منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

3-تطور الحركة الوطنية المغربية الحديثة “الحركة الوطنية المغربية الحديثة؛ المسار وظروف النشأة”

بقلم عبد الحفيظ الإدريسي / 3-تطور الحركة الوطنية المغربية الحديثة "الحركة الوطنية المغربية الحديثة؛ المسار وظروف النشأة"

0

3 -تطور الحركة الوطنية المغربية الحديثة

الحركة الوطنية المغربية الحديثة؛ المسار وظروف النشأة

بقلم عبد الحفيظ الإدريسي

 

إن المتتبع لتاريخ المغرب الحديث يدرك بوضوح مدى الضعف والانحطاط الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، الذي تخبط فيه المغرب، حيث فقدت البلاد خلاله استقلالها لأول مرة في تاريخها الإسلامي، ووقعت في قبضة الاحتلال الأجنبي، فليس هناك ضمائر نزيهة ولا وعي سياسي ولا أمن ولا مال بالخزينة. هذه العوامل وغيرها كانت إيذانا ودافعا بقيام حركة وطنية سياسية منظمة ضد “الحماية”.

المزيد من المشاركات
1 من 27

أولا: الحركة الوطنية المغربية من الإصلاحات إلى المسلسل الديمقراطي؛

إن مسار الحركة الوطنية المغرية مسار جماعات إصلاحية دعوية لها صفحات وشهادات تعبر عن موقفها المرتبط بوقائع وأحداث، أضحت هذه القراءات اليوم موضوع الدرس والتحليل أكثر من أي وقت مضى لإعادة قراءة هذه الأحداث والوقائع على وضعها في سياقاتها الزمنية. “وعلى التزام جانب الإيجابية في القول، والموضوعية في الحكم، إيمانا بأهمية استثمار مخزون ذاكرة الماضي في ترشيد مجهود الحاضر، وتشكيل رؤية المستقبل.”[1] ويمكن تقسيم مرحلة الحركة الوطنية الإصلاحية إلى قسمين:

الأول: تعالج الحركة الوطنية الحديثة في هذا القسم مسألة الإصلاح، قبل الحماية وأثناء الاستعمار، وكانت تهدف إلى نفض الغبار عن التراث وتفعيل الإسلام والعودة إلى الأصول الكتاب والسنة، وإظهار الأباطيل الزائفة لبعض الطرق والزوايا من أجل تجنبها وذلك بالنظرة إلى الآخرة ومحاولة مقاومة الإمبريالية، والنظرة للذات ومحاولة إصلاح الذات.

وأهم المواضيع التي اهتموا بها فهي:

– التوحيد والعودة إلى صفاء العقيدة.

– العودة إلى النص ومحاولة تخطي المذهبية.

– العودة إلى الواقع والتفاعل معه.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

في هذا السياق وإلى حدود سنة 1942 “لم ترفع ( الحركة الوطنية المغربية) شعار الاستقلال، بل قصارى ما كانت تطالب به هو إجراء إصلاحات في ظل الحماية القائم”[2].

الثاني: يتطرق إلى بعض الأحزاب سليلة الحركة الوطنية في عهد الاستقلال  حيث بدأت تركز على المطالب المرفوعة في عهد الحماية والاستقلال. “والتجربة الحزبية في هاته الفترة تقتضي رصدها في ظل وحدة الحركة الوطنية وفي ظل انشقاقها”[3].

 

1- المرحلة الأولى: نهاية حرب الريف وبوادر الحركة الوطنية

ظهرت البوادر الأولى للحركة الوطنية سنة1925، مع نهاية حرب الريف،(ثورة عبد الكريم الخطابي) وما خلفته من صدى في الخارج والداخل، وما حققته من انتصارات على الإسبان في معركة ظهر أوبران و”أنوال”، الأمل الوحيد للمغاربة في دحر الاحتلال العسكري بالقوة. لكن النكسة التي خلفها استسلام عبد الكريم الخطابي بعد تحالف الاسبان والفرنسيين ضده، ونفيه إلى الخارج، خلفت تأثيرا سلبيا في النفوس، ورغم استمرار المقاومة العسكرية في الأطلس إلى حدود سنة 1933 فإنه لم يكن لها ذاك الزخم الذي كان لثورة الريف، فكان لا بد من بديل آخر يساير المرحلة الجديدة فنشأت بوادر حركة وطنية جديدة تبنت العمل السلمي ولم تراهن على العمل العسكري.

لقد كان لفشل العمل المسلح بمنطقة الريف والانفتاح الخارجي لدى قادة الحركة الوطنية المتمثل في الاتصال المبكر بالمشرق، والقرب من أوروبا، وليونة المواقف الإسبانية بالنظر إلى التشدد الفرنسي في المنطقة الجنوبية، دور في بروز الحركة الوطنية بالمنطقة الخليفية شمال المغرب. فشاركت شخصيات من الشمال مع وطنيين من بالمنطقة السلطانية في إنشاء “الرابطة المغربية” ، كأول تنظيم مغربي.

ومن الناشطين برزت أسماء كبيرة منها :علال الفاسي والمختار السوسي والمكي الناصري وأحمد معنينو وإبراهيم الكتاني وأبو بكر القادري.

فظهرت كأول تنظيم ذي طابع سياسي أطلق عليه اسم “الرابطة الوطنية” وذلك سنة 1926م، “في سياق فشل الخيار العسكري وهيمنة الخيارات الإصلاحية”[4]، وقد ضم زعماء من الشمال والجنوب، مما يعني رفض الإقرار بواقع التجزئة الذي فرضته الحماية الفرنسية.

2- المرحلة الثانية: البداية الفعلية للحركة الوطنية غداة صدور الظهير البربري.

بعد انتهاء حرب الريف برز إلى الميدان نوع جديد من الكفاح، حيث تقدمت طائفة من الشباب إلى الإدارة الفرنسية بمطالب، تنص على تحقيق بعض الإصلاحات في دائرة الحماية منها؛ اعتبار اللغة العربية اللغة الرسمية للبلاد. وإطلاق حرية الصحافة. ونشر التعليم. واحترام سلطة الملك.

كان حدث 16 مايو 1930م، (وهو تاريخ صدور الظهير البربري)، إيذانا بقيام حركة وطنية سياسية مغربية منظمة ضد الحماية حيث ظهر أول ما ظهر، كأول رد فعل قوي وتلقائي، على صدور هذا الظهير”[5]. ويرجع تخوف المغاربة من هذا القانون التشريعي الذي أعلنت عنه إدارة الحماية الفرنسية إلى كونه يقسم المغرب إلى عالمين متمايزين ومنفصلين انفصالا كليا: عالم العرب المغاربة أو الناطقين باللغة العربية، وعالم البربر الذين يتحدثون باللغة الأمازيغية وحدها، ويعتبر هذا القانون تطبيقا للأيديولوجيا التي كان الفرنسيون يروجونها قبل حلول الاستعمار الفرنسي سنة 1912م”[6]، حيث كانت الصورة التي رسمتها معظم الدراسات الاستعمارية للمغرب أنه بلد مقسم إلى كتلتين بشريتين “العرب” و”البربر” وإلى منطقتين “بلاد السيبة” و”بلاد المخزن” وإلى نظامين” نظام عرفي” سائد في المناطق الأمازيغية، ونظام شرعي في المناطق العربية.

3-المرحلة الثالثة: انتقال الحركة الوطنية المغربية من “الإصلاح الديني إلى التنوير الحداثي”.

تركزت المقاومة المسلحة في البوادي، بينما احتضنت المدن النضال السلمي، وقد تركزت بدايات الحركة الوطنية بمدن  كفاس وتطوان وسلا والرباط، على يد طبقة برجوازية متوسطة تخرجت من القرويين وفي المشرق.

وكان للحركة السلفية الإصلاحية التي تعود جذورها إلى جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، تأثير كبير على الحركة الوطنية بالمغرب، حيث “ساهمت الدروس التي تلقاها رواد هذا التيار بالمغرب كأبي شعيب الدكالي ومحمد بن العربي العلوي في الرد على الاطروحات التي ربطت الإسلام بوضعية التخلف من جهة”[7]، كما استطاعت امتصاص الصدمة الناتجة عن الهزيمة العسكرية التي لحقت بالمقاومة المسلحة من جهة أخرى.

ونلاحظ أن الاهتمام بالإصلاح الديني يقل مقارنة مع الاهتمام بالمسلسل الديمقراطي كلما ازداد تطور الحركة الوطنية ونموها،و”مهما يكن مقدار التطور الذي حصل في نظرتنا المدنية للأشياء، ومهما يكن مقدار النجاح الذي سنحصل عليه في تطبيق برنامجنا بعد الاستقلال، فالذي لاشك فيه هو أن السلفية عملت عملها في تسيير آلتنا النفسية وتوجيه تفكيرنا نحو هذا التجدد المنشود في جميع مظاهر حياتنا، ونحو هذا التحرر الذي ظل طابع حركتنا، وصوب هذه الوحدة العربية التي لم تزل مطمح آمالنا، ونحو الروح الديمقراطية التي تسيطر علينا”[8].

ثانيا: الحركة الوطنية المغربية في ظل المسلسل الديمقراطي.

لم تكن الحركة الوطنية المغربية في معزل عن التطورات التي شهدها العالم في ظل المسلسل الديمقراطي، ولا هي معزولة عن الواقع وتحدياته وإكراهاته فهي “حركة تستهدف التحرر السياسي واستعادة المغرب لاستقلاله، بل إنها حركة تستهدف العمل السياسي من حيث صلته بالتحرير الفكري، والتحرير الفكري كان يعني، في البرنامج الشامل للحركة، خوض معركة التحديث السياسي، والتغيير الاجتماعي، والتجديد الديني”[9]، وهي رصيد نضالي مشترك لا يستهان به، تراكم عبر مسيرة طويلة من الكفاح في سبيل تحديث الدولة، وإرساء الديمقراطية، وإقامة العدالة الاجتماعية في المغرب المستقبل.

وعقب لجوء فرنسا وإسبانيا إلى اقتطاع أجزاء من المغرب في القسم الجنوبي، تكونت “كتلة العمل الوطني” من شباب المغرب، ليتخذ العمل الوطني عدة أشكال من النضال والمقاومة، بعد إصدار قانون إلحاق المغرب بوزارة المستعمرات في فبراير 1934 يصبح فيها المغرب أرضا مستعمرة تشكل جزءا من الامبراطورية الفرنسية”[10]، حيث عمل الوطنيون على إصدار الصحف وتأسيس الأحزاب (كتلة العمل الوطني- حزب الإصلاح الوطني) وتعاطوا للعمل الجمعوي بإقامة أنشطة رياضية وثقافية وكشفية، “كما نظموا المظاهرات وتوجوا مجهوداتهم بالدعوة للاحتفال بعيد العرش لأول مرة يوم 18 نونبر 1933،ودعوا إلى مقاطعة البضائع الفرنسية”[11]. ثم قدمت هذه الهيئة إلى الملك والإدارة الفرنسية برنامجا وطنيا سنة 1934 سمي ب”برنامج الإصلاحات المغربية”، ويتكون من 15 فصلا، وهي كما يلي:

– الإصلاحات السياسية. – الحريات الشخصية والعامة. -الجنسية المغربية والحالة المدنية. -الإصلاحات العدلية. -الإصلاحات الاجتماعية. -الأوقاف الإسلامية. -الصحة العامة والإسعاف الاجتماعي. -شؤون العمل. -الإصلاحات الاقتصادية والمالية. -النظام العقاري. -الضرائب والأداءات. -الإصلاحات المتفرقة. -العربية كلغة رسمية للبلاد. -العلم المغربي والأعياد الرسمية. -التشريعات”[12]. و”في الواقع يمثل البرنامج لائحة من المطالب أكثر مما يمثل خطة إصلاحية شاملة”[13]. كما تحولت كتلة العمل الوطني إلى حزب سياسي يحمل اسم “الحزب الوطني” إلا أن زعماءه، وأنصاره، عمدت الإدارة الفرنسية على سجنهم ونفيهم وتشريدهم.

خاتمة:

لم تستطع الحركة الوطنية المغربية منذ نشأتها تحقيق مطالبها الإصلاحية الأساسية في ظل نظام الحماية، فانتقلت إلى المطالبة بالاستقلال بعد الحرب العالمية الثانية، واتضح لها أن المدخل الحقيقي للقيام بالإصلاحات لن يتأتى إلا من خلال الحصول على  الاستقلال.

فالحركة الوطنية السياسية على اختلافها “تستمد جذورها من كل ماضي المغرب العربي والإسلامي، والتي أخذت على عاتقها مناضلة المغرب سياسيا إلى تحقيق الاستقلال والتي نظمت نفسها في خلايا ووضعت لنفسها منهجا شموليا فيه جانب إصلاحي وجانب تعليمي وجانب سياسي مطلبي وانتهت إلى المطالبة بالاستقلال[14]. فلا نهضة ولا تقدم ولا سيادة للمغرب بدون حرية واستقلال، ما جعل فرنسا تدعو الأحزاب السياسية الوطنية للتباحث معها، في شأن إدخال جملة من الإصلاحات، لكنها لم تجد من يفاوضها حول ذلك، إذ كان جواب تلك الهيئات المخلصة دائما: الحرية والاستقلال لا الإصلاحات. يقول الزعيم علال الفاسي: (هذه الأزمة العارضة التي عرفها المجتمع المغربي -جراء هجوم المستعمر على أرضه ووطنه- هي في الحقيقة ضرورية لتطورنا؛ لأننا بعد أن خمدنا زمنا ليس بالقليل وأعرضنا عن كل ما كان يجب أن نقوم به في سبيل أنفسنا بدأنا ننهض وبدأت نهضتنا تنمو، فأحسسنا بالحاجة إلى التطور؛ أي تبديل كثير من أوضاعنا وتقاليدنا)[15].

فكيف نستفيد من تاريخنا، ومن تاريخ الحركة الوطنية المغربية؟،

وكيف نستفيد من تعامل الغرب، وخصوصا الدول المستعمرة، مع بلادنا ورجالها وثرواتها؛ لنعيَ ظروف المرحلة، ونبنيَ لمستقبل بلدنا وشعبنا، ونحفظ عزة ديننا وعزتنا وعزة وطننا.

 

[1] محمد الخصاصي، الحركة التقدمية الوطنية المغربية شهادات وقضايا ومواقف. (مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت لبنان. ط1: سبتمبر 2015)، الصفحة: 23.

[2]– محمد ضريف، الأحزاب السياسية المغربية. (دار إفريقيا الشرق). الصفحة: 9.

[3]– محمد ضريف، الأحزاب السياسية المغربية. الصفحة: 9.

[4]– محمد ضريف، الأحزاب السياسية المغربية. (مصدر سابق)، الصفحة: 11.

[5]– سعيد بن سعيد العلوي، الحركة الوطنية المغربية اليوم، الشرق الأوسط (جريدة العرب الدولية، رقم العدد: 12946، الجمعة 09 مايو 2014م).

[6]– عبد الله كنون، أحاديث عن الأدب المغربي الحديث، (دار الثقافة، الدار البيضاءـ المغرب). ص:83.

[7]– عبد الله كنون، أحاديث عن الأدب المغربي الحديث. الصفحة: 39

[8]– علال الفاسي، الحركات الاستقلالية في المغرب العربي. (مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، ط1: 2003) .ص: 157.

[9]سعيد بنسعيد العلوي، الحركة الوطنية المغربية اليوم، (مصدر سابق).

[10]– سعيد بن سعيد العلوي، السيادة والشريعة، (مصدر سابق).

[11]– علال الفاسي، الحركات الاستقلالية في المغرب العربي. (مصدر سابق)، ص:87

[12]– علال الفاسي، الحركات الاستقلالية في المغرب العربي. (مصدر سابق)، الصفحة:166.

[13]– محمد ضريف، الأحزاب السياسية المغربية، (مصدر سابق)، الصفحة:21.

[14]– عبد الكريم غلاب، تاريخ الحركة الوطنية بالمغرب.(مصدر سابق)، ج1/ ص45

[15]– علال الفاسي، النقد الذاتي، (مصدر سابق)، ص137.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.