منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(1) جهود علماء المسلمين في الرد على أهل الكتاب ـ الجذور والدواعي من القرآن الكريم ـ

(1) جهود علماء المسلمين في الرد على أهل الكتاب ـ الجذور والدواعي من القرآن الكريم ـ بقلم: د. مصطفى العلام

0

(1) جهود علماء المسلمين في الرد على أهل الكتاب

ـ الجذور والدواعي من القرآن الكريم ـ

د. مصطفى العلام

تقديم:

منذ عصر النبوة والخلافة الراشدة اهتم علماء المسلمين بالأديان عموما وبأديان أهل الكتاب على وجه الخصوص، استجابة طبيعية لتـوجيهات ربانية ونبوية وردت في نصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية العطرة.

وبرزت هذه الجهود بشكل لافت في عصر التدوين ومابعده،من خلال مجموعة من المصنفات المتميزة لعلماء مسلمين أسهموا في بناء منهج واضح في الرد على أهل الكتاب،بل إن هذه الجهود أسهمت أيضا وفي مرحلة لاحقة في تأسيس علماء الغرب مااصطلح عليه حديثا “بعلم الأديان وتاريخ الأديان وفلسفة الأديان ومقارنة الأديان”، وهي مصطلحات وقع الخلاف حولها بين من يعتبرها مترادفة وبين يعتبرها عكس ذلك.ومن أجل تقريب المعنى أكثر أضع بين يدي القارئ تعريفا لهذه المصطلحات كما يلي: «فعلم الأديان “يبحث عن منشإ الأديان وتطورها، وفي الأسس التي ترتكز عليها الأديان المختلفة، وفي أوجه الاتفاق، أو الاختلاف فيما بينها.

وبعبارة أخرى: إنه يناقش تاريخ الأديان، ويوضح فلسفتها، ويوازن بينها. وتاريخ الأديان “يبحث عن نشأة المعتقدات الدينية وتطوراتها، ومرتكزاتها، لدى الشعوب البُدائية المتخلفة، والشعوب المتمدنة”.

وأما فلسفة الأديان فإنها “تبحث في العلاقات بين الأسس التي تستند إليها الأديان المختلفة، وفي الغايات التي تهدف إليها. ويدخل ضمن مباحثها علم ما وراء الطبيعة، وعلم الكلام، أو اللاهوت، وعلم التصوف”. بينما مقارنة الأديان أو تاريخ الأديان المقارن “يدرس خصائص ومميزات كل دين، ويوازن بينها وبين خصائص ومميزات الأديان الأخرى”». [1] .

كما أن هذا البحث لايهدف الخوض في الفوارق المصطلحية بين علم الأديان وتاريخ  الأديان ومقارنة الأديان وهي مصطلحات حديثة التداول، وإنما يروم تسليط الضوء على جهود علماء المسلمين في الرد على أهل الكتاب منذ البعثة النبوية إلى عصرنا الحاضر، من خلال التركيز على أبرز علماء الإسلام ومؤلفاتهم.

– فماهي جذور جهود علماء المسلمين في الرد على أهل الكتاب؟

– وماهي الدواعي والدوافع التي أسهمت في اهتمام علماء المسلمين بأديان أهل الكتاب؟

– ومن هم أبرز علماء الإسلام وأبرز مؤلفاتهم في الرد على أهل الكتاب؟

1ـ نظرة الإسلام إلى الديانات الأخرى

1ـ1 ـ من خلال القرآن الكريم

إن المتأمل في آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن الأديان يرى أنها تتناول عقائد بعض الشعوب القديمة وحتى المعاصرة لنزول القرآن، بحيث أها تعرفنا بهذه العقائد والأديان السابقة للإسلام من جهة وتطرح بعض المقارنات بين دين ودين وبين عقيدة وعقيدة من جهة أخرى.

1ـ1ـ1ـ الكتب والصحف الموحى بها إلى أنبيائه عليهم السلام:

من سنن الله في خلقه أنه كلما حاد عن طريق الحق وجادة الصواب ، كلما تدراكته رحمة الله الواسعة بإرساله رسول جديد ، يصحح الأوضاع ويقضي على العقائد الباطلة والسلوكيات المنحرفة. وقد أوحى الله تبارك وتعالى إلى بعض أنبيائه بكتب تحمل نهجه وتتضمن شريعته، وتحتوي على القوانين والمبادئ التي تضمن للمؤمنين تحقيق السعادة في الدنيا والفلاح في الآخرة . وقد تحدث القرآن الكريم عن بعض هذه الكتب:

ـ صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام : يقول الحق سبحانه وتعالى في محكم التنزيل ﴿ إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى . صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾[2]. وفي موضع آخر يقول الله تعالى﴿ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى  وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾[3].

ـ التوراة المنزلة على نبي الله موسى عليه السلام: يقول الحق سبحانه في أول سورة آل عمران﴿الم. اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ . نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾[4] .

ـ الإنجيل المنزل على نبي الله عيسى عليه السلام: يقول عز من قائل في أول سورة آل عمران أيضا في الآيات نفسها  ﴿ الم. اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ . نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾[5] .

ـ الزبور الموحى به إلى نبي الله داود عليه السلام: يقول الحق سبحانه وتعالى ﴿ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ﴾[6] .

كما يشير القرآن الكريم إلى أبرز العقائد التي كانت منتشرة حين نزوله على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يقول عز من قائل في محكم التنزيل﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[7] .

ـ وفي موضع آخر يقو الحق سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [8].

كما أن هناك آيات قرآنية عديدة تحدثنا عن تفصيلات عقائدية لأقوام سبقت الإسلام، مثل عقائد عاد وثمود والفراعنة وعبدة الأصنام والأوثان…

1ـ1ـ2ـ لكل شعب عقيدته وشرعته

فلكل واحد من الشعوب والأمم عقيدته وشرعته:

ـ يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾[9].

ـ ويقول عز من قائل في موضع آخر﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾[10].

 و يقول الحق سبحانه أيضا في نفس السورة﴿ لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾[11] .

1ـ1ـ3ـ أساس العقائد قبل التحريف هو التوحيد:

وفي آيات أخريات يؤكد القرآن الكريم أن جميع الأمم كانت موحدة في أساس عقائدها ثم اختلف أفرادها وتفرعت عقائدهم:

ـ يقول الله تعالى: ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ  فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمِْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾[12].

ـ وفي موضع آخر يقول الحق سبحانه﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ  وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾[13].

ـ آيات قرآنية تشير إلى تحريف التوراة والإنجيل: بعد أن جاء الإسلام وعرف المسلمون كيف حرف اليهود والنصارى ما بين أيديهم من كتب، عن طريق ماورد في القرآن الكريم ، حيث يخبرنا رب العزة سبحانه وتعالى عن وجود التحريف في التوراة والإنجيل في آيات كثيرة منها:

ـ يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [14].

1ـ1ـ1ـ4ـ آيات قرآنية تدعو إلى حوار ومجادلة أهل الكتاب:

فرغم التحريف الذي لحق التوراة والإنجيل فإن القرآن الكريم يدعو إلى فتح الحوار مع أهل الكتاب ومجادلتهم بالتي هي أحسن ، على اعتبار أن الجدل الديني له أهميته القصوى في العلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب ، من أجل مد جذور التواصل لطريق الهداية إلى الإسلام. كما أن القرآن الكريم وضع الأسس الإسلامية لهذا الجدل:

ـ يقول الحق سبحانه وتعالى ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾[15].

ـ في موضع آخر يقول الله تعالى:﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾[16].

وختاما فإن القرآن الكريم ذكر الكتب والصحف الموحى بها إلى أنبيائه عليهم السلام، وجعل لكل أمة من الأمم شرعتها وعقيدتها المبنية أساسا على توحيد الحق سبحانه وتعالى قبل تحريف الكلم عن مواضعه. ورغم هذا التحريف فإن القرآن الكريم يدعو إلى حوار أهل الكتاب ومجادلتهم وبالتي هي أحسن.


الهوامش

[1] د. رشدي عليان، وسعدون الساموك: الأديان؛ دراسة تاريخية مقارنة،الناشر:وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بغداد العراق ـ 1976م،  القسم الأول، ص: 18

[2] سورة الأعلى 18-19

[3]سورة النجم 36 ـ 37

[4] سورة آل عمران 1ـ 2ـ 3

[5] سورة آل عمران 1ـ 2ـ 3

[6] سورة الإسراء 55

[7] سورة البقرة الآية 62.

[8] سورة المائدة الآية69

[9] سورة المائدة الآية 48.

[10] ـ سورة الحج الآية34.

[11] سورة الحج الآية 67

[12] سورة مريم الآية 36-37

[13] سورة الأنبياء الآيات 92-93

[14] سورة المائدة الآية 13.

[15] سورة آل عمران الآية 64.

[16] سورة العنكبوت الآية 46.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.