منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بلاغة القناع في زمن المؤنث لمجيد فلوح

بلاغة القناع في زمن المؤنث لمجيد فلوح/ لحسن حاجي

0

بلاغة القناع في زمن المؤنث لمجيد فلوح

بقلم: لحسن حاجي

المجموعة القصصية “زمن المؤنث، رحلة واحدة وإن تعددت المحطات” عمل فني إبداعي يضع القارئ منذ صفحة الغلاف أمام متاهة التساؤل، ويزج به في خندق الالتباس على مستوى صياغة الفرضيات القرائية، فالعنوان المتكون من جزأين زئبقي لا يحيلك على جنس أدبي محدد، فهو يجمع بين نفحة التاريخ، ونفَس الدراسة الاجتماعية، وسمات السرد، وملامح النقد الإصلاحي، ولعل اللوحة الفنية للفنان نزار قريش تدعم هذا التصور، إذ يحضر اللباس النسوي التقليدي المغربي بشكل واضح، حيث الجلباب أو الحايك، واللثام، وكذا الألوان المتعددة، والتي تجمع بين عوالم شتى من الدلالات، ولا يخفى على أحد ما تشير إليه الخطوط المتكسرة التي تعلو الصورة من دلالات، وكأني بصاحب اللوحة يومئ إلى زمن ولى، وذلك ما يعكسه عنوان اللوحة “شذرات من الماضي”

إن هذا الغموض الذي يجلل غلاف المجموعة يزيدها تمنعا على ذهن القارئ، ويدفعه إلى مزيد من الاكتشاف، فيتحول إلى متنها فتصدمه تشكلات بصرية أخرى تتكون من شقين متناظرين متكاملين يعضد أحدهما الأخر، الأول أيقوني ويتمثل في رسم فني قائم على الترميد، والثاني عبارات منتقاة من أقوال الشعراء، والمفكرين    والأدباء، والعلماء، وهذا التصور وإن كنا نصادفه في بعض الأعمال الفنية، لكنه هنا بيّن وواضح مقصود، وكأن الكاتب يعطف على القارئ، ويرق لحاله أمام هذا التيه الدلالي، فيأخذ بيده من خلال هذه المشيرات الخارجية، لعله يهتدي إلى كنه النص، والواقع أن ذلك سيف ذو حدين، فبقدر ما يساهم هذا التأثيث في رسم ملامح النص في ذهن القارئ، ويعطيه بعض المفاتيح لفهم المستغلقات، فإنه في الوقت ذاته يسيج آفاق التأويل عنده، ويفرض عليه سلطة الكاتب، ويرسم له الطريق الذي يسلكه، ولعل مرد ذلك إلى رغبة دفينة في نفس الكاتب، ونية مضمرة يؤطرها القصد الرسالي في المجموعة القصصية، ويحفها النفس الإصلاحي الذي يتغياه الكاتب، وحتى هذا التأويل منا يبقى قاصرا أمام ثراء الدلالة الذي يتميز به هذا العمل الأدبي.

ولأجل هذا الثراء الفني بكل تلويناته اللغوية والايقونية، وتشكيلاته السردية والحوارية الذي يعد به هذا العمل القصصي، فقد اخترت أن أقاربه من زاوية تتغيا الكشف عن بعض المقاصد الفنية فيه، وربما البحث كذلك عن المضمرات التي تختبئ خلف الوسائل والأدوات التي اختارها المؤلف عن وعي أو عن غير وعي، ولهذا عنونت مقاربتي المتواضعة  هذه ب”بلاغة القناع في زمن المؤنث” لمجيد فلوح.

وسأتتبع مظان هذه الموضوع في ثنايا المؤلف من خلال تقسيمات لعلها تسعفني في بيان ما يحفِل به من قضايا استأثرت باهتمام الكاتب:

  • قناع الصوت السردي

إن المؤلف في جميع قصص المجموعة يصر على أن يفسح مجالا واسعا أمام الصوت الأنثوي باعتماد ضمير المتكلم الذي يجثم على المتن الحكائي لهذه النصوص، وهنا تتجلى لعبة القناع، لأننا ألفنا في الغالب أن يكون ضمير المتكلم صوتَ الذات الساردة في السيرة الذاتية، لكن أن يكون المؤلف رجلا، والسرد بضمير المتكلم على لسان الأنثى فتلك هي اللعبة التي يلعبها المبدع مجيد فلوح، وهي واحدة من حلقات صدم القارئ، وخرق أفق انتظاره، ماعدا في بعض النصوص ومنها نص كريمبوش حيث يغدو صوت السارد مذكرا، بدليل مشيرات لغوية لا تخفى ومنها “كانت رفيقتي، وكنت رفيقَها في التجوال في الجبل”، من هنا يغدو سؤالنا مشروعا عن السبب في اعتماد المؤلف على ضمير المتكلم ليجعل شخصياته الأنثوية تتحدث، وتكشف خبايا النفس، إن الجواب في نظري يدخل ضمن بلاغة القناع التي اختارها المؤلف، فقد حرص على أن يجعل البوح مباشرا دون وساطة، ليوهم القارئ بأنه لا سلطة له على بوح هؤلاء النسوة في النصوص، وأن ما يجري على ألسنتهن هو صوت أنثوي صرف، وهذا تصرف ذكي منه، على اعتبار أن السرد بضمير الغائب والتعبير عن مكنونات صدر الأنثى بصوت ذكوري  أمر يزيد من سلطوية الصوت الذكوري، ويكرس وصايته على المرأة حتى في المتخيل السردي.

ويكفي أن نورد هنا تلك العبارة التي صدّر بها المؤلف قصة “أنا الأنثى” لنتبين وعيه بهذا القناع”:« لا أظن الكاتب اليوم وإن تقمصني ونطق باسمي يستطيع نقل ما يختلج في صدري، وكيف يستطيع ولساني يعجِز عن بيان مكنوناتي، حتى وإن حاولت الحديث بلهجتي العامية التي درج عليها لساني» [1]، فهذا دليل واضح على هاجس الصوت السردي الذي يهيمن على تفكير المؤلف وعيا منه بأن تحرير المرأة من ربقة الأعراف يبدأ من تمكينها من صوتها لتعبر عن خلجات نفسها بعيدا عن الصمت الذي كان دوما ذلك السيف الذي يتسلط على رقبتها، ويصير جوابا بالإثبات لسؤال يحدد مصيرها، وكأني بالكاتب هنا يبدأ تمرده على تلك الأعراف البالية، وتلك القوانين المجتمعية التي لا يقرها شرع الله، وإنما تمجدها سطوة مجتمع ذكوري غاية في الأنانية والنرجسية، وهذا ما يجعل هذا  العمل الإبداعي يستمد مقوماته من نزعة إصلاحية واضحة، لكنها تتم بمنطق القناع الفني الذي يجعله بعيدا كل البعد عن الموعظة التي لا تتساوق وطبيعة الفن، فكاتبنا بارع في التملص من الخطابية بما تمكله من حس فني جعله يتخذ من الإيهام وسيلته الأولى، وتلك مزية العمل الأدبي الناجح.

وفي سياق الحديث عن قناع الصوت السردي يواجهنا الكاتب بتصريح يخرق كل التوقعات، وذلك في نص “زمن المؤنث” والذي تأخذ منه المجموعة عنوانها، حيث تحيل كل المشيرات اللغوية والإحالات على أن المتكلم هو الكاتب السارد، ودلالة القناع هنا تتعزز بالترتيب الذي اختاره لهذا النص ضمن معمار المجموعة، فهو النص الثاني عشر، وموقعه هذا له مايبرره، فالكاتب لم يشأ أن يكشف عن ذلك منذ البداية حتى يتوهم القارئ أن الصوت السردي أنثوي، يقول:”خاطبني صديقي الأديب عندما كتبت “أنا الأنثى” بأنني كسرت الأنا الذكورية التي يتنزه الأدب الذكوري عن الخروج عنها، وأخبرته أنني لا أجد غضاضة في ذلك. كما لا أجد غضاضة في تقمص الأدوار النسائية التي تصدرت البطولة في هذه المجموعة.”[2]

إن هذا التصريح تتناسل معه مجموعة من الأسئلة:

– هل كان لابد من إفصاح الكاتب عن ذلك بهذا الشكل الصريح؟

–  هل هذا التصريح جزء من لعبة القناع التي نتحدث عنها؟

– هل خدم هذا التصريح مقصدية الكاتب أم أنه أساء إلى لعبة الحكي؟

– أما كان ممكنا ترك المجال للقارئ كي يمخر عباب التأويل، ويصارع أمواج التخمين كي يظفر بلذة النص؟

في نظري هذه الأسئلة مشروعة، ولها ما يبررها، لكني أقرأ الأمر بشكل مختلف، فأنا أكاد أجزم بأن الكاتب تقنع بقناع الصوت السردي الأنثوي عن سبق إصرار، ورهانه في ذلك كسر قواعد السرد، وتغيير مواقع القطع على رقعة الشطرنج، ليؤكد أن إسناد مهمة السرد للأنثى باعتماد ضمير المتكلم وإن كان الكاتب رجلا إنما هو محاولة لخلخلة تمثلات القراء، ومسعى للجهر بأنه آن الأوان كي  نرفع نحن الذكور وصايتنا عن المرأة كي تستطيع أخذ زمام البوح حتى ولم تكن هي الكاتبة، وفي هذا نوع من الإنصاف الذي لا يوقع النص في حرب الرجال والنساء ويبعده عن نهج الانتقام الأدبي الذي سلكته الكثير من الأديبات، فكم من كاتبة جعلت من السرد النسوي فرصة لتعرية الذكور، وجلدهن أمام القراء نكاية فيهم لأنهم يمثلون الآخر الذي اضطهدهن طوال عصور سياسيا، واجتماعيا، وثقافيا، وسرديا حتى.

ولكن اللافت في لعبة القناع هذه هو ما عمد إليه الكاتب من إقامة جسور وهمية بين بعض النصوص، تجعل القارئ متورطا في الشهادة على التحول الملتبس للصوت السردي، وخير مثال على ذلك ما نجده في نص “الغريب”، ونص “قاتل النساء”، حيث ينتشي الكاتب بتغيير قناع السارد بين النصين، فيسند مهمة السرد في النص الأول إلى سارد طفل يحكي بضمير المتكلم، ويقدم نفسه على أنه ابن الغريب، الذي اغتاظ لأن ابنه لم يعرفه، وفي ذلك ملمح لا يخفى، إنه نقد خفي للرجل الذي يستقيل من دور الأبوة، ويفوض ذلك إلى الأم، وبمكر فني يفتتح النص الثاني بخطاب  موجه إلى القارئ يسأله من خلاله إن كان يتساءل عما فعل الله بذلك الغريب، وهو خطاب من شأنه أن يوهم القارئ بأن السارد الطفل سيكمل قصة أبيه الغريب، ولكنه سيطوح به في متاهة الأحداث، ليجد نفسه أمام سارد جديد يحكي بضمير الغائب حكاية الغريب وأهله، ومنهم الطفل الذي هو واحد من أبنائه من إحدى نسائه القتيلات مجازا، إن هذا الأسلوب الذي يعتمد بلاغة القناع السردي كما أحببت أن أسميه في هذه المقاربة يخلق ذلك التشويق الذي ينتظره القارئ، لكنه تشويق بطعم الدهشة، وكأني بالكاتب في بعض النصوص يريد أن يتسلى بمنظر القارئ وهو تحت تأثير القراءة التي لا تشفي غليله في المرة الأولى ولا حتى في الثانية، وقد لا يهتدي إلى ضالته، وتلك غاية النصوص المتمنعة التي تسترفد من غواية الحكي عند شهرزاد، ومن عنقودية ينتظمها حبل سُري يربط ذلك كله بالرحم الأم الذي هو قدْر المرأة وقدَرها الذي آن الأوان كي تحكمه حتمية التحول نحو زمن المؤنث لأنها أكدت أحقيتها في أن تنال نصيبها من غلة ساهمت في زرع بذورها، وتعهدها بالرعاية .

نقف عند نص آخر يرفع فيه الكاتب منسوب الدهشة إلى مستوى أعلى، ويقود القارئ في متاهة أخرى بنية مبيتة، ويسلم دفة السرد إلى سارد يتخذ من التذكر والاسترجاع مطيته ليتجول بنا في واقع مغربي خالص، إنه نص “المعلمة”، الذي تفنن من خلاله الكاتب بواسطة سارده في توشية القناع السردي بكل الألوان، والخطوط حتى أنه حذف كل إشارات المرور التي قد يهتدي بها القارئ في رحلة بحثه عن دلالة الأحداث، ورسم ملامح الشخصيات، ، وتحديد هوية هذا السارد المقنع، الذي يحتل موقع الشاهد على نبل مهنة  المعلمة، وتضحياتها من أجل بناء الإنسان، فمن يكون هذا السارد الذي يتوكأ على ضمير المتكلم، ويحكي بلسان الطفل والراشد معا؟ إن الكاتب هنا يلعب لعبة البحث عن المفقود، ويشرك القارئ فيها، إنه يخفي ملامح سارده، ، وهذه المسألة سنعود إليها معا معاشر المتابعين في حديثنا عن نوع ثان من الأقنعة التي تفنن الكاتب في رسمها له ولشخصياته .

وإن بحثنا عن دليل آخر على هذا الوعي بأهمية الصوت السردي في هذه المجموعة نقرأ بداية قصة الراوي :«الآن يتزاحم علي أبطال هاته الرواية، الكل يريد أن يكون راويها.

وهل ينسلخ الراوي من نفسه حين يحكي الحكاية، وهل هناك موضوعية لدى الكاتب ومن سواه ممن ينقل الأحداث ويصور المشاهد، ويحلل المجريات، ويستنتج النتائج»[3] فالكاتب قد دس في كلام السارد موقفا شخصيا من الأحكام المسبقة الجائرة، أو كما أسميها شخصيا “أنصاف الحقائق” والتي صارت ديدن كل راو في مشهدنا الاجتماعي المغرق في البهلوانية المقيتة، إنه يطرح سؤال إنكاريا يخرج عن معناه الحقيقي إلى معنى النفي، أي لا ينسلخ الراوي من نفسه حين يحكي الحكاية، وفي ذلك إقرار منه بأن كل صوت سارد بضمير الغائب إنما هو مغامرة يمكن أن تنفث في الحقائق شيئا من قناعات الراوي، وأفكاره، ومواقفه.

ففي هذه القصة يمكن أن نتحدث عما أسميه “العدالة السردية” فقد أشرك الكاتب شخصياته في عملية السرد إلى جانب السارد الذي يتقمص شخصية الراوي الشاهد، فوجدنا رواة يتقاسمون معه غواية الحكي، ومنهم الابن، والأم، والبنت، ، وزوجة الأب، والأب، وكل واحد منهم قدم القصة من زاوية نظره الخاصة، بضمير المتكلم، وهذا يؤكد إصرار المؤلف على رد الأمور إلى نصابها، وتغليب صوت المتكلم على ما سواه، وبعملية إحصائية بسيطة نجد أن نسبة الأصوات الأنثوية في قصة الراوي هي 3 على 5، وحتى ضمن روايات الذكور فإن الأنثى هي قطب الرحى في ذلك.

  • قناع المجهول

ملمح  آخر من ملامح  القناع السردي الذي اختاره الكاتب في نصوصه التي تؤثث مجموعة “زمن المؤنث” هو إصراره على  الإخفاء المتعمد لأسماء كثير من بطلاته، وهذا أمر له أكثر من دلالة، إن الكاتب يريد أن يقول لنا نحن القراء: إن الأسماء تقيد الإنسان، وهو يريد لبطلاته أن تكن كل النساء في كل مكان وفي كل زمان، يريد أن يجعلهن صوت كل أنثى، وللاقتراب أكثر من ذلك نتلمس ملامح هذا القناع في ثنايا النصوص.

فأول ملاحظة أسجلها هنا، وهي تسري على كل النصوص، هي أن السارد شخصية مشاركة في كل أحداث النصوص تقريبا، بل الأكثر من ذلك أنه يطابق شخصية البطلة في أكثر من نص، إن لم نقل في الجزء الأكبر من نصوص المجموعة، فإحصاء سريع يجعلنا  نتبين أن خمسة عشر قصة تروى فيها الأحداث من طرف سارد مؤنث كما نتبين أن الكاتب قد أخفى عمدا أسماء الساردين سواء أكانوا ذكورا أم إناثا، وكذا أسماء بعض البطلات ممن يتقاسمن دور البطولة مع السارد، فما تفسير ذلك؟

إن تفسير ذلك في اعتقادي هو رغبة الكاتب في أن يلعب لعبة القناع ليحقق مأربه وهو الإيحاء بأن شخصياته ليس مقصودة لذاتها، ولا تتقيد باسم محدد، لقد ترك أسماءها مبهمة لأنها تشير إلى كل النساء اللواتي يشتركن مع هذه الشخصيات في الواقع والمصير. إن الكاتب يرسم بهذه الطريقة الإبداعية الخط التحريري لرسالته الذي ينسجم مع تصريح مع ما جاء في نص «أنا الأنثى»: «أدعو المجتمع إلى الاتصاف بالأنوثة والمروءة لأنني أفتخر بكوني أنثى، وأعتز بأنني امرأة».[4]

لقد صمم الكاتب على خرق المألوف في الكتابة القصصية، وتحمل مسؤولية هذا الخرق في سبيل أن يصدح بقناعته التي انعقدت في وجدانه، وآمن بها فكره، هذه القناعة تقوم على نهج قويم يستمد أسسه من وعي كبير بضرورة تجديد الوسائل، وتحديث القنوات التربوية، واستثمار كل وسيلة مشروعة في أداء واجب التغيير، فالمجتمع متعدد المشارب، متباين الأهواء، متنوع الأيديولوجيات، من هنا اختار مبدعنا مطية السرد وأقنعته ليصدع بما يؤمن به، ويجهر بما يمليه عليه ضميره الإنساني المتشبع بهدي نبي الهدى محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا الأمر الذي أشرت إليه هنا يرتبط بقناع آخر.

  • قناع الكتابة

أمعن الكاتب في تكسير كثير من ثوابت الكتابة القصصية، وأوهمنا مرارا بلعبة كسر الجدار كما لو أننا نشاهد عرضا مسرحيا، لا يسدل فيه الستار، بل يظل الجمهور شاهدا على تغيير المشاهد، والأدوار، واللوازم والتوابع، وكأنه جزء من لعبة الإيهام، لقد فاجأنا الكاتب غير ما مرة وهو يتقنع بقناع سارديه بتدخلات غير متوقعة، وكأن صوتا آخر يدخل على الخطـ، أو يمهد للسرد، فلنقرأ ما يلي في مستهل نص “الهوية الضائعة” :”تحيرت في وضع عنوان لهذه القصة، ترددت بين الجميلة والفاسية، وبين عناوين أخرى عن فقدان الهوية”[5]

هنا يحق للقارئ أن يتساءل : من يحدد العنوان؟ الكاتب أم السارد؟ هل للسارد تلك الصفة؟

نتوقف عند مثال آخر يكشف هذا التصور، وهو قصة “زمن المؤنث “  برمتها، إنها تمثل نوعا من التنويم الذي مارسه الكاتب على قرائه، يتقمص فيه شخصيته السارد، ولكنه ينسحب من هذا الدور، ويكشف عن شخصيته، لقد جعل هذا النص مناسبة ليخبرنا عن ظروف ودواعي تأليف مجموعته، ويحدثنا عن شخصية العام وهي “مي خديجة”، ويتقاسم معنا بعض أفكاره بأسلوب تقريري حينا، وإيحائي حينا آخر، وفي ثنايا حديثه يعود للقناع مرة أخرى، حين يقول في معرض تساؤله عن سبب التطبيع مع المؤنث: «أوعزت المعلمة الأمر إلى نشأتي في أسرة نساؤها أكثر تأثيرها من ذكورها»فمن المعلمة إذن؟ أليست  تلك التي كانت بطلة إحدى قصص المجموعة؟

إن كاتبنا يمارس هوايته في التخفي، والإيهام، ويأخذ قارئه إلى فضاءات من الخيال، على الرغم من أنه صرح على لسان سارده بأن هذه القصص هي نتيجة تفاعل الواقع المحكي مع الكاتب، إننا نشعر بأنه فوض للسارد بعض صلاحياته، فبات يتحدث باسمه، إن لعبة القناع هذه تنقلنا إلى المقامات ، وكأنه أبو الفتح الاسكندري بطل مقامات الهمداني، أو أبو زيد السروجي في مقامات الحريري ، إنه يورطنا في الانخراط في لعبته، والتماهي مع شخصيته، فنعيش معه في إطار نوع من الاتفاق المعلن متعة السرد ولذته، ونتقاسم معه لعبة القناع، ووهم التخييل.

أكتفي بهذا القدر من هذه الرحلة الماتعة مع مؤلف “زمن المؤنث” حتى لا أطيل على أساتذتنا ومتابعينا الكرام، بعدما توقفت عند بعض ما عنّ لي من تجليات بلاغة القناع في هذا العمل الإبداعي، والتي كانت وسيلة الكاتب مجيد فلوح  في أن يؤسس لنمط متميز من الكتابة ذات النفس التربوي الإصلاحي، ولكن بأدوات جديدة، وبمغامرة مشاكسة تخرق بعضا مما اتفق عليه في العمل القصصي، ولا يمنعنا ما لامسناه من جوانب التميز في العمل إلى إيراد بعض الملاحظات التي أرى أنني ملزم بها من باب أمانة النقد، ومسؤولية القارئ، ومنها أن بعض النصوص لا تقوم على حبكة قصصية بالمعنى المعروف، وهو ما يسقطها في المباشرة والتقريرية، ويخرجها من إطار الإمتاع إلى ساحة الحجاج والمناظرة، كما أن إسناد السرد إلى ذوات متكلمة في كثير من النصوص، يخلق نوعا من التشابه غير المحمود بينها على الرغم من تغيير الشخوص، والأحداث والأماكن والمواضيع.

نرجو من الله العلي القدير أن يوفق مبدعنا الأستاذ مجيد فلوح في مسيرته الإبداعية، ويتقبل منه ذلك، ولا يسعني إلا أن أعرب لكل الأستاذات الجليلات، والأساتذة الأجلاء على عظيم امتناني لما خصوني به من ترحيب، وعلى رأسهم الدكتورة فاطمة الربيع مديرة الندوة، والأستاذة المبدعة حسناء ادويشي التي كانت سببا بعد توفيق الله عز وجل في حضوري معكم اليوم، ومشاركتي في أشغال هذه الندوة المباركة، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.


[1] – زمن المؤنث رحلة واحدة وإن تعددت المحطات. مجيد فلوح. مركز فاطمة الفهرية للدراسات.طبعة 2022 ص: 97

[2] – المرجع نفسه ص: 103

[3] – المرجع نفسه ص: 161

[4] –  المرجع نفسه ص:101

[5] – المرجع نفسه ص: 73

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.