وغيرها. انظر: المستشرقون لنجيب العقيقي ج1/ 372.

[6]  المستشرقون والحديث النبوي، محمد بهاء الدين، ص129.

[7]  أضواء على السنة المحمدية، محمود أبو رية، دار المعارف القاهرة ط. السادسة 1994م، ص258.

[8]  ضحى الإسلام ، لأحمد أمين مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة مصر ط. 2012، ص482.

[9]  موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية ج 2/407.

[10]  لمعرفة الضوابط التي وضعها المحدثون لمعرفة الحديث الموضوع، يرجى مطالعة كتاب “السنة ومكانتها في التشريع” لمصطفى السباعي ص300-303. وكتاب “الوضع في الحديث للدكتور عمر فلاتة، مكتبة الغزالي دمشق ط. 1401ه/ 1981م، ج1/ 70 وما بعدها.

[11]  دفاع عن السنة ص34.

[12]  أضواء على السنة النبوية ص22.

[13]  الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة، عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني، عالم الكتب بيروت ط. 1402ه/1982م، ص38.

[14]  حديث عرض السنة على القرآن احتج به الدكتور توفيق صدقي صاحب مقالة “الإسلام هو القرآن وحده” التي نشرتها مجلة المنار العدد7 من السنة التاسعة رجب 1324ه، وقد ردّ عليه الدكتور مصطفى السباعي في كتابه “السنة ومكانتها في التشريع” ص154،161.

قال ابن عبد البر: “قال عبد الرحمن بن مهدي: ” الزنادقة والخوارج وضعوا ذلك الحديث، يعني ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله فإن وافق كتاب الله فأنا قلته وإن خالف كتاب الله فلم أقله أنا، وكيف أخالف كتاب الله، وبه هداني الله» وهذه الألفاظ لا تصح عنه صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه، وقد عارض هذا الحديث قوم من أهل العلم فقالوا: نحن نعرض هذا الحديث على كتاب الله قبل كل شيء ونعتمد على ذلك، قالوا: فلما عرضناه على كتاب الله عز وجل وجدناه مخالفا لكتاب الله؛ لأنا لم نجد في كتاب الله ألا نقبل من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما وافق كتاب الله، بل وجدنا كتاب الله يطلق التأسي به والأمر بطاعته ويحذر المخالفة عن أمره جملة على كل حال “.جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر النمري أبو عمر (ت463ه) تح: الزهيري دار ابن الجوزي ط. الأولى 1417ه/1997م، 2/1189 رقم 2347.

[15]  مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة، ص10-21.

[16]  الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة، لإسماعيل بن محمد التيمي الأصبهاني، أبو القاسم، (المتوفى: 535ه) تح: محمد بن ربيع المدخلي، الناشر: دار الراية الرياض – السعودية / ط. الثانية، 1419هـ/1999م، ج 2/413.

[17]  أخرجه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، كتاب أحاديث الأنبياء باب قول الله ﴿واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها﴾ ج4/168، رقم 3447.

[18]  أضواء على السنة المحمدية ص312-313.

[19]  دفاع عن السنة ص107.

[20]  انظر التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح ، لعبد الرحيم بن الحسين العراقي (ت 806هـ) تح: عبد الرحمن محمد عثمان، المكتبة السلفية بالمدينة المنورة ط. الأولى، 1389هـ/1969م، ص292. ونزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (ت 852هـ) تح: نور الدين عتر، مطبعة الصباح، دمشق، ط. الثالثة، 1421 هـ/ 2000 م، ص111-112.

[21]  صحيح البخاري كتاب أحاديث الأنبياء، باب‌‌ قول الله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾، ج4/139، رقم 3349.

[22] ‌‌ صحيح البخاري كتاب الرقاق، باب في الحوض، ج8/120، رقم 6585.

[23]  ذكر قوله ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري، الناشر: دار السلام الرياض، ط. الثالثة 1421ه/2000م، ج11/468.

[24]  صحيح البخاري كتاب التفسير، تفسير سورة المائدة باب ﴿وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم﴾ ج6/25، رقم 4625. وكتاب الرقاق باب كيف الحشر، ج8/109، رقم 6526.

[25]  موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية 2/334-335.

[26]  الحديث والمحدثون ، لمحمد محمد أبو زهو. الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية الرياض ط. الثانية 1404ه/1984م، ص153.

[27]  صحيح البخاري كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الحجة على من قال: إن أحكام النبي صلى الله عليه وسلم كانت ظاهرة، ج9/108، رقم 7354.

[28]  صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم، باب من فضائل أبي هريرة الدوسي رضي الله عنه، ج4/1939 رقم 2492.

[29]  أضواء على السنة ص170.

[30]  السنة ومكانتها في التشريع ص 362.

[31]  المرجع نفسه ص 363.

[32]  المرجعية العليا في الإسلام للقرآن والسنة للدكتور يوسف القرضاوي. مكتبة وهبة القاهرة الطبعة الرابعة 1434ه/2013م، ص189-190.

[33]  أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم، ج4/2298، رقم (3004).

[34]  معالم السنن، وهو شرح سنن أبي داود لأبي سليمان الخطابي (المتوفى: 388هـ) المطبعة العلمية – حلب، ط. الأولى 1351ه/ـ 1932م، ج4/184-185.

[35]  المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ، لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ) – دار إحياء التراث العربي – بيروت ط. الثانية، 1392ه، ج18/130.

[36]  هو أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة القرشي الزهري المدني. ولد الزهري سَنَةَ (50 هـ) على الأرجح. حدث عن ابن عمر وسهل بن سعد وأنس بن مالك ومحمود بن الربيع وسعيد بن المسيب وأبي أمامة بن سهل وطبقتهم من صغار الصحابة وكبار التابعين وعنه صالح بن كيسان ومعمر والأوزاعي والليث ومالك وابن أبي ذئب وسفيان بن عيينة وأمم سواهم. ويروى أنه وفد على مروان بن الحكم في خلافته، سَنَةَ (64 هـ) وهو غلام محتلم، وكان أبوه على قيد الحياة، لأنه كان إلى جانب عبد الله بن الزبير في ثورته على عبد الملك بن مروان، ثم وفد على عبد الملك بعد وفاة والده، وكان ذلك سَنَةَ (82 هـ) على أرجح الروايات. توفي الإمام الزهري بعد حياة علمية رفيعة، عن نيف وسبعين سَنَةً، ليلة الثلاثاء، لتسع عشرة (أو لسبع عشرة) ليلة خلت من شهر رمضان، سَنَةَ 124ه على أرجح الأقوال. (انظر تذكرة الحفاظ، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (ت 748هـ) دار الكتب العلمية بيروت-لبنان ط. الأولى، 1419هـ/ 1998م، ج1/83).

[37]  للاطلاع أكثر على اتهامات خصوم السنة للإمام الزهري والردّ عليها، انظر ما كتبه الشيخ مصطفى السباعي في الفصل السادس من الباب الثاني (السنة مع المستشرقين).

[38]  أخرجه البخاري كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة ج2/60، رقم 1189. ومسلم كتاب الحج – باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، ج2/1014 رقم 1397.

[39]  السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص29-30.

[40]  حديث ابن سيرين أخرجه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه باب في أن الإسناد من الدين وأن الرواية لا تكون إلا عن الثقات ، قال فيه: (لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الْإِسْنَادِ ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ ، قَالُوا : سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ ، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلَا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ) ج1/15، رقم25.

[41]  دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، لمحمد مصطفى الأعظمي، ج2/394-395.

[42]  نفسه ج2/395.

[43]  أضواء على السنة المحمدية ص113.

[44]  ما وجدته في كتاب أبي رية هو ذكر (الغزالي)، وقد تكون نسخة الكتاب التي وقف عليها الشيخ المعلمي فيها ذكر (العراقي) والله أعلم.

[45]  الأنوار الكاشفة ص95-96.

[46]  قال السيوطي: “وربما وقع الراوي في شُبَه الوضع غلطا منه بغير قصد، فليس بموضوع حقيقة، بل هو بقسم المدرج أولى كما ذكره شيخ الإسلام في ” شرح النخبة “، قال: بأن يسوق الإسناد فيعرض له عارض، فيقول كلاما من عند نفسه، فيظن بعض من سمعه أن ذلك متن ذلك الإسناد، فيرويه عنه كذلك”. تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي جلال الدين السيوطي تح: أبو قتيبة نظر محمد الفاريابي مكتبة الكوثر الرياض ط. الثانية 1415ه، ج1/339.

[47]  السنة ومكانتها في التشريع ص248.

[48]  نفسه ص248-249.

[49]  نفسه ص242-243.

[50]  قال العلامة المعلمي: ” واعلم أن الناس تختلف مداركهم وأفهامهم وآراؤهم ولا سيما في ما يتعلق بالأمور الدينية والغيبية لقصور علم الناس في جانب علم الله تعالى وحكمته، ولهذا كان في القرآن آيات كثيرة يستشكلها كثير من الناس وقد ألفت في ذلك كتب، وكذلك استشكل كثير من الناس كثيراً من الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، منها ما هو رواية كبار الصحابة أو عدد منهم كما مر، وبهذا يتبين أن استشكال النص لا يعني بطلانه. ووجود النصوص التي يستشكل ظاهرها لم يقع في الكتاب والسنة عفواً وإنما هو أمر مقصود شرعاً ليبلو الله تعالى ما في النفوس ويمتحن ما في الصدور. وييسر للعلماء أبوابا من الجهاد يرفعهم الله به درجات” الأنوار الكاشفة ص223.

[51]  أضواء على السنة المحمدية ص296.

[52]  موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية 2/388-389.

[53]  نفسه 2/389.

[54]  لمزيد من التفصيل في هذا الموضوع يرجى مطالعة كتاب “العيوب المنهجية في كتابات المستشرق شاخت المتعلقة بالسنة النبوية” لخالد بن منصور بن عبد الله الدريس. بحث مقدم في ندوة عناية المملكة العربية السعودية بالسنة والسيرة النبوية عام 1425ه.

[55]  نقل شاخت الحديث من كتاب اختلاف الحديث للشافعي (ص 294)، وقد اختلف العلماء في صحته، انظر نصب الراية لأحاديث الهداية، جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي (ت 762هـ) تح: محمد عوامة، مؤسسة الريان للطباعة والنشر – بيروت -لبنان ط. الأولى، 1418هـ/1997م، ج3/ 137.

[56]  دراسات في الحديث النبوي 2/417،419.

[57]  تاريخ تدوين السنة وشبهات المستشرقين، لحاكم عبيسان المطيري. مجلس النشر العلمي جامعة الكويت ط. الأولى 2002م، ص111.

[58]  نفسه ص113.

[59]  نفسه، ص112-115.

[60]  دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، 2/398.

[61]  نفسه 2/404-405.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.