منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مجال التأويل في الخطاب الأصولي

لطيفة يوسفي

0

إن نصوص الشريعة الإسلامية في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة قد وردت باللغة العربية ولهذه اللغة قواعد معينة وطرق خاصة في فهم المعاني من ألفاظها وأساليبها، فلابد من معرفتها والإحاطة بها حتى يمكن فهم معاني القرآن والسنة فهما صحيحا واستنباط الأحكام استنباطا سليما.

فعلم اللغة العربية يعد مدخلا أساسا في البيان الدقيق والتأويل الصحيح لمعاني الخطاب الشرعي واستنباط معارفه ومقاصده وأسراره وحكمه وأحكامه، وبيانه ـ كما قال الزركشي ـ” يكون بعضه من قبيل بسط الألفاظ الوجيزة وكشف معانيها وبعضه من قبيل ترجيح بعض الاحتمالات على بعض لبلاغته ولطف معانيه ولهذا لا يستغنى عن قانون عام يعول في تفسيره عليه ويرجع في تفسيره إليه من معرفة مفردات ألفاظه ومركباتها وسياقه وظاهره وباطنه وغير ذلك مما لا يدخل تحت الوهم ويدق عنه الفهم.”[1]

وقد درس الأصوليون اللفظ ودلالته دراسة دقيقة، لكونه العمدة في عملهم، ومناط الحكم الشرعي ودليله، فتتبعوه مفردا ومركبا، خاصا وعاما، أمرا ونهيا، مطلقا ومقيدا، محكما ومتشابها، حقيقة ومجازا، وفصلوا القول في مراتب دلالته على المعنى من حيث الوضوح والخفاء، وذلك وصولا لوضع القواعد التي تعين على فهم النص الشرعي فهما صحيحا، وتضبط سبل استنباط الأحكام منه.

وقد اقتضت الموضوعية والمنهجية العلمية أن نتناول هذا المطلب من خلال فرعين:

الفرع الأول: مجال النصوص

أ ) النصوص المحتملة الدلالة

يدخل التأويل في ” أغلب الفروع، ولا خلاف في ذلك”[2]بين العلماء إذا ما كان اللفظ قابلا للاحتمال فيما يدل عليه، فاللفظ العام مثلا يخصص، وهو من قبيل الظاهر الذي يدخل ضمن مجال التأويل.وفي ذلك يقول الجويني ” وتأويل الظواهر على الجملة مسوغ إذا استجمعت الشرائط ولم ينكر أصل التأويل ذو مذهب وإنما الخلاف في التفاصيل وإن قدرنا فيه خلافا فالمعتمد في الرد على المخالف إجماع من سبق فإن المستدلين بالظواهر كانوا يؤولونها في مظان التأويل وهذا معلوم اضطرارا كما علم أصل الاستدلال ثم إذا ثبت جواز التأويل فلا يسوغ التحكم به اقتصارا عليه.”[3]

والشافعي رحمه الله يرى أن ” الوقوف عند الظاهر وعدم الجنوح إلى الباطن والتأويل إلا بدليل، فيه العصمة عن الضياع في تعدد المعاني المحتملة، وانعدام الحجة لأحد على أحد.”[4]

والحمل اعتقاد السامع مراد المتكلم من اللفظ.[5]وهو المعول عليه في تحليل الخطاب، إذ الأولوية لا تعطى دائما للأصل في مسألة “الحمل” بل يقتضي أن السامع يختار المعنى الراجح سواء كان أصلا أو فرعا، أي: أن الأصول لا تعطى أولوية إلا في حال غياب ما يخالفها، يقول الإمام القرافي”والمصير إلى الراجح واجب، وإن كان على خلاف الأصل، ألا ترى أن المجاز على خلاف الأصل، وإذا رجح بالدليل وجب المصير إليه، وكذلك التخصيص والإضمار وسائر الأمور التي هي على خلاف الأصل.”[6]

واللفظ الظاهر ” ما دل على معنى بالوضع الأصلي، أو العرفي، ويحتمل غيره احتمالا مرجوحا.”[7]

وقد حصر التلمساني المالكي اتضاح الدلالة من جهة الوضع والاستعمال، ومن حيث إن الظاهر متضح الدلالة في أسباب ثمانية:

  1. الحقيقة وهي مقابلة للمجاز.
  2. الانفراد في الوضع وفي مقابلته الاشتراك.
  3. التباين وفي مقابلته الترادف.
  4. الاستقلال وفي مقابلته الإضمار.
  5. التأسيس وفي مقابلته التأكيد.
  6. الترتيب وفي مقابلته التقديم والتأخير.
  7. العموم وفي مقابلته الخصوص.
  8. الإطلاق وفي مقابلته التقييد.”[8]

ومثاله قوله تعالى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَوَحَرَّمَ الرِّبَا﴾،[9] فإنه ” ظاهر في إطلاق البيع نص في الفرق بين البيع والربا بمعنى الحل والحرمة لأن السياق كان لأجله لأنها نزلت ردا على الكفرة في دعواهم المساواة بين البيع والربا كما قال تعالى ﴿ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾” ([10])([11])، فكل من لفظ ﴿الرِّبَا﴾و﴿الْبَيْعَ﴾عامان يحتملان التخصيص.

ومثاله أيضا قوله تعالى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىفَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾،[12] فهذه الآية نص في بيان العدد الحلال من النساء،[13] دون توقف الدلالة في الإباحة على أمر خارجي، هذا مع أن الآية سيقت لأمور أخرى بينها سبب النزول فقد جاء في الحديث أن عائشة رضي الله عنها بينت لابن أختها عروة بن الزبير فقالت: «يا ابن أختي اليتيمة، تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها، يريد أن يتزوجها بأدنى من سنة صداقها، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، فيكملوا الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن من النساء»،[14]وجاء في تفسير الطبري ” قال ربيعة في قول الله﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾، قال يقول: اتركوهن، فقد أحللت لكم أربعا.”[15]

أما النص فهو ” في دلالته على الحكم أقوى من الظاهر، وإذا ازداد وضوحا عليه وسيق الكلام له مع احتمال التخصيص والتأويل وجب العمل به.”[16] فقد اعتبر قسما من الظاهر، ولذا صحت تسمية الشافعي الظواهر نصوصا في مجاري كلامه، وكذلك القاضي أبو بكر.[17]

وقد تناول ” الأصوليون المتكلمون مفهوم النص في سياق بيانهم لمفهوم المحكم باعتباره القدر المشترك بين النص والظاهر في الرجحان، فالمحكم لفظ واضح إما نص وإما ظاهر.”[18]

قال القرافي ” والنص فيه ثلاثة اصطلاحات، قيل: ما دل على معنى قطعاً ولا يحتمل غيره قطعاً كأسماء الأعداد، وقيل: ما دل على معنى قطعاً وإن احتمل غيره كصيغ الجموع في العموم فإنها تدل على أقل الجمع قطعا وتحتمل الاستغراق، وقيل: ما دل على معنى كيف ما كان وهو غالب استعمال الفقهاء.”[19]

أما أصوليو مدرسة الفقهاء فقد تناولوا بيان النص ضمن ” ترتيبهم للدلالة الواضحة من حيث إن اللفظ إذا ظهر منه المراد يسمى ظاهرا بالنسبة إليه، ثم إن زاد الوضوح بأن سيق الكلام له يسمى نصا، ثم إن زاد حتى سد باب التأويل والتخصيص يسمى مفسرا، ثم إن زاد حتى سد باب احتمال النسخ أيضا سمي محكما.”[20]

ومثاله قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ[21]فالآية وإن كانت ” ظاهرا بأن لا يزيد المكلف في طلاقه على واحدة، فهي نص في بيان مراعاة وقت السنة في إيقاع الطلاق، فإن الكلام سيق لذلك، وقد تأكد ذلك في حديث ابن عمر حينما طلق زوجته وهي حائض فقال له صلى الله عليه وسلم «مره فليراجعها، ثم ليتركها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله عز وجل أن يطلق لها النساء» ([22]) ([23])

وإذا كان الظاهر والنص يحتملان التأويل والتخصيص، فإن ” المفسر لا يبقى فيه احتمال التأويل ولكن يبقى احتمال النسخ.”[24]

ومثاله قوله تعالى ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾،[25] فإن اسم الملائكة ” عام فيه احتمال الخصوص فبقوله ﴿كُلُّهُمْ﴾ ينقطع هذاالاحتمال ويبقى احتمال الجمع والافتراق فبقوله ﴿أَجْمَعُونَ﴾ ينقطع احتمال تأويل الافتراق.”[26]

ومثاله أيضا قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾،[27]فالآية قطعية الدلالة على جلد القاذف ثمانين جلدة، فالعدد هنا لا يحتمل زيادة أو نقصان ” فلا يبقى معه احتمال التأويل،”[28] ويمكن إلحاقه بالنص من ناحية الوضوح إلا أن النص لا يقبل النسخ.

وهناك لفظ يشبه النص إلا أنه أقوى منه وهو المحكم الذي ” ليس فيه احتمال التأويل ولا احتمال النسخ والتبديل،”[29]لأنه يتعلق بالأحكام الأساسية من قواعد الدين.

ب ) النصوص الغامضة أو الخفية المعنى

الخفي ما ظهرت دلالته على معناه دلالة واضحة لكن في انطباق معناه على بعض أفراده نوع خفاء لا يزول إلا بالنظر، يقول السرخسي ” وأما الخفي فهو اسم لما اشتبه معناه وخفي المراد منه بعارض في الصيغة يمنع نيل المراد بها إلا بالطلب.”[30]

ومنشأ هذا الخفاء يعود إلى أمرين أحدهما: أن يكون للفرد المراد إعطاؤه الحكم اسم خاص به، والآخر أن ينقص أو يزيد صفة عن سائر الأفراد.

ومثاله قوله تعالى﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾،[31] فلفظ ” السارق ” في الآية ” ظاهر في مفهومه الشرعي خفي في الطرار والنباش للاختصاص،”[32] وذلك لأن ” الاختصاص المعني باسم بحيث لا يطلق على غيره مما يندرج تحت مفهوم يظن كون ذلك المعنى من أفراده في بادئ الرأي يورث خفاء في كونه منها ويرجح عدمه، لأن الظاهر عدم اختصاص بعض أفراد مفهوم باسم عن سائر أفراده، ثم غيا الخفاء في النباش والطرار.”[33]

فالطرار: اتفق جمهور العلماء على جعله سارقا وزيادة لزيادة معناه عن معنى السارق.[34]

والنباش: اختلفوا في حكمه على مذهبين، فذهب أبو حنيفة ومحمد بن الحسن إلى انفراد النباش باسم خاص فلا يجب فيه حد السرقة.

وذهب أبو يوسف والأئمة الثلاثة إلى اعتبار النباش سارقا، ويقتضي ذلك إقامة حد السرقة عليه.[35]

وهناك من اللفظ الذي لا يقتصر في إزالة ما يحمله من غموض بالطلب كالخفي، بل لابد فيه من النظر والبحث والتأمل في القرائن والدلائل الدالة على المعنى المراد منه.[36] ويصطلح عليه بالمشكل.

ومثاله قوله تعالى ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا ﴾،[37] ففي هذه الآية اشكالا من حيث أن القارورة لا تكون من الفضة بل من الزجاج، ” إن تلك الأواني لا تكون من الزجاج، ولا من الفضة، بل لتلك الأواني حظ منهما، فإن للزجاج صفاء ليس هو للفضة وهو أن يجلي عما في باطنه، والفضة لها بياض ليس هو للزجاج، فكان لتلك الأواني صفاء الزجاج وبياض الفضة، وهما الصفتان الحميدتان لهما، فانتهت عنها الصفات الذميمة التي لهما.”[38]

وفي الألفاظ المشكلة كما -قال ابن دقيق العيد- ” إنها حق وصدق، وعلى الوجه الذي أراده الله، ومن أول شيئا منها، فإن كان تأويله قريبا على ما يقتضيه لسان العرب، وتفهمه في مخاطباتهم لم ننكر عليه، ولم نبدعه، وإن كان تأويله بعيدا توقفنا عنه، واستبعدناه، ورجعنا إلى القاعدة في الإيمان بمعناه، مع التنزيه.”[39]

وقد تزداد الألفاظ خفاءا والسبب يؤول إلى توحش في اللغة وضعا، أو المعنى استعارة، أو ازدحام المعاني واشتباه المراد أو انتقاله من معناه الظاهر إلى معنى آخر غير معلوم. وهذه الأنواع من الألفاظ يطلق عليها لفظ ” المجمل ” وفي ذلك يقول السرخسي: ” هو لفظ لا يفهم المراد منه إلا باستفسار من المجمل وبيان من جهته يعرف به المراد وذلك إما لتوحش في معنى الاستعارة أو في صيغة عربية مما يسميه أهل الأدب لغة غريبة.”[40]

ومثاله قوله تعالى﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾،[41] اختلف أهل الأصول في تأويل هذه الآية فسلكوا في تأويلها مذهبين مذهب يقول أنه لا إجمال في التحريم المضاف إلى الأعيان، ومذهب يرى خلاف ذلك قال الآمدي ” الذي صار إليه أصحابنا وجماعة من المعتزلة كالقاضي عبد الجبار والجبائي وأبي هاشم وأبي الحسين البصري، أن التحليل والتحريم المضافين إلى الأعيان، كقوله تعالى﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ[42]، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ[43]لا إجمال فيه، خلافا للكرخي وأبي عبد الله البصري.”[44]

ومن الألفاظ الخفية المعنى والتي تعددت فيها أقوال وآراء العلماء: المتشابه ويتناول الحروف المقطعة في فواتح السور، والمنسوخ، والمقدم، والمؤخر، والأمثال.[45]وورود المتشابهات في القرآن الكريم من حكمه عز وجل بأن يتدبر الفكر الإنساني تلك الآيات، ويرتحل العقل في آفاق معانيها، وفي ذلك يقول جلال الدين السيوطي ” إذ لو كان القرآن كله محكما لا يحتاج إلى تأويل ونظر، لاستوت منازل الحق، ولم يظهر فضل العالم على غيره.”[46]

ومجمل القول أن التأويل يجد مجالا خصبا في النصوص التي تحمل أكثر من وجه دلالي، ولو كانت واضحة، لأن ظهورها لا ينفي الاحتمال، والألفاظ لم تقصد لذواتها، وإنما هي أدلة يستدل بها على مراد الشارع، فإرادة المعنى آكد من إرادة اللفظ.

ج ) النصوص التي ظاهرها التعارض

التعارضتدور معانيه لغة حول المنع والظهور وحدوث الشيء بعد العدم ” اعترض الشيء دون الشيء أي حال دونه.”[47]وفي الاصطلاح” تقابل الدليلين على سبيل الممانعة.”[48]

ومصطلح التعارض يرافقه مصطلح الترجيح باعتبار كل منهما ثنائية لا تكاد تنفك وكأنهما مصطلح واحد أي أنه لا (ترجيح) إلا حيث (التعارض)، يقول الشاطبي ” وإنما ذكر هنا ما هو كالضابط الحاصر، والأصل العتيد، لمن تشوف إلى ضوابط التعارض والترجيح.”[49]

فالترجيح لغة” رجح الشيء، وهو راجح، إذا رزن، وهو من الرجحان،ويقال أرجحت، إذا أعطيت راجحا.”[50]وفي الاصطلاح ” اقتران أحد الصالحين للدلالة على المطلوب مع تعارضهما بما يوجب العمل به وإهمال الآخر.”[51]

التعارض في النصوص إنما هو في الظاهر، إذ لا يوجد نصوص كلها صحيحة متعارضة في الباطن في حقيقة الأمر إلا إذا كان منها ما هو متقدم منسوخ ومنها ما هو متأخر ناسخ، أما النصوص المحكمة التي ليست من باب الناسخ والمنسوخ فإن التعارض فيها إنما يكون في الظاهر لا في الباطن، وإذا وجد هذا التعارض في الظاهر فهناك قواعد لأهل العلم يتعاملون بواسطتها مع هذه النصوص، بحيث يتم إزالة هذا التعارض، فإن أمكن حمل بعضها على بعض من حيث العموم والخصوص والإطلاق والتقييد تعين للعمل بالنصين، وإذا لم يمكن حمل بعضها على بعض بأن تكون كلها عامة أو كلها خاصة فإن عرف المتقدم من المتأخر عمل بالمتأخر وترك المتقدم، وهذا من النوع المعروف بالناسخ والمنسوخ، وإذا لم يعرف التاريخ ولا نستطيع أن نجمع بينها ولا نوفق بينها بحمل بعضها على بعض فإن وجه الترجيح هنا ” غير منحصر، إذ الوقائع الجزئية النوعيةأو الشخصية لا تنحصر، ومجاري العادات تقضي بعدم الاتفاق بين الجزئيات بحيث يحكم على كل جزئي بحكم جزئي واحد، بل لا بد من ضمائم تحتف، وقرائن تقترن، مما يمكن تأثيره في الحكم المقرر، فيمتنع إجراؤه في جميع الجزئيات، وهذا أمر مشاهد معلوم، وإذا كان كذلك، فوجوه الترجيح جارية مجرى الأدلة الواردة على محل التعارض.”[52]

وما يتعلق بالقرآن أيضا هو محل عناية من أهل العلم ومبين وموضح، فإذا لم يمكن دفع هذا التعارض واستوت هذه النصوص من كل وجه من حيث الثبوت ومن حيث المعنى، فحينئذ يتوقف المجتهد، ولا يرجح بعضها على بعض إلا بمرجح.

والتعارض والترجيح بين الأدلة له ثلاث مجالات:

  1. ما بين منقولين.
  2. ما بين معقول ومنقول.
  3. ما بين معقولين.[53]

ومثال القسم الأول ما رواه الحارث بن بلال بن الحارثعن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت فسخ الحج في العمرة، لنا خاصة؟ أم للناس عامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بل لنا خاصة»،[54] مع ما رواه أحد عشر صحابيا أن الفسخ لم يكن لهم خاصة، وإنما لعموم أمته.

ذهب الإمام أحمد إلى ترجيح ما رواه أحد عشر صحابيا ففي السند أكثر الرواة فيجب تقديمه ” وأما حديث الحارث بن بلال: فقال أحمد: هو حديث لا يثبت، ولا أقول به، والحارث بن بلال لا يعرف، ولو عرف فأين يقع من أحد عشر رجلا من الصحابة، يرون الفسخ، ولا يصح حديث في أن الفسخ كان لهم خاصة، وأبو موسى الأشعري يفتي به في خلافة أبي بكر، وشطر من خلافة عمر.”[55]

وبهذا قال ” أصحاب الشافعي، واختلف أصحاب أبي حنيفة: فذهب الجرجاني وأبو سفيان السرخسي إلى أنه يرجح بكثرة الرواة، وحكى أبو سفيان عن الكرخي[56]: أنه لا يرجح بذلك.”[57]

ومثاله أيضا ما روته عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال«الولاء لمن ولي النعمة»، وخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان زوجها عبدا.[58] من طريق عروة بن الزبير والقاسم بن محمد قدمت على رواية الأسود عن عائشة «وكان زوجها حرا»[59] لأنهما ” سمعا منها من غير حجاب، لأنها خالة عروة وعمة القاسم.”[60]

وهذا ” أقرب إلى الضبط،”[61] فمن ” يسمع من غير حجاب يشهد مع النطق الإشارة الدالة على المراد به.”[62]

هذه الأمثلة المقدمة هي تخص أوجه الترجيح التي تعود إلى السند أما ما يعود إلى المتن فمثاله قوله صلى الله عليه وسلم «الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة»[63]فهذا ” آكد وأقضى في البيان، لأنه جمع بين إثباتها في المشاع ونفيها في المقسوم، فهو آكد من خبر يتضمن إثباتها في المشاع ويسكت فيه عن المقسوم.”[64] ” أن يكون أحدهما قد جمع بين النطق ودليله، لأن جمعه بينهما أشد تيقظا للبيان.”[65]

ومثاله أيضا أن يكون أحدهما لم يدخله التخصيص، والآخر دخله التخصيص، فيكون الأول أقوى، لأن دخول التخصيص يضعف اللفظ، ومنهم من قال يصير مجازا.”[66]

ومن هذا القسم أيضا ما يعود إلى أمور مرجحة أخرى غير السند والمتن ومثاله: عن عروة، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أعمر عمرى فهي له ولعقبه، يرثها من يرثه من عقبه»[67]فترجحعليه رواية جابر التي جاء فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه، فإنها للذي يعطاها، لا ترجع إلى الذي أعطاها، لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث»[68]قال جابر في الحديث عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيما رجل أعمر رجلا عمرى له ولعقبه، قال: قد أعطيتكها وعقبك ما بقي منكم أحد، فإنها لمن أعطيها، وإنها لا ترجع إلى صاحبها من أجل أنه أعطاها عطاء وقعت فيه المواريث ».[69]

ففي هذين الخبرين نجد أنه قد اقترن بأحدهما تفسير الراوي، فيكون مرجحا على ما لم يقترن به تفسيره.”[70]

القسم الثاني: ما بين معقول ومنقول ومثاله حديث الغسل سبعا من ولوغ الكلب، فقد جاء في بعض الروايات وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه، أن يغسله سبع مرات»[71]رده الإمام مالك بالقياس فقال: ” كيف يؤكل صيده وسؤره نجس.”[72]

القسم الثالث: ما بين معقولين ” إما قياسان، أو استدلالان، أو قياس واستدلال.”[73]ومثاله الاختلاف في طهارة سؤر الحمر الأهلية ونجاسته، فقد تعارض فيه قياسان:

  • الأول: قياسه على عرقها الذي هو طاهر، ” فيكون سؤرها طاهرا. ولأن عينها طاهرة بدليل جواز الانتفاع بها في حالة الاختيار، وجواز بيعها فيكون سؤرها طاهرا كسؤر الهرة.”[74]
  • والثاني: قياسه على لبنها الذي هو نجس فيكون نجسا، والجامع في كل منهما أنه مائع يخرج من بدنه لا من مخرج النجاسة. ” لأن سؤرها يتحلب من عينها كلبنها، ثم لبنها حرام غير مأكول فكذلك سؤرها، وهو القياس في الهرة أيضا لكن تركنا ذلك بالنص، وهو قوله – صلى الله عليه وسلم – في الهرة « ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم، والطوافات»[75]أشار إلى العلة، وهي كثرة البلوى لقربها من الناس، وهذا لا يوجد في السباع فإنها تكون في المفاوز لا تقرب من الناس اختيارا، وتأويل الحديثين أنه كان ذلك في الابتداء قبل تحريم لحم السباع، أو السؤال وقع عن الحياض الكبار، وبه نقول إن مثلها لا ينجس بورود السباع.”[76]

ومجمل القول أن التأويل يتخذ مجاله في التعارض الظاهري بين النصوص التشريعية، وهذا التعارض يقتضي نوعا من الترجيح أو التوفيق بينها.

الفرع الثاني: مجال التنزيل والتكييف للنصوص في إطار محكمات الشريعة وتوابثها ومقاصدها

أ ) أمثلة التأويل المستند إلى مقاصد الشريعة

“مقاصد الشريعة” مصطلح مركب من ” مقاصد ” و ” الشريعة “.

وتطلق كلمة (قصد) في اللسان العربي ويراد بها الاستقامة والاعتدال، والتوجه نحو الشيء، والاكتناز والامتلاء.[77]

والشريعة في اللغة ” (شرع) الشين والراء والعين أصل واحد، وهو شيء يفتح في امتداد يكون فيه. من ذلك الشريعة، وهي مورد الشاربة الماء. واشتق من ذلك الشرعة في الدين والشريعة. قال الله تعالى﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾،[78]وقال سبحانه﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.”([79])([80])

والشريعة، أو الشريعة الإسلامية يراد بها في الاستعمال الأشهر والأكثر تداولا: ” جملة الأحكام العملية التي تضمنها الإسلام، فالإسلام بقرآنه وسنته يتضمن شطرا اعتقاديا نظريا، وشطرا تشريعيا عمليا، ولذلك قيل: الإسلام عقيدة وشريعة.”[81]

ومقاصد الشريعة كمركب لم يرد عند علمائنا المتقدمين تعريفا محددا له، وإنما كانوايعملون بالمقاصد ويستحضرونها في اجتهاداتهم وآرائهم، أما بالنسبة للدراسات المعاصرة فثمة تعريفات متعددة:

قال الطاهر بن عاشور “أما علم مقاصد الشريعة فهو عبارة عن الوقوف على المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها.”[82]

وعرفها الريسوني بأنها ” الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد.”[83]

ومعرفة مقاصد الشارع وحكمه وأسراره من ” أعظم الفوائد وأوسع العوائد التي يجنيها العلماء المجتهدون،”[84] وقد وصى أبو حامد الغزالي الفقيه المجتهد بأن ” يكون شديد البحث عن أسرار الأعمال والأقوال فإنه إن اكتفى بحفظ ما يقال كان وعاءا للعلم ولا يكون عالما ولذلك كان يقال: فلان من أوعية العلم، فلا يسمى عالما إذا كان شأنه الحفظ من غير اطلاع على الحكم والأسرار.”[85]

وحكمة التشريع هي ” الغرض أو المصلحة الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية أو الخلقية التي من أجلها شرع حكم النص، فحيثما تحققت هذه الحكمة، وجب تطبيق الحكم.”[86]وعلى هذا، فإن ” التأويل الذي يعتمد على حكمة التشريع، هو اجتهاد بالرأي يرمي إلى أمرين:

  • أولا: تفهم المنصوص عليه في ضوء حكمة التشريع، وهي الباعث عليه، أو غاية الحكم فيه.
  • ثانيا: تطبيق المنصوص عليه أو تنفيذه على كل وجه يحقق تلك الغاية، ويكون دليل تسويغ وجوه هذا التطبيق هو الغاية نفسها، أو غرض الشارع من النص.”[87]

فالتأويل القائم على حكمة التشريع أصدق دليل على أن المجتهد بالرأي يتصرف في معنى النص تفهما وتطبيقا، قال فتحي الدريني مبينا ذلك: أما تصرفه في معنى النص ” تفهما، فلأنه يتعمق معنى النص ليدرك غاية تشريعه، ثم ينزل النص على المعنى الذي حددته حكمة التشريع، ومن ثم كان لزاما عليه أن يؤول النص على وفق ذلك المعنى تأويلا لا يخرج به عما يمكن أن يحتمله بحسب وضعه اللغوي، وهو شرط أساسي من شروط التأويل.أما تصرفه في التطبيق، فيبدو في تبين المسالك التي تفضي الى تحقيق تلك الحكمة التي هي روح النص.”[88]

ومثال هذا التأويل المستند لحكمة التشريع قوله صلى الله عليه وسلم«في كل أربعين شاة شاة»[89]والرسول صلى الله عليه وسلم في قوله «في كل أربعين شاة شاة»قد خص بالذكر الشاة في ايجابها زكاة عن كل أربعين شاة وهذا الحديث من المسائل الخلافية التي اعتبر فيها تأويل الحنفية بعيدا.فهل الواجب في زكاة الغنم الأربعين إخراج الشاة بعينها، أو الواجب أحد أمرين الشاة أو قيمتها المالية؟

والشافعية ذهبت إلى أن تخصيص الشاة بالذكر يفيد تعيينها بالذات، بحيث لا يجزئ في أداء الواجب إلا إخراجها عينا “فالشافعية أخذا من هذا الحديث: يرون وجوب الشاة عينا، ولا يجيزون دفع قيمتها،”[90] لأن” ذلك هو المنصوص، إذ الحديث ظاهر الدلالة في وجوب الشاة على التعيين، ولا يكون الخروج من العهدة إلا بدفعها عينا.”[91]

أما الحنفية فأولوا الحديث على سبيل التخيير فحملوا لفظ الشاة على العين أو القيمة مستندين في ذلك إلى أن الغرض من إيجاب الشاة زكاة للأربعين، سد حاجة الفقراء، وحاجة الفقراء كما تسد بنفس الشاة تسد بقيمتها، بل قد يكون دفع القيمة أيسر في سد حاجتهم من إعطائهم نفس الشاة ” وما قالوا في التعليل أن الزكاة لدفع حاجات المحتاج، ودفع الحاجة في القيمة أشد”[92] ” قالوا المراد قيمة شاة.”[93]وعمدتهم في هذا التأويل ما وجد من أدلة نصية وعقلية، فالأدلة من النص قد دلت على جواز أخذ القيمة ومنها:

ما روي عن معاذ رضي الله عنه « ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير، فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين، بالمدينة«[94] فقد ” قبل معاذ بدليل العين الواجبة في الزكاة، من ذرة، وشعير ثيابا يسهل وجودها في اليمن، ويعز في الحجاز، فهي أسهل دفعا على المكلفين، وأوفر مصلحة لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لحاجتهم اليها في المدينة.”[95]

وكذلك ما روى البخاري عن أن أنس رضي الله في كتاب فريضة الصدقة.[96]

والانتقال من العين إلى القيمة في هذا الحديث، دليل على أن ” المقصود ليس خصوص عين السن المعينة وإلا لسقط أن تعذر أو وجب شراؤه ودفعه.”[97]

قال الكمال بن الهمام[98] ” إذا فعلمنا أن التنصيص على الأسنان المخصوصة والشاة لبيان قدر المالية وتخصيصها في التعبير لأنها أسهل على أرباب المواشي.”[99]

وأما الدليل العقلي فإن ” التعليل بغرض الشارع من الزكاة وهو سد خلة الفقير ودفع حاجة ذوي الحاجة، وهذا يتأدى بكل من العين والقيمة هو تعليل مقبول، وليس قضاء على الظاهر، ولا ابطال لمدلوله، بل هو توسعة لمحل الحكم، فالشاة المنصوص عليها بعد التعليل محل للدفع، كما أن قيمتها محل أيضا، وفي التعليل دائما توسعة لمحل الحكم، فإذا دفعت القيم فقد استوفى المكلف مراد النص واليوم ونحن نبحث هذا الحكم نرى أنفسنا مع الاتجاه الذي يعطي القيمة ما يعطي العين خصوصا إذا وضعنا في حسابنا إلى جانب الدليل الشرعي واقع تطور الثروة وواقع حاجات الناس”[100]

فالتأويل هنا إنما كان في “صرف لفظ الشاة عن معناه الظاهر المتبادر منه لغة، إلى معنى آخر هو قيمتها أو ماليتها وهو احتمال عقلي أيده الدليل المستخلص من حكمة التشريع.”[101] وقد أنكر الإمام الشافعي هذا التأويل ” لا من حيث إنه نص لا يحتمل لكن من وجهين:

أحدهما: أن دليل الخصم أن المقصود سد الخلة، ومسلم أن سد الخلة مقصود، لكن غير مسلم أنه كل المقصود، فلعله قصد مع ذلك التعبد بإشراك الفقير في جنس مال الغني، فالجمع بين الظاهر وبين التعبد، ومقصود سد الخلة أغلب على الظن في العبادات؛ لأن العبادات مبناها على الاحتياط من تجريد النظر إلى مجرد سد الخلة.

الثاني: أن التعليل بسد الخلة مستنبط من قوله: «في أربعين شاة شاة» هو استنباط يعود على أصل النص بالإبطال أو على الظاهر بالرفع وظاهر وجوب الشاة على التعيين، فإبراز معنى لا يوافق الحكم السابق إلى الفهم من اللفظ لا معنى له، لأن العلة ما يوافق الحكم، والحكم لامعنى له إلا ما يدل عليه ظاهر اللفظ وظاهر اللفظ يدل على تعيين الشاة، وهذا التعليل يدفع هذا الظاهر.”[102]

وممن رد هذا التأويل أيضا الشيخ محب الله بن عبد الشكور ” فغير صحيح لأنه معنى مستنبط من أصل مبطل إياه”[103] وكذلك أحمد الإيجي ” قالوا المراد قيمة شاة لما تقدم أن المقصود دفع الحاجة والحاجة إلى قيمة الشاة كالحاجة إلى الشاة وهذا أبعد مما قبله لأنه إذا وجب قيمة الشاة فلا يجب الشاة فيجب أن لا تكون مجزئة وأنها تجزء اتفاقا، وأيضا فيرجع المعنى المستنبط من الحكم وهو دفع الحاجة المستنبط من إيجاب الشاة على الحكم وهو وجوب الشاة بالإبطال وكل معنى إذا استنبط من حكم أبطله فهو باطل لأنه يوجب بطلان اصله المستلزم لبطلانه فيلزم من صحته اجتماع صحته وبطلانه وأنه محال فينتفي صحته فيكون باطلا.”[104]

والإمام الغزالي بالرغم من أنه شافعي المذهب فقد خالف مذهب إمامه وأيد ما ذهبت إليه الحنفية بقوله: ” وهذا غير مرضي عندنا، فإن وجوب الشاة إنما يسقط بتجويز الترك مطلقا، فأما إذا لم يجز تركها إلا ببدل يقوم مقامها فلا تخرج الشاة عن كونها واجبة، فإن من أدى خصلة من خصال الكفارة المخير فيها فقد أدى واجبها، وإن كان الوجوب يتأدى بخصلة أخرى فهذا توسيع للوجوب، واللفظ نص في أصل الوجوب لا في تعيينه وتصنيفه، ولعله ظاهر في التعيين محتمل للتوسيع والتخيير.”[105]

واستند في تأييده هذا بـ: «وليستنج بثلاثة أحجار»[106] فقال ” فإن إقامة المدر مقامه لا يبطل وجوب الاستنجاء، لكن الحجر يجوز أن يتعين ويجوز أن يتخير بينه وبين ما في معناه.”[107]

ومثاله أيضا، حديث الرسول صلى عليه وسلم«البينة على من ادعى واليمين على من أنكر»،[108] فالظاهر من الحديث أن على المدعي إقامة البينة على دعواه، وعلى كل مدعى عليه حلف اليمين إذا أنكر.”

وظاهر أحاديث الباب أن اليمين على المنكر والبينة على المدعي.”[109] والحديث ” فيه عموم وخصوص من وجه.”[110]

وقد ذهب ” الجمهور وحملوه على عمومه في حق كل أحد سواء كان بين المدعي والمدعى عليه اختلاط أم لا.”[111]

لكن الإمام مالك خصص عموم هذا الحديث بما اذا كان بين المتخاصمين “خلطة”[112]قال محمد بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي: ” ولا يحلف المدعي عليه بمجرد دعوى المدعي دون أن ينضم إليها سبب يقويها من مخالطة أو ما يجرى مجراها.”[113] وأيضا أكد ما ذهبت إليه المالكية في تخصيص الحديث الشوكاني الذي قال: ” وعن مالك لا تتوجه اليمين إلا على من بينه وبين المدعي اختلاط لئلا يبتذل أهل السفه أهل الفضل بتحليفهم مرارا.”[114] وقارب مذهب الإمام مالك قول الإصطخري[115] من الشافعية ” وقريب من مذهب مالك قول الإصطخري من الشافعية: أن قرائن الحال إذا شهدت بكذب المدعي لم يلتفت إلى دعواه. قوله صلى الله عليه وسلم«لو يعطى الناس بدعواهم، ادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه»[116]هذا هو وجه الحكمة.”[117]

وقد اشترط المالكية في ” المصلحة التي تصلح دليلا لتخصيص العام، أن تكون قد اقتربت من مستوى ” الضرورة ” وذلك بأن تشتد الحاجة إليها بما يقرب من الضرورة، بحيث لو لم تتحقق لوقع الناس في ضيق شديد، ومشقة بالغة غير معتادة، وهذا الوصف يشمل المصلحة الخاصة والعامة.”[118]

ولابد من التنبيه هنا أنه ليس المقصود بالمصلحة ” حكمة تشريع نص معين، بل المصلحة التي تصلح دليلا لتخصيص العام، أو الاستثناء من أصل ” الحل العام ” سواء أكانت عامة أو خاصة، فيثبت لما أخرج من أفراد العام بالتخصيص، حكم مخالف لحكم العام، أو للحل العام.والتخصيص نوع من أنواع التأويل كما علمت، بل هو أكثر أنواع التأويل وقوعا.”[119]

والمصلحة في اصطلاح الشرع وأهله ما فيه جلب النفع والصلاح للفرد ودرء المفسدة عنه، يقول الغزالي “أما المصلحة فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة، ولسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع.”[120]

والشريعة الاسلامية انبنت في جملتها على جلب المصالح ودرء المفاسد، كما دلت على ذلك نصوص الشريعة وأحكامها يقول ابن القيم ” فالشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل.”[121]

ومجمل القول، أن تخصيص العام هو إخراج اللفظ عن ظاهر معناه إلى معنى آخر يحتمله ولومن بعيد، أو تستدعيه المصلحةالتي يفرضها الواقع، فالتخصيص يكون بأدلة معينة تنتمي برمتها إلى حقل المتغير في الواقع مثل العقل والعرف والمصلحة وروح التشريع ومقاصده.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.