منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“المشروع التربوي” ورهان التواصل البيداغوجي في المدرسة “مشروع المؤسسة” في المدرسة المغربية نموذجا

د. جمال الدين ناسك

0

نشر هذا المقال في كتاب: “العلاقات البيداغوجية في المنظومة التربوية المغربية” يمكن تحميله من هذا الرابط

يمكنكم قراءة وتنزيل المقال بصيغة (بدف pdf)

ملخص

تحاول هذه الورقة مقاربة موضوع “التواصل التربوي” من زاوية اعتماد مدخل “المشروع التربوي” لتنويع العرض البيداغوجي في المدرسة، ورفد الممارسة التربوية بالطرق الفعالة والنشيطة المتمركزة حول اهتمامات المتعلم وحاجياته بقصد بناء الكفايات الضرورية لحصول التعلم لديه. لذا كان لزاما أن نبحث في الأصول النظرية لفكرة المشروع التربوي، بعد تحديد مفهومه في التداول التربوي، ثم تفحص شبكة المشاريع التربوية المعتمدة في المدرسة المغربية من خلال الوثائق المرجعية، مع التركيز على “مشروع المؤسسة” لمركزيته وراهنيته في الممارسة التربوية المؤسسية ببلادنا، مع التركيز على مختلف المقاربات التواصلية التي يمتح منها، وكذا عوائق تحققه وأسباب تعثره.

الكلمات المفتاحية: التواصل التربوي، المشروع التربوي، بيداغوجيا المشروع، عوائق التواصل

 تقديم

المزيد من المشاركات
1 من 43

تفيدنا أبحاث سوسيولوجيا التربية أن المدرسة؛ بما هي مؤسسة تعليمية، لم تعد تقتصر وظيفتها في التمركز حول مضمون فعل التعلم، ونقل المعارف (معارف، مهارات، مواقف واتجاهات). إذ غذت المدرسة، وفق المنظور السوسيولوجي، مؤسسة للتنشئة الاجتماعية، والاندماج والارتقاء المجتمعي للمتعلم(ة)، والتكيف الذكي مع المحيط من خلال التركيز على بناء الكفايات الأفقية القائمة على التواصل المنهجي مع الذات والمحيط والعالم..

وعلى ذلك؛ فقد أضحى البعد التواصلي، من أهم أسس هندسة المنهاج التربوي للمدرسة المنفتحة؛ من خلال الارتكاز على المقاربات والبيداغوجيات النشيطة والفعالة القائمة على جعل “المتعلم” في بؤرة اهتمام العملية التعليمية التعلمية، ليخرج من المدرسة إلى المجتمع مسلحا بالقدرات والمهارات التي تقدره على بناء مشروعه الشخصي وتأهيله للحياة.

تحاول هذه الورقة تقديم قراءة تحليلية ونقدية لمفهوم “التواصل البيداغوجي في المدرسة المغربية” من زاوية بيداغوجيا المشروع وتطبيقاتها؛ كإحدى أهم ركائز النموذج البيداغوجي المغربي المؤسس على المقاربة بالكفايات، وجعل المدرسة في “قلب المجتمع والخروج منها إليه”، مع ما يقتضيه ذلك من التربية على الاستقلالية وتحمل المسؤولية، ورهانات الصراع السوسيو-معرفي لبناء وإدماج الكفايات الأساسية التي يتأسس عليها هذا النموذج

1.بيداغوجيا المشروع وتعزيز البعد التواصلي للمؤسسة التعليمية

يتعين الإشارة بداية؛ أن مفهوم “المشروع” سيدخل المجال التداولي التربوي، والمنظومة التعليمية التعلمية المدرسية تحديدا، اعتبارا من منتصف القرن العشرين، استعارة ونقلا عن عالم الاقتصاد والمقاولة، حيث مجال المنشأ والتداول الأصلي[1]، ومن ثم فإن هذا المفهوم يظل حديثا في “علوم التربية” بهذا الاعتبار[2].

  وقد أفاد الاعتماد على “بيداغوجيا المشروع” في إضفاء الحيوية والفاعلية والمعنى على النشاط التعليمي التعلمي، الذي لم يعد مجرد جلسات للتلقين المعرفي، إذ سيصبح هذا النشاط التزاما شخصيا للمتعلم، تخطيطا وإعدادا وإنجازا وتطويرا، مما يحفزه لتعبئة الكفايات المستعرضة والنوعية التي يقتضيها الإنجاز، إعدادا له للانخراط في المشاريع التربوية الجماعية التي تعزز لديه الكفايات التواصلية مع جماعة “الأقران” في القسم والمؤسسة

بمعنى أننا أمام تشكيلة متنوعة ومترابطة من المشاريع التربوية داخل المؤسسة؛ “المشروع الشخصي للمتعلم”، “مشروع القسم” و”مشروع المؤسسة”، يشكل فيها البعد التواصلي بين مختلف المتدخلين الآلية المنهجية الضرورية للاشتغال، والكفاية الاستراتيجية التي يراد بناؤها واكتسابها في نفس الآن.

  • بيداغوجيا المشروع: محاولة في التعريف

   يفضل التقليد الفرنسي استعمال مصطلح “بيداغوجيا المشروع”، وبدرجة أقل “التعليم بالمشروع” ، علما أن هذا التقليد معروف بتركيزه على “المدرس” أكثر من المتعلم[3].

: Philippe Perrenoud           – تعريف

إن التعلم بالمشروع هو عبارة عن مقاولة تعاونية يتم تدبيرها من طرف جماعة القسم. وتوجه نحو منتوج ملموس؛ يتطلب القيام بمجموعة من المهام التي يتعين على المتعلمين الانخراط فيها، ولعب أدوار فاعلة، تتفاوت حسب درجات اهتمامهم، وتولد لديهم اكتساب المعارف، ومعرفة كيفية إدارة المشروع (اتخاذ القرار، التخطيط، التعاون، …)[4]

  • تعريف معجم علوم التربية:

في حين يفضل “معجم علوم التربية”، استعمال مصطلح  “طريقة المشروع” (Méthode de projet)[5]، بدل “بيداغوجيا المشروع”، مع الحرص على التمييز بينها وبين “المشروع التربوي”، الذي يراد به: “خطة تسعى إلى تحقيق أهداف معرفية أو مهارية أو وجدانية تترجمها حاجات أو مشكلات يسعى التلاميذ إلى بلوغها عبر عمليات منظمة”[6] وقد يتسع هذا المفهوم ليعني “خطة ونظام متوقع تعده المؤسسة التربوية وتعد إجراءات تنفيذه، ويمكن للمشروع أن يكون متصلا ببنية صغرى مثل مؤسسة، أو متصلا ببنية كبرى، أي مشروعا تربويا شاملا يتصل بالنظام التربوي ككل”[7]

  • أما الباحث عبد العزيز سنهجي فقد استنتج تعريفا للمشروع الشخصي للمتعلم، تركيبا من تعريفات لبيداغوجيين ومهتمين بالموضوع من جوانب مختلفة؛ فـ” المشروع الشخصي هو خطة عمل يعتمدها المتعلم لتحقيق أهداف وأغراض محددة عن طريق توقعها وتوفير الوسائل اللازمة لبلوغها. إنه تمثل استباقي تنبؤي لنتيجة مستقبلية، يستهدف منها تحقيق غاياته ومطامحه ورغباته وحاجياته”[8]
  • تعريف “المشروع التربوي” في النصوص المرجعية الرسمية

لم يرد الحديث عن “المشروع التربوي” وما يتعلق به من طرائق وبيداغوجيات في الميثاق الوطني للتربية والتكوين، لكننا نستشف من هذه الوثيقة المرجعية الدعوة لانفتاح منظومة التربية والتكوين على ما يعزز الاستقلالية والديموقراطية التشاركية والتدبير بالنتائج..، وتلك هي المفاهيم المركزية المشكلة لصلب فكرة المشروع التربوي، مهما ضاق (ارتبط بالمتعلم) أو اتسع (تعلق بالمؤسسة التعليمية)

إلا أن فكرة “المشروع التربوي” ستصبح أكثر حضورا وتداولا في وثيقة البرنامج الاستعجالي (2009-2012)، حيث أكد على “إرساء منهجية التدبير بالمشاريع[9]، (مشروع المؤسسة)”[10]. وعلى ذلك فقد توالت المذكرات والدلائل الوزارية التي تكفلت بالتحديد المفهومي والإجرائي للمشروع التربوي، وإن اقتصرت على تعريف “مشروع المؤسسة” الذي يراد به “الإطار منهجي والآلية عملية ضرورية لتنزيل وأجرأة البرامج والمشاريع التربوية داخل كل مؤسسة تعليمية، وتنظيم وتفعيل مختلف الإجراءات التدبيرية والتربوية الهادفة إلى تحسين جودة التعلمات لفائدة التلميذات والتلاميذ، مع مراعاة الخصوصيات والرهانات المحلية.”[11]

ولم يسع الرؤية الاستراتيجية للإصلاح (2015-2030)، إلى أن تؤكد هذا النزوع المتنامي نحو تبني التدبير التربوي، الصفي والإداري، بالمشاريع التربوية؛ إذ ستؤكد على ذلك في كثير من رافعاتها (على سبيل التمثيل الرافعتين 20 و23)، وما ارتبط بها من مشاريع للتنزيل.

ولا يفوتني الإشارة إلى اهتمام الوثائق الرسمية بالمشروع الشخصي للمتعلم، والآليات الضرورية لرعايته وتأطيره وتنزيله، خصوصا المذكرة الوزارية المحددة لمهام وأدوار الأستاذ الرئيس[12]، حيث سنلحظ توجها لأجرأة العمل بالمشروع الشخصي للمتعلم.

  • الأسس النظرية لبيداغوجيا المشروع

تستند “بيداغوجيا المشروع” على عدة مرجعيات علمية وتربوية، ومن تخصصات معرفية إنسانية أخرى، بحكم تعقد الظاهرة الإنسانية التي هي مجال الفعل التربوي ومقصده. وإذا ما استثنينا الجذور العلمية لمفهوم “المشروع” كما أشرنا من قبل، فإن الفكر التربوي الحديث يفيدنا بكثير من المرجعيات النظرية التي شكلت الأساس المعرفي والتطبيقي لبيداغوجيا المشروع، حيث يركز المتخصصون على المرجعيات الآتية:

  • فلسفة جون ديوي التربوية؛ “التعلم عن طريق العمل”؛

شكلت أفكار وأعمال الفيلسوف التربوي ديوي (Dewey) وWilliam H. Kilpatrick.، بداية القرن العشرين بالولايات المتحدة الأمريكية، بداية الاهتمام بالتعليم والتعلم عن طريق “المشروع”، والمتمثلة في جعل المدرسة بمثابة مقاولة للتربية والتعليم، حيث ينخرط المتعلم في سياق التعلم “بدون تحفظ” حسب تعبير كيلباتريك، والمقصود أن رغبة المتعلم في الاندماج في فعل التعلم مع الأقران تكون مرتفعة، ولا تجد مقاومة داخلية، أو تخوفا لديه كما هو الحال في الدرس النظري التقليدي. وهذا يقتضي من المدرس هندسة تعليم متمركز حول حاجات المتعلم وأهدافهم، ومتناسب مع مواردهم المعرفية، وقدراتهم ومهاراتهم، بهدف تحقيق مشروع التعلم لديه[13]

  • الطريقة الفعالة لفريني ( Méthode de Feinet):

وهي الطريقة التي تركز على فاعلية الانطلاق من مشروع جماعي للقسم، وجعله محور أنشطة التعليم والتعلم الصفية (نموذج مطبعة المدرسة)، والتي تثير في المتعلم حوافز العمل والنشاط، حيث يعبر بحرية عن تجاربه ومحيطه ومشاعره..، ويتدرب على العمل التعاوني التشاركي[14].

  • – تصورات كوزيني (Cousinet) التربوية:

يعد التدريس بواسطة المشروع مركز اهتمام فلسفة كوزيني التربوية؛ “إذ اهتم مثل سابقه، بالعمل ضمن مجموعات على أساس أن تختار كل مجموعة المهمة التي ترغب في إنجازها. ومن خلال التعاون في العمل، واستغلال كل فرد لمعارفه ومهاراته، تعمل المجموعة على إنجاز المهمة، ويقوم المعلم بملاحظة المتعلمين وتوجيههم عندما يطلب منه ذلك. وتقوم الطريقة على مجموعة من المبادئ العامة، أهمها: تبني المجموعة مشروعا للدراسة، يقترب قليلا أو كثيرا من الغايات المؤسسية”[15]

  • النظرية السوسيوبنائية:

والتي يؤكد روادها (أبرزهم فيكوتسكي)، على أن التطور المعرفي للمتعلم يعتمد على الوسط الاجتماعي الذي يتم فيه فعل التعلم، بما يتيحه من فرص للصراع السوسيو-معرفي، مع الأقران، وخاصة الراشدين، وحسب هذه النظرية؛ فإن شرارة التعلم تنطلق حين يتدخل الراشد لتوريد الموارد الضرورية، عند عجز المتعلم.

  • النزعة الإنسانية Humanisme:

النزعة الإنسانية تيار فلسفي كبير، يعبر بعمق عن مبادئ الحداثة؛ المتمركزة على احترام الإنسان، وتحريره من كل السلطات التي تقيد فكره أو اختياراته؛ وقد أفادت التربية الحديثة من هذه النزعة في التأكيد على مركزية الطفل في الفعل التربوي (وليس المعرفة)، ومن ثم “ضرورة الاهتمام به وتنمية قدراته الفكرية بفضل التعليم”[16]

2.أنواع المشاريع التربوية في المدرسة المغربية:

لقد أولت النصوص المرجعية للمنظومة التربوية مفهوم المشروع التربوي مكانة هامة (كما أوضحنا آنفا)، من منطلق الاهتمام بتجديد “النموذج البيداغوجي”، ورفده بالبيداغوجيات النشيطة والفعالة، مع توسيع فكرة “المشروع التربوي” ليشمل كل مكونات المؤسسة التعليمية؛ وهكذا بدأنا نلمس في مدرسة ما بعد “الميثاق الوطني للتربية والتكوين” (1999)، الحديث عن “مشروع الشخصي للمتعلم ” صعودا إلى “مشروع المؤسسة”، الذي ينسلك بدوره في شبكة المشاريع التربوية الجهوية والوطنية

  • المشروع الشخصي للمتعلم:

نجد تنصيصا على هذا النوع من المشاريع في دليل الحياة المدرسية الصادر عن مديرية التقويم والحياة المدرسية سنة 2008، كونه أحد آليات إنجاز أنشطة الحياة المدرسية “الفصلية”، المعززة للعمل الجماعي التشاركي والمشاركة الفعالة والتواصل التربوي الأفقي والعمودي؛ إذ “يمكن للمتعلمين ذوي اهتمامات خاصة أن يشتغلوا في إطار مشاريع فردية، تحت إشراف أطر التوجيه التربوي، أو المدرسين، أو الإداريين، أو متدخلين آخرين، على أن يتمكنوا من تقديم نتائج أنشطتهم لزملائهم بالقسم أو المؤسسة”[17].

وفي سبيل أجرأة وتأطير “المشاريع الشخصية للمتعلمين” صدر لاحقا المذكرة الوزارية 114/19، الصادرة بتاريخ: 08 أكتوبر، الخاصة بإحداث مركز “الأستاذ الرئيس” بالمؤسسات الثانوية (كما سبقت الإشارة إلى ذلك).

  • مشروع القسم

حيث يتشارك المتعلمون في إنجاز مشروع جماعي، يتمتعون فيه بقدر واسع من الحرية، في اختياره وتخطيطه وإعداده وتتبعه وتنفيذه، على أن يقتصر دور المدرسين على التوجيه والإرشاد، وتوفير الظروف المواتية لإنجاز المشروع الذي يتصف بالطابع التربوي والعملي، ويركز على موضوع محدد في مجال من مجالات الأنشطة المندمجة[18]

  • مشروع النادي التربوي:

من خصائص الأندية أنها تشكل ملتقى لمجموعات المتعلمين حسب الميول والاهتمامات، حيث لكل ناد مركز اهتمام واضح، وهو ما يتيح مراعاة الفروق الفردية وحاجات المتعلمين ومواهبهم ومراعاة الخصوصيات المحلية أيضا. ويبرمج النادي أنشطته وينفذها في إطار مشروع النادي الذي يحدد الأهداف انطلاقا من تحليل وضعية المشكل في مجال اهتمامه، ثم يختار الأنشطة ويضع لها جدولا زمنيا للإنجاز مع مراعاة الحاجات المتوفرة أو الممكن توفيرها.

  • مشروع المؤسسة:

عرفت المدرسة المغربية أشكالا متدرجة من الأنشطة التي يمكن نعثها ب”مشروع المؤسسة”، بدءا بجمعية التعاون المدرسي في سبعينات القرن الماضي، انتهاء بمفهوم “مشروع المؤسسة” الذي بدأ تداوله في الوثائق الرسمية اعتبارا من التسعينات من نفس القرن..، غير التشكل الاصطلاحي للمفهوم سيبدأ في التبلور تدريجيا مع “المخطط الاستعجالي 2009-2012، إلى اكتماله تعريفه المفهومي والإجرائي مع المذكرة الوزارية 159/14، المشار إليها سابقا، والتي عرفته بكونه “إطارا منهجيا وآلية عملية ضرورية لتنزيل وأجرأة البرامج والمشاريع التربوية داخل كل مؤسسة تعليمية، وتنظيم وتفعيل مختلف الإجراءات التدبيرية والتربوية الهادفة إلى تحسين جودة التعلمات لفائدة التلميذات والتلاميذ، مع مراعاة الخصوصيات والرهانات المحلية.”[19]

3.الرهان التواصلي في المشروع التربوي ومعيقاته؛ مشروع المؤسسة نموذجا

سنحاول في هذا المحور قراءة “المشروع التربوي” بالمدرسة المغربية (مشروع المؤسسة نموذجا)، من زاوية مفهوم “التواصل التربوي”؛ من خلال تفحص آلياته ومنهجياته، وتتبع شبكاته المحلية (المنظور المحلي للمؤسسة)، والجهوية والوطنية، وكذا رصد أهم معيقات نجاحه؛ التنظيمية والقانونية والتواصلية. ويأتي اختيارنا لمشروع المؤسسة موضوعا لهذ القراءة لعدة اعتبارات موضوعية أهمها: توفر العدة الوثائقية والتنظيمية اللازمة، وتوافر الرصيد التطبيقي لمشروع المؤسسة، ثم لتعميمه على جميع المؤسسات باعتباره أضحى يشكل أهم أضلاع التدبير الإداري في جميع المؤسسات المدرسية ببلادنا.

أما تركيزنا على رهاناته التواصلية في هذه القراءة؛ فلكون فكرة “مشروع المؤسسة” تستند على مفاهيم استقلالية المؤسسة في التدبير المادي والمالي، والتدبير بالنتائج، واللامركزية واللاتركيز، وتعزيز الحكامة الإدارية، والديموقراطية التشاركية، والتواصل وانفتاح المؤسسة على شركاء وفاعلين خارجيين، لمساعدتها على القيام بمهامها التربوية والإدماج والارتقاء الاجتماعي..

  • المقاربات التواصلية في تخطيط وتدبير مشروع المؤسسة:

لبناء مشروع المؤسسة، تخطيطا وتنفيذا وتقويما، يتعين على المدبر التربوي اعتماد المقاربات الحديثة التي ولجت التدبير الإداري التربوي، فأفادت العملية التواصلية الإدارية وأمدتها بآليات فعالة ونشيطة؛

  • مشروع المؤسسة والمقاربة التشاركية

يقصد بالمقاربة التشاركية؛ تلك التي “تعترف لكل الفاعلين(…) بدور مهم في بناء وبلورة برامج عمل معينة، تتآلف حولها الإرادات، وتتظافر الجهود، وتقوم على التعاون والتآزر”[20]، وتقتضي توسيع قنوات الحوار، والاهتمام المتبادل، وتقدير مختلف الآراء واعتبارها، وتحسيسها بالانتماء.

لذلك فإن المدبر التربوي (مدير المؤسسة)؛ مطالب لزوما بتوسيع دائرة المشاركين في مشروع المؤسسة، كما أن الخطوات المنهجية التي وضحتها الوثائق الرسمية (مذكرات ودلائل)[21]، قد حددت بدقة الآليات التشاركية الواجب سلوكها في إعداد مشروع المؤسسة وتنفيذه.

  • مشروع المؤسسة والتدبير بالنتائج

يفيد مفهوم “التدبير بالنتائج” أو التدبير المتمركز على النتائج؛ حشد الجهود المختلفة، بما في ذلك جهود الشركاء الخارجيين للمؤسسة، لتحقيق نتائج محددة وتقديم مخرجات معينة تتسم بالفعالية والنجاعة وجودة الخدمات، مع توظيف أمثل للإمكانات والوسائل المتاحة. ويتم على أساس تحقق تلك النتائج تقويم النشاط الإداري، وتطوير المسؤولية لدى المدبرين التربويين من جهة، وباقي الفاعلين التربويين من جهة أخرى.

وعلى ذلك؛ فإن “مشروع المؤسسة” هو تعاقد بين مختلف المتدخلين، يتم قياس تحققه ونجاحه من خلال نتائجه، وفق المخطط الزمني المتوقع، والإمكانات والموارد المتوفرة.

  • مشروع المؤسسة والشراكة والتعاون

يتطلب إنجاز “مشروع المؤسسة” الاستناد إلى شراكات مع مختلف الفاعلين المحليين والخارجيين، وذلك في إطار توسيع علاقات المؤسسة مع المجتمع على قاعدة متطلبات مشروعها، وفي إطار تبادل المنافع، وتشاركها مع الغير قصد بلوغ النتائج المنتظرة، ومن تم تحقيق انفتاح المؤسسة على محيطها السوسيو-اقتصادي.

ويمكن تلخيص دواعي هذه الشراكة على الشكل الآتي:

  • إيجاد حلول مبتكرة للمشكلات المستعصية بفضل تضافر الجهود والطاقات والخبرات؛
  • اعتماد مقاربة تعاقدية تحدد الأهداف والالتزامات والموارد والنتائج المنتظرة؛
  • تلاقي الإرادات وتضافر الجهود والخبرات للاستفادة من الإمكانات المتاحة؛
  • إنجاز الكثير أو الأحسن انطلاقا من موارد محدودة بفضل تقاسم التكاليف والخبرات؛
  • اجتذاب أشخاص ذوي خبرة أو معارف خاصة أو تجارب مفيدة ومطلوبة؛
  • الإبقاء على هوية كل طرف واستقلاليته خارج الشراكة[22].
  • مشروع المؤسسة والتعبئة الاجتماعية

يستلزم نجاح مشروع المؤسسة، التدبير بمنطق الشراكة، والتفكير بروح التعاون، والانفتاح بقصد التعبئة الاجتماعية؛ بما هي “عمليات متنوعة ومترابطة تقوم على التوعية والتواصل والحوار والدعوة والمرافعة لحشد الطاقات والجهود والخبرات، وتفعيل المشاركة المجتمعية الموسعة في المشاريع والخطط الرامية للارتقاء بالتربية والتكوين. وذلك وفق مقاربات وإجراءات تعزز المشاركة المجتمعية في كافة مراحل بلورة المشاريع والخطط لتحقيق هداف مشتركة تتضافر من أجلها الإرادات والطاقات والموارد والخبرات.”[23]

  • عوائق التواصل في مشروع المؤسسة

لا تخلو أي عملية تواصلية من عوائق تعترضها، تمنع عملية تبادل المعلومات أو تؤخر إرسالها أو استلامها أو تشوه معانيها، أو تؤثر في العلاقات بين مختلف أطراف العملية التواصلية.

وتفيد القراءة في مخطط ومنهجية إعداد مشروع المؤسسة، من التصور إلى الإنجاز؛ تعدد المتدخلين وكثرتها، والتعقد المسطري، وضبابية بعض المفاهيم، وتداخل الاختصاصات؛ بما يعطل كثير من المشاريع المقدمة للجهات المعنية للمصادقة عليها، أو يعرقل إنجازها على المطلوب في حال حظيت بالتصديق الإداري والمالي:

– فعلى المستوى المحلي (داخل المؤسسة)؛ يفترض في بناء المشروع سلوكه مسطرة طويلة من التشاور مع مجالس المؤسسة، واختيار لجنة لقيادة المشروع من أجل الإعداد، ثم عرضه للمصادقة النهائية والاعتماد من طرف مجلس التدبير، دون إغفال دور جماعة الممارسة المهنية لطلب التوجيه والمشورة..، ولا غرو أن هذا المسلك هو تجسيد للتواصل الداخلي في المؤسسة. غير أن التجربة أفادت تعثر كثير من المشاريع في هذه المرحلة؛ لضعف الانخراط الداخلي، أو غياب كفايات العمل التشاركي التعاوني، والانفراد بالقرار التدبيري، أو عدم الشفافية في التصريح بحالة المؤسسة واختلالاتها التي يفترض أن يكون هدف تصحيحها هو موضوع المشروع ذاته، وكذا استمرار وترسخ فكرة المشروع التقليدية القائمة على إصلاحات بنيوية للمؤسسات، لا التركيز على تجويد التعلمات كما تنص على ذلك التوجيهات.

أما على المستوى الإقليمي والجهوي؛ فقد أنيط باللجان الإقليمية والجهوية على التوالي، فحص المشاريع المعروضة عليها، وطلب استيفائها شروط دفاتر التحملات. غير أن الواقع ينبئ بتأخير تسليم المشاريع، أو تجميدها دون إبداء الأسباب، أو طلب تعديلات جوهرية على المشروع يتطلب إنجازها جهودا وتكاليف غير مقدور عليها في الوقت المحدد. كما أن التعقد المسطري في المصادقة، وإلزام المدبرين التربويين بفحوصات مادية ومالية للمؤسسة، قد يدفعهم لاستغناء عن تتبع المصادقة على المشروع..

خاتمة

ختاما؛ إن “المشروع التربوي”، بمختلف تشكيلاته ودرجاته، قد شكل إطارا للعلاقات البيداغوجية بين مختلف مكونات فعل التعليم والتعلم، ومجالا لتدبير علاقات المدرسة مع المحيط، على قاعدة تربية المتعلم وتأهيله ليكون قادرا على الاندماج والتكيف، وإعداده لتحمل المسؤولية والاستقلال في اتخاذ القرار، بروح تشاركية تعاونية، بما يسمح بتفتح شخصيته ونمائها النمو السليم.


المراجع:

  • جماعة من الباحثين، المدرس والتلاميذ: أية علاقة، مطبعة إفريقيا الشرق، البيضاء، دجنبر 1990، ط2
  • جماعة من الباحثين، تدبير النشاط التربوي، سلسلة علوم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، 1996، ط1
  • سنهجي، المشروع الشخصي للمتعلم في ضوء الرؤية الاستراتيجية للإصلاح (2015-2030)، مطبعة شمس برينت، الرباط، شتنبر 2019، ط1
  • الفارابي، عبد اللطيف وآخرون. معجم علوم التربية، سلسلة علوم التربية 9-10، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، المغرب، ط1
  • مديرية التقويم والحياة المدرسية والتكوينات، دليل الحياة المدرسية، 2008
  • المذكرة الوزارية 114/19، الصادرة بتاريخ: 08 أكتوبر 2019، الخاصة بـ “الأستاذ الرئيس”
  • المذكرة الوزارية 159 \ 14، الصادرة بتاريخ 25 نونبر 2014، في شأن أجرأة الاستراتيجية الوطنية لمشروع المؤسسة.
  • PERRENOUD (Philippe), « Apprendre à l’école à travers des projets : pourquoi ? comment ? », université de Genève, 2002, en ligne www.unige.ch/fapse/SSE/teachers/perrenoud/php_main/php_1999/1999_17.html
  • Reverdy,Catherine. Des projets pour mieux apprendre ? Veille et Analyses, no 82 ,février 2013
  • Reverdy,Catherine. L’apprentissage par projet : le point de vue de la recherche, revue : TEVHNOLOGIE, 186, mai-juin 2013.

[1] – لعل في هذا الطرح ما يعزز نجوع كثير من الإبيستيمولوجيين إلى القول بعدم أصالة “علوم التربية” بما هي ملتقى أبحاث ومفاهيم ومناهج العلوم الإنسانية، والشاهد هنا من علم الاقتصاد.

[2] Reverdy, Catherine. Des projets pour mieux apprendre ? Veille et Analyses, No 82, 02-2013, p1

[3] – Reverdy ,Catherine. L’apprentissage par projet : le point de vue de la recherche, revue : TEVHNOLOGIE, 186, mai-juin 2013, p47.

[4] –  PERRENOUD (Philippe), « Apprendre à l’école à travers des projets : pourquoi ? comment ? », université de Genève, 2002, en ligne : www.unige.ch/fapse/SSE/teachers/perrenoud/php_main/php_1999/1999_17.html

[5] – الفارابي، عبد اللطيف وآخرون. معجم علوم التربية، سلسلة علوم التربية 9-10، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، المغرب، ط1، 1/206.

[6] – المرجع نفسه، ص276

[7] – المرجع نفسه، ص276

[8] – سنهجي، المشروع الشخصي للمتعلم في ضوء الرؤية الاستراتيجية للإصلاح (2015-2030)، مطبعة شمس برينت، الرباط، شتنبر 2019، ط1، ص 34-35.

[9] – ولهذه الغاية، سيعتمد إنجاز البرنامج الاستعجالي على مقاربة مجددة تشكل قطيعة مع المنهجيات السائدة، حيث تعتمد على المقاربة بالمشروع.

[10] – المخطط الاستعجالي (2009-2012)، ضمن فقرة: إحداث توافق بين التربية والتكوين وسوق الشغل..

[11] – المذكرة الوزارية 159 \ 14، الصادرة بتاريخ 25 نونبر 2014، في شأن أجرأة الاستراتيجية الوطنية لمشروع المؤسسة.

[12] – المذكرة الوزارية 114/19، الصادرة بتاريخ: 08 أكتوبر 2019، الخاصة بـ “الأستاذ الرئيس”

[13] – Reverdy ,Catherine. Des projets pour mieux apprendre ? ibid, p3

[14] – ينظر: معجم علوم التربية، مرجع سابق، ص202

[15] – جماعة من الباحثين، تدبير النشاط التربوي، سلسلة علوم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، 1996، ط1، ص8

[16] – جماعة من الباحثين، المدرس والتلاميذ: أية علاقة، مطبعة إفريقيا الشرق، البيضاء، دجنبر 1990، ط2، ص32.

[17] – مديرية التقويم والحياة المدرسية والتكوينات، دليل الحياة المدرسية، 2008، ص49.

[18] – المرجع نفسه، ص49

[19] – المذكرة الوزارية 159 \ 14، الصادرة بتاريخ 25 نونبر 2014، في شأن أجرأة الاستراتيجية الوطنية لمشروع المؤسسة.

[20] – أمقران، جمال. التدبير المبني على النتائج: مفهومه، أهميته، أهدافه وآلياته، موقع https://www.maroclaw.com/التدبير-المبني-على-النتائج-مفهومه،أه/#post-2110-footnote-4، تاريخ الزيارة: 15/7/2020.

[21] – أكثر من أربع مذكرات، وثمانية دلائل، على الأقل بعد 2009.

[22] – دليل الحياة المدرسية، مرجع سابق، ص 68-69.

[23] – المرجع نفسه، ص 64

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.