منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الدولار بين الهَيمَنه والزوال

الدولار بين الهَيمَنه والزوال/ حسام الدين إسماعيل أبوهلالي

0

الدولار بين الهَيمَنه والزوال

بقلم: حسام الدين إسماعيل أبوهلالي

 باحث و متخصص في الاقتصاد

 

مقدمة

إنّ في العصور السابقة كان لكل شئ قيمة وذلك بحسب التداول والحاجة، ثم بعد ذلك تكاثرت الأمم وتعددت اللغات وازدادت المطالب وكان لا بُدّ من أداة واحدةٍ أوموحّده أن تحمل هذا الدور ؛ لكن هل كان ذلك من خلال قانون قائم على مبدأ الشورة أم على أحقّية الأمم بالمُفاضلة ! أما أنّها أسِّسَت على مبدأ مُغاير !

في قرون ظلام أوروبا كان هناك تخبط واضح وتغبّش بالرؤيا لديهم وكان لابد من إنهاء هذه المهزلة وبالتأكيد هناك أمم يجب أن تدفع هذه الفواتير فكان لابد أن يبزغ نجم الدولار !

القوة العظمى

إبّان الحرب العالمية الثانية والأولى وما قبلهما من كارثة بداية القرن وتلاها من نكسات ومن انتصارات صدح نجم الأخضر أو أقول نجم الرمادي الآن ! إنه الدولار القائد الأوحد في مسيرة الاقتصاد، لكن هل هو كذلك أم أنّه مجرد وهمٍ أو أنه كان وانتهى !

إن الاقتصاد الحقيقي الرباني الإسلامي قائم على عدّة مبادئ كان أبرزها العدل والمساواة والتنمية الفعّالة، لكن لا تنظر إليّ وكأنه مُطبّق اليوم في كوكبك الكروي أو المُسطح فالخيار لك في النظر…الفاعل الحقيقي بالاقتصاد هو القوي والمسيطر والمهيمن وهو الدولار وفي أنجع الدول التي ترغب في قيامها تقوم بتقويم عملتها بالدولار أساساً وما اتفاقيّة بريتون ويدز عنّا ببعيد، فأصبح الغالب والمنتصر هو الركن الأساس في التحديد والتقويم وحتى بالاقراض أو الدعم فاختر لنفسك إما ذاك وإما التعويم وهذا مُعظلة إن استطعت تسميتها بالسرطان الاقتصادي للدول.

الاحتياطيات سواء في البنوك أو الأوراق المالية أو ما يخالفها أو يشابها أو في المعدن الصعب أكثر من اللازم الذهب ؛ هؤلاء جميعاً هنّ أولاد باريّن في الدولار، لكن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وظهور قوة إقليمية كالاتحاد الروسي أو حتى الأوروبي أو حتى الصين الشعبية بدأ هناك منافسات لهذا المهيمن المتين، ولعل هذا سبب وآخر بعد ما حدث عام 2008 وأزمة الرهونات العقارية وتلاها عدة انتكاسات ونكسات أصبح النظر للدولار كأنّه المسبب الأوحد لهذه المعضلات وجااءت القشّة التي قصمت ظهرالبعير ‘أزمة كورونا الاقتصادية’ وكنت قد ذكرت في بحث بذات العنوان وأردفت تعليقاً عمّا يحدث ” أنّ أزمة كورونا ليست شرّاً محض ولا حتى مهلكة اقتصادية حقيقية، وإنّما الاجراءات والتطبيق للقواعد بشكل خاطئ وهشاشة الهياكل هي سبب الأزمات”، فبالتالي نرى السبب الجلي في ما يحدث أو حدث أو قد يحث وهو الالتصاق التام بالدولار الذي نجح عدًة مرات وسقط مراتٍ أكثر، والعصر اليوم بات أشد تعقيداً وأكثر تثبيتاً من السابق والعهد أصبح مُمهّداً لولادة جديدة لآلة ناقلة ووسطية وذات فاعيلّة أكبر.

الهشاشة المُتآكلة

في بداية القرن الواحد والعشرين ظهر ما عُرف بالعملات المشفرة أو الرقمية -وهنا لست بصدد الحديث عن شرعيتها أو حتّى عن حِلِّها- وإنّما عن قوتها واختزالها لرأس مالٍ مهول وإقبال غير مسبوق من الجميع، وتارة ترى من لا يملك دولاراً واحداً أصبح مستثمراً غنيّاً على هذه المنصات، فواعجباً أين عظمة الدولار والارتباط الوثيق به ! سلّة العملات وهي الملاذ الأخير وغرفة الانعاش للدولار لكنّها في نفس الوقت هي محرقته وهي الملاذ النافذ عنه بعيداً وإليه قريباً ؛ إنّ النمور الآسيويّة والدول الخليجية وحتى تركيا كُلُّها باتت تلتفت إلى ما هو أبعد من الدولار، اليورو أم الين وما الباوند عنّا ببعيد أو حتّى الشيكل !…

في فترة سابقة كنت قد صرّحت قبل مدّة عن إنتهاء عصر الحروب المسلّحة وفوات عصر سباق التسلّح والآن قد أستطيع الجزم بموت الذهب ! فهي عملة إلهيه خلقية للتداول وهي صعبة أكثر من اللازم وبموتها تخرّ هشاشة العُمل الأخرى والآن نعيش عصر الرقمنة والتكنولوجيا أو ما يُعرف “بالبلوكتيش” فهذه الحفيدة العاق لكل ما ذُكر من الأجداد آنفاً، فضلاً عن ذلك إن تقوم الديون العالمية أصبحت غير مرتبطة بالتقييم الأمريكي أي الدولار بل أصبحت مُعظمها تقوّمها من خلال الروبل الروسي أو الين الصيني، هذه واحد وإليك أُخرى ؛ في عصر التكنولوجيا لم يعد هناك معلومات سرية أو محفوظات منضوضة وإنّما كلٌ بمقدوره أن يصل إلى ما يشاء وقت ما يشاء ولم تعد القوة الاقتصادية مرهونه فقط في الدولار أو في احتياطياته أو حتى سعر صرف وهاك التجربة التركية !

 الدولار التركي

بين ليلة وضحاها ومن جوف رحم العلمانية ومن بين أنظار المُحبيّن وخاصة العرب تلقّفوا الرئيس التركي بوابل من الحب دون العلم أو النظر وفور تطبيقه بنظام “تطهير الجهاز المصرفي من الفائدة” أصبح قائداً فذّا جميلاً مُسلماً ورائداً للاقتصاد الإسلامي وهو الفاتح للعملة الإسلامية والمرابحة المصرفية الشرعية !

لكنّ المُحزن والمضحك بالأمر أنّ أغلب شعوب الأرض وخاصة الجاهلة تمتلك شهادات وخبرات في الحكم على الآخر وبإضفاء الجانب التشريعي لسلوكه أو حتى اعتقاده واعجب من هذه الفطرة المنتكسة الساذجة، في تطبيق السياسات المالية والنقدية هناك حياديّة تامّة فلا مجال لأي تدخل أو تعرقل إلا بوصع ميزان العدالة والإنطلاق بأقصى قوة للنهوض بالدولة أو على الأقل لعمل عملية قيصرية لاقتصادها قبل أن تثكله !

إن تصفير الفائدة بأي جهاز مصرفي يرتكز على عدّة ضوابط ولعّل أبرزها ؛ عندما يواجه الجهاز المصرفي التآكل من داخله بسبب زياة المعروض الوهمي وقلّة الموجود الحقيقي والضمور في الإقبال، ثم يليها الكُهولة التي تركبنّ على ظهر الموظف المسكين السائر في لجج الأيام أقصى طموح لديه إنهاء قرض بيت كلّفه مالم يُكلّف جده وأخوته مجتمعين، هذا فضلاً عن تباين استحقاق الدعم أو تفريغ حمولات دَين وإقراض من الصندوق الدولي لتكن الدولة بمثابة الكفيفة والقنوعة وكأنّها تقول له (ليس علي دَين وأنا مليئ مالياً) فتستحق ذلك الاقراض !

هذا من جانب، أما من ناحية أخرى الدين وحده ليس مشكلة فهناك دُيون استثمارية وهناك ديون استهلاكية، فلا تستغرب حين أخبرك أن ديون الصين ومصر ذات حجم عظيم لكن المعضلة إحداها للاستثمار ويُنظر إليها على أنّها ملاذ آمن والأخرى للإستهلاك-وهنا أتحدّث عن النسبة الأكثر- بالتالي تركيا وبعد ما واجهت من أمريكا قبل مدة والعقوبات الاقتصادية إلى درجة التضيق كان لابدّ من حُزم حقيقية للحاق بالعملة قبل رفع الاذان عليها واقامة أربع تكبيرات.

أما ما قيل وتحدّث الشامتون عنها في سعر التصريف والهبوط الحاد إلى درجة قرابة الإنهيار من المَهزلة بمكان وما هو إلا دليل على علاقتهم بالاقتصاد كعلاقة الراعي في صناعة الفضاء، إن سعر تصريف أي عملة لا علاقة له بتاتاً في مدى قوة أو دمار الدولة وإن كان معياراً نسبياً لذلك، لكن بالتأكيد ليس بالضرورة، فحينما ترفع راية التجديد والتطهير في الجهاز المالي من الفائدة لا بدّ أن تلقى عواقب هذه التضحية وهذا قانون عادل وحقيقي بالاقتصاد “تكلفة الفرصة البديلة” وبالتالي ترى الناتج الحقيقي للعملة بمثابة ترابطها مع الدولار أو إن شئت قلت مدى رضى الدولار عنها، لكن في نفس الوقت هناك تراجح بالقوى فلا بأس بالتخفيف من الحدًة بين الفترة والآخرى حتى لا تكسر عصب اقتصادك لأنّك لست وحدك في العالم أو في المنظومة الاقتصادية المترابطة المعقّدة، وكخطوة مثل ما قام بها رئيس تركيا هي محمودة لذاتها بغض الطرف عن غاياتها -القول بالمرابحة الشرعية أو الربا المحرم- وككونه جزء لا يتجزّأ من كيان هذا العالم كان لا بدّ من تضحيات وتعزيز أواصر العلاقات أو على الاقل جعلها بالحياد حتى تتم العملية فلا تستطيع أن تصل إلى هدفك بأدواتك النسبية أمام مُعضلة حقيقية وهذا قد يكون سبباً في إحياء بعض العلاقات مع إسرائيل -من ناحية اقتصادية-، وما يجب أن يفعله الرئيس الروسي مع ما يحدث في أعقاب التدخل باكرانيا واغلاق الضخ المالي لديه كحرمانه من المورد الأساس وهو الدولار من خلال الحوالات، دونك عن غيرها من العلاقات مع جاراتها البارين بها أو حتى عن سعر تصريفها، وفي الختام،، هكذا الاقتصاد يدور حيث تدور المصالح.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.